فهرس الكتاب

الصفحة 2235 من 5777

بين يدي الحج

فقه

الحج والعمرة

أمين بن نور الدين بتقة

بوزريعة

عثمان بن عفان

1-ثمة منافع أخروية كثيرة للحج. 2- ما الحج المبرور؟ 3- صور من بر الحاج. 4- دعوة للمبادرة إلى الحج. 5- شروط وجوب الحج.

أما بعد:

قال الله تعالى: وَأَذّن فِى ?لنَّاسِ بِ?لْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى? كُلّ ضَامِرٍ [الحج:27] ، أي: ناقة ضامر تقطع المسافات يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ لّيَشْهَدُواْ مَنَـ?فِعَ لَهُمْ [الحج:27، 28] .

أيها المؤمنون، يتحقق للعبد في مناسك الحج والوقوف بمشاعره ما يُرجى أن تضاعف له به الأجور، وترتفع الدرجات، ويحط عنه الخطيئات، ما لا يدخل تحت حصر، ولا يحيط به وصف.

فمن ذلك الرغبة في الخير وعلو الهمة في أنواع من الطاعات؛ من صلاة وطواف وصدقات وذكر وتلاوة القرآن وإحسان إلى الناس بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة وإطعام الطعام وغير ذلك.

أيها المؤمنون، قد يعتقد البعض أن كل حاج يغفر له، ألا فاعلموا أن الحاج يستحق بفضل الله وكرمه جنة الله ودار رضوانه بشرط البر، فعن أبي هريرة يرفعه: (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) )متفق عليه، وقد صح عن النبي تفسير بر الحج، ففي المسند عن جابر عن النبي قال: (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) )قالوا: وما بر الحج يا رسول الله؟ قال: (( إطعام الطعام وإفشاء السلام ) ).

وقالوا: البر هو فعل الطاعات كلها، وضده الإثم، قال الله تعالى: لَّيْسَ ?لْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ?لْمَشْرِقِ وَ?لْمَغْرِبِ وَلَـ?كِنَّ ?لْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لآخِرِ وَ?لْمَلَئِكَةِ وَ?لْكِتَـ?بِ وَ?لنَّبِيّينَ وَءاتَى ?لْمَالَ عَلَى? حُبّهِ ذَوِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ وَ?بْنَ ?لسَّبِيلِ وَ?لسَّائِلِينَ وَفِي ?لرّقَابِ [ا لبقرة:177] ، وكلها يحتاج إليها الحاج، فلا يصح الحج بدون الإيمان، ولا يكون مبرورا بدون إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأركان الإسلام مرتبط بعضها ببعض.

ومن أعظم أنواع البر ـ عباد الله ـ كثرة ذكر الله تعالى فيه، قال: (( أفضل الحج العج والثج ) )، والعج هو رفع الصوت بالتلبية والذكر، والثج إراقة دماء الهدايا والنسك.

ومن أنواع البر في الحج كذلك ـ عباد الله ـ استحسان الهدي واستسمانه واستعظامه، قال الله عز وجل: وَ?لْبُدْنَ جَعَلْنَـ?هَا لَكُمْ مّن شَعَـ?ئِرِ ?للَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ [الحج:36] ، وقال: وَمَن يُعَظّمْ شَعَـ?ئِرَ ?للَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ?لْقُلُوبِ [الحج:32] . وقد أهدى النبي في حجة الوداع مائة بدنة.

ومن بر الحج كذلك ـ عباد الله ـ اجتناب أفعال الإثم كلها، من الرفث والفسوق والمعاصي، قال الله عز وجل: فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ?لْحَجّ [البقرة:197] ، وقال النبي: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) )أخرجه البخاري.

ومن بر الحج كذلك ـ عباد الله ـ أن يطيب العبد نفقته، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.

ومن بر الحج كذلك ـ عباد الله ـ أن لا يقصد العبد بحجه رياء ولا سمعة، ولا مباهاة ولا فخرا ولا خيلاء، ولا يقصد به إلا وجه ربه ورضوانه، ويتواضع في حجه، ويستكين ويخشع لربه، قال تعالى: وَأَتِمُّواْ ?لْحَجَّ وَ?لْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] .

قال رجل لابن عمر رضي الله عنهما: ما أكثر الحاج! قال: (ما أقلهم) ، وقيل: الركب كثير والحاج قليل.

أما بعد:

قال الله تعالى: وَللَّهِ عَلَى ?لنَّاسِ حِجُّ ?لْبَيْتِ مَنِ ?سْتَطَـ?عَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ?لله غَنِىٌّ عَنِ ?لْعَـ?لَمِينَ [آل عمران:97] .

الكلام على الحج يفيد من استجمع شروطه، أما غيره فليعقد العزم على ذلك.

فاتقوا الله عباد الله، وأدوا ما فرضه الله عليكم من الحج تعبدا لله تعالى، ورضا بحكمه، وسمعا وطاعة لأمره إن كنتم مؤمنين، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ?للَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ?لْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـ?لًا مُّبِينًا [الأحزاب:36] .

كيف تطيب نفس المؤمن أن يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه وهو يعلم أنه من فرائض الإسلام وأركانه؟! كيف يبخل بالمال على نفسه في أداء هذه الفريضة وهو ينفق الكثير من ماله فيما تهواه نفسه؟! وكيف يوفر نفسه عن التعب في الحج وهو يرهق نفسه في التعب في أمور دنياه؟! وكيف يتثاقل فريضة الحج وهو لا يجب في العمر سوى مرة واحدة؟! وكيف يتراخى ويؤخر أداءه وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه؟! مع أن الله رحم عباده فلم يوجب الحج على كل واحد بل على من استوفى الشروط فقط.

فالحج واجب مرة واحدة في العمر فقط، وعلى البالغ فقط، فالصبي لا يجب في حقه الحج وإن كان يصح منه ويؤجر وليه معه عليه.

والبلوغ يكون للصبي بواحد من أمور ثلاثة: إنزال المني أو تمام خمس عشرة سنة أو إنبات العانة، وفي الإناث بهذه الثلاثة وزيادة أمر رابع وهو الحيض.

ولا يجب الحج على غير المستطيع، والاستطاعة تكون بالمال والبدن، بالمال أن يملك ما يحج به زائدا على نفقة وكسوة وأجرة سكن عياله سنة كاملة، وأن يملك ما يزيد على قضاء دينه الحالّ، أما الدين الموثق برهن يكفي لسداده فليس شرطا, والدين هام جدا حتى إن الشهيد ليحبس عن الجنة بالدين يبقى عليه.

والاستطاعة بالبدن أن يكون الإنسان قادرا على الوصول بنفسه إلى البيت أي مكة بدون مشقة، فإن كان لا يستطيع الوصول إلى البيت، أو يستطيع الوصول لكن بمشقة شديدة كالمريض، فإن كان يرجو الاستطاعة في المستقبل انتظر حتى يستطيع ثم يحج، فإن مات حُجَّ عنه من تركته، وإن كان لا يرجو الاستطاعة في المستقبل كالكبير والمريض الميؤوس من برئه فإنه يوكل من يحج عنه من أقاربه أو غيرهم، فإن مات قبل التوكيل حُجَّ عنه من تركته.

وإذا لم يكن للمرأة محرم فليس عليها حج؛ لأنها لا تستطيع السبيل إلى الحج، فإنها ممنوعة شرعا من السفر بدون محرم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت النبي يقول: (( لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ) )، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا! فقال النبي: (( انطلق، فحج مع امرأتك ) ). واحترزوا ـ عباد الله ـ في هذا، فكم من امرأة ذهبت للحج مع من تثق بهم، فلما وصلوا إلى الحج كأنهم لا يعرفونهم.

والمحرم هو الرجل الذي يحرم عليها زواجه تحريما مؤبدا، ويشترط أن يكون بالغا عاقلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت