الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
1-من الفتن التي تتعرض للإنسان في حياته فتنة المال. 2- الحذر من مشغلة المال. 3- الإسلام يلبي حاجات الروح والجسد، وحاجات الدنيا والآخرة. 4- الكسب الطيب. 5- حذر النبي أمته من الإسراف والحرص وغيره من فتن المال.
قال الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْو?لُكُمْ وَلاَ أَوْلَـ?دُكُمْ عَن ذِكْرِ ?للَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـ?ئِكَ هُمُ ?لْخَـ?سِرُونَ [المنافقون:9] .
يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من فتنة، هي موطن ضعف النفس البشرية ـ فتنة المال والأولاد ـ وأعظمَهما فتنة (المال) تحصيله وإنفاقه، لأن المال قريب من صاحبه سهل المأخذ، سريع النجدة سهل الاستثمار والتنمية، مردوده وربحه سريع.
أما الولد: فيحتاج إلى تربية وعناء وقد يكون بعيدًا ومريضًا وعاقًا بخلاف المال، فالمال أشد فتنةً من الولد، لذلك قدمه الله تعالى، والمشاهد في حياة الناس افتتانهم بالمال أكثر من افتتانهم بالولد، فخراب الذمم عند كثير من الناس والرشاوى والسرقة والغصب والربا وأكلُ مالَ اليتيم وغيرها، كل ذلك بسبب فتنة المال، أعاذنا الله وإياكم والمسلمين منها.
فالله عز وجل الخالق العليم بما خلق يعلم أن الحرص على المال هو أعمق مواطن الضعف في النفس البشرية، فهو زينة الحياة الدنيا وموضع الابتلاء والامتحان، لذلك حذر من الافتتان، وجعله فتنة توقع صاحبها بالمخالفة والمعصية، بل وأخبر أن من ألهته أمواله وأولاده عن ذكره أنه من الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، قال القرطبي تفسيرًا للآية السابقة: المولى سبحانه حذر المؤمنين أخلاق المنافقين، أي: لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون إذ قالوا ـ للشح بأموالهم ـ: لاَ تُنفِقُواْ عَلَى? مَنْ عِندَ رَسُولِ ?للَّهِ حَتَّى? يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَلَـ?كِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ [المنافقون:7] .
فالمؤمن بالله تبارك وتعالى لا بد عليه أن ينتبه إلى ما عند الله عز وجل من الأجر العظيم فيسعى السعي الحثيث في طاعة الله تعالى وتحصيل مرضاته، ويحذر من أن تلهه أو تشغله أمواله وأولاده عن ذكر الله، ولذلك يقول الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:28] ، رحمة بالعباد ينبههم خالقهم وملكهم إلى ما عنده من الأجر العظيم لعلهم يتقون، لعلمه أن النفوس لكي تتجافى عن لهو المال والولد، لا بد لها في المقابل من شيء تحس أنه أعظم وأبقى وأكثر مما بين يديها، فإذا علمت النفوس ذلك قَدِمَت على الأجر، وضحت في مقابله زينةَ المال والولد، وقد فسر القرطبي رحمه الله قول الله تعالى: وَأَنَّ ?للَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ: بالجنة فهي الغاية، وهي الأجرُ العظيم. جعلنا الله وإياكم من الفائزين.
عباد الله، لا يفهم من ذلك أن الإسلام يدعو إلى التخلص من المال والولد، فليس الأمر كذلك بل الإسلام دين حياة وآخرة، دين يوازن بين متَطَلَّبات الروح ومتَطَلَّبات الجسد، فلا يُطغي جانبًا على جانب، قال الله تعالى: وَ?بْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ?للَّهُ ?لدَّارَ ?لاْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ?لدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ?للَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ?لْفَسَادَ فِى ?لأرْضِ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يُحِبُّ ?لْمُفْسِدِينَ [القصص:77] ، فللروح أشواقَها وطلباتِها وللجسد رغباته ومادته، ولكن الإسلام لا يجعل للدنيا مقام يعلو على الآخرة، لذلك قال: وَ?بْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ?للَّهُ ?لدَّارَ ?لاْخِرَةَ مما يشعر أنها الغاية والمطلوب، أما فيما يتصل بالدنيا فقال: وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ?لدُّنْيَا ولفظ النصيب يشعر بأنه محدود ومعلوم ومقدر كمًّا وكيفًا ومقدارًا وزمانًا، وهذا النصيب من الدنيا ملازمٌ للإنسان مدركه لا محالة، كما قال رسول الله: (( أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ ) )رواه ابن ماجه وصححه الألباني رحمه الله.
كما أن الإسلام يدعو إلى كسب المال واستثماره وتنميته بالطرق المشروعة، وكتابُ اللهِ ينص على أن المؤمنين الذين يعبدون الله ويقيمون الصلاة، ويتوكلون عليه، وتكون لهم أموال ينفقون منها ويصفهم بأنهم هم المؤمنون حقًا، يقول تعالى: إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ?للَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـ?تُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـ?نًا وَعَلَى? رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?لَّذِينَ يُقِيمُونَ ?لصَّلَو?ةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـ?هُمْ يُنفِقُونَ أُوْلئِكَ هُمُ ?لْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:2-4] .
وعثمان لم يظفر بقولِ الرسولِ: (( مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ"مَرَّتَيْنِ ) )لم يظفر بهذا القول إلا لما أنفقه من ماله على جيش العسرة و (( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) ). فدين الله كامل، ولم يأمر الله بالتخلص من المال، وإنما بإخراجه من محل الإيمان من القلب إلى مواضعه المادية، وأن يكون في يد العبد لا في قلبه، فإذا ما أحرقه لهيبه رماه حتى لا يفسد عليه إيمانه كالربا ورشوة وغيرها من الحرام، ولكم أن تتفكروا فيمن كان المال في قلبه كيف يكون حاله إذا لسعه لهيبه فطغى على إيمانه وتوكله على الله. لا شك أنه من الخاسرين."
عباد الله، إن فتنة هذه الأمة المال، كما قال كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: (( إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ ) )رواه الترمذي وصححه الألباني. أي اللهو به، فالمال قد يهلك صاحبه لأنه مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه، فتُمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك.
ولذلك قال النبي: (( وَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ) )البخاري. قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: وفيه ـ أي الحديث ـ أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى الهلاك. ومعنى الحديث أن لكل أمة من الأمم فتنة، تختص بها وتكون سببا لضلالها ومعصيتها، كما أخبر النبي أن غالب فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وقال: (( وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ ) )أي أن أكثر ضلال أمتي، وسبب عصيانها هو المال، فإن الحرص على المال والانشغالُ بجمعه عن طاعة الله، سيؤدي إلى كثرة الحساب عليه، وتعدد الحقوق فيه للفقراء والمستحقين، وقد جاء في الحديث عن النبي: (( اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: الْمَوْتُ وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ، وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ ) )أحمد.
كذلك فإن الحرص على المال يؤدي إلى تضييع حق الله في العبادة، والانشغال عن الواجبات كالصلوات وحضور مجالس العلم وترك العناية بتربية الأولاد، وإصلاح الأهل حتى لا يجد الرجل وقتًا لتعليم أولاده تربيتهم التربية الصالحة، فيتركهم هملًا وعرضة للانحراف والضياع، وهو المسئول عنهم أمام الله يوم القيامة.
قال النبي: (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ ) )البخاري. أي أنه مخذول وغير معان، حتى إذا أصابته شوكة فلا يجد من يخرجَها له، وما أجمل ما قاله في حق المال ووضعه في محله عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ: (( إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ) )مسلم.
وقال النبي: (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ) )الترمذي وصححه الألباني.
لم ترد.