فقه
الحج والعمرة
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
1-فضل الحج ومكانته في الإسلام. 2- أذان إبراهيم بالحج وتلبية المؤمنين له. 3- من فضل يوم عرفة. 4- فرضية الحج والدعوة للمبادرة إليه.
أما بعد: الحج ركن من أركان الإسلام، وشعيرة من شعاره العظام دعا إليه رب العالمين، وأوجبه على عباده المستطيعين، قال تعالى: وَللَّهِ عَلَى ?لنَّاسِ حِجُّ ?لْبَيْتِ مَنِ ?سْتَطَـ?عَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] .
ولقد بَيّن النبي فضله فقال: (( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) )البخاري.
الرفث: الجماع ـ الفسق: المعاصي.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: (( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ) ).
وقد أمر الله نبيه الخليل بعد بناء بيته الجليل أن ينادي عبيده إلى الفضل الجزيل ليحط عنهم مولاهم كل وزر ثقيل فقال سبحانه وتعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْر?هِيمَ مَكَانَ ?لْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَ?لْقَائِمِينَ وَ?لرُّكَّعِ ?لسُّجُودِ وَأَذّن فِى ?لنَّاسِ بِ?لْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى? كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ [الحج:26، 27] .
وقد جاء عن جمع من الصحابة والتابعين أن إبراهيم عليه السلام لما أمره الله تعالى أن يُؤذن في الناس بالحج نادي بأعلى صوته: يا أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم، فأجابوه بالتلبية: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ.
وقد أبلغ الله تعالى صوت إبراهيم عليه السلام عندما نادي بالحج كل مكان، فلما علم عباد الله المؤمنين بذلك الدعاء وذلك النداء تفتحت له أسماعهم وتفتحت له قلوبهم، فصاروا له مجيبين، ولداعيه ملبين، قطعوا الوِهاد، وساروا الفيافي، وجاوزوا النجاد، محبة ومرضاة لرب العباد، صاروا إلى الله ملبين، ولرحمته راجين، خرجوا، وما للدنيا خرجوا، خرجوا لرحمة الله طامعين، وفي جوده وإحسانه وعظيم كرمه آملين، خرجوا إلى الله يرجون رحمة الله بقلوب مليئة بالإجلال والشوق والحنين إلى عفو الله، خرجوا وكلهم أمل في الله تعالى أن يناديهم: حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور.
إلهنا ما أعدلك مليك كل من ملك
لبيك قد لبيتُ لك لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك ما خاب عبد سألك
أنت له حيث سلك لولاك يا رب هلك
لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك
والليل لما أن حلك والسابحات في الفلك
وكل من أهل لك سبحا أو لبا فلك
يا مخطأ ما أغفلك عجل وبادر أجلك
اختم بخيرٍ عام لك لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك والحمد والنعمات لك
اعلموا عباد الله أن بين أيديكم يوم عرفة، يوم سعُد الواقفون فيه وفازوا، الذين لبسوا ثياب الإحرام وخلعوا ملابس الترفيه، فهنالك تسكب العبرات وتقال العثرات وتغفر السيئات، إنه عرفات وما أدراك ما يوم عرفات؟ يوم تفطرت فيه القلوب لرب البريات، ما طلعت الشمس على يوم أفضلَ عند الله من يوم عرفة، عن عائشة رضي الله عنها عن النبي قال: (( مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ ) ).
والله إنه لموقف عظيم يجل عن الصفة وموقف جسيم، طوبى لمن وقفه حيث توضع الأثقال وترفع الأعمال، فمن خائف سطوة الملك الديان، ومن راج كرم الكريم المنان، أولئك يباهي بهم الله ملائكته الأبرار ويشملهم برحمته التي ملأت الأقطار فوا أسفًا لمن أبعدته الخطايا عن ذلك المقام وأبعدته عن موقف عرفات قبائح الآثام. يدخل أولئك مثقلين، يخرجون منها من الذنوب والخطايا مغسولين، ما أعظمها من نعمة وما أجلّها من منة، يسيرون بين تلك الشعاب يسيرون بين تلك الأودية كيوم ولدتهم أمهاتهم مغسولين مطهرين مرحومين، فيا لله كم من دعوة كتبت لصاحبها سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، ويا لله كم من دعوة تكتب لصاحبها رحمة لا يعذب بعدها أبدًا.
يا راحلين إلى مِنى بقيادي هيجتم يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلك يا وحشتي الشوق أقلقني وصوت الحادي
ويطيب لي ما بين زمزم والصف عند المقام سمعت صوت منادي
من نال من عرفات نظرت ساعة نال السرور ونال كل مرادي
قال تعالى: َللَّهِ عَلَى ?لنَّاسِ حِجُّ ?لْبَيْتِ مَنِ ?سْتَطَـ?عَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ?لله غَنِىٌّ عَنِ ?لْعَـ?لَمِينَ [آل عمران:97] .
إخواني، من أنكر فريضة الحج فقد كفر، ومن أقر بالحج وتهاون في فعله مع قدرته عليه فهو على خطر، فإن الله قال بعد إيجابه على الناس وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ?لله غَنِىٌّ عَنِ ?لْعَـ?لَمِينَ [آل عمران:97] .
ولهذا قال بعض أهل العلم أن تارك الحج وهو قادر مستطيع كافر لقوله تعالى.. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: (لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جِدَ ولم يحج أن يضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين) .
ولا شك أن من ترك الحج لا يخشى عقابه ولا يرجوا ثوابه أنه كافر لأنه حينها لا يقر بوجوبه ولا يرى فرضيته ولا شك أن من اعتقد ذلك أنه قد كفر، وكذلك كل من ترك الحج استهانة به وتقليلًا من شأنه فهو كافر لأنه لا يعظم حرمات الله جل وعلا ولا يعتقد إيجابه وإلزامه أيضًا، أما من ينوي حج الفريضة، ولكنه يؤخر ويسوف ويقول: أحج العام، وأحج بعد العام حتى جاءه الأجل، وهو لم يحج، فليس داخلا في هذا، وإن كان الحزم أن يعجل الإنسان بالحج لقول النبي: (( تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ ) ).
وكيف تطيب نفس المؤمن أن يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه، وهو يعلم أنه من فرائض الإسلام وأركانه، كيف يبخل على نفسه في أداء هذه الفريضة، وهو ينفق الكثير من أمواله فيما تهواه نفسه، وكيف يخاف على نفسه من التعب وهو يرهق نفسه في أمور دنياه وكيف يتثاقل فريضة الحج وهو لا يجب في العمر سوى مرة واحدة، وكيف يتراخي ويؤخر أداءه وهو لا يدرى لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه.
فيا من لم تحجوا فرضكم، عما قليل سوف يسارع المشمرون ويتركونكم، ويمضي المجدون ويخلفونكم، ويرتحل حجاج بيت الله العتيق وأنتم تبقون أسارى قيود التعويق، قعدت بكم الهمم الفاترة، وآثرتم المساكن الطيبة والمراتب الفاخرة، تريدون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة.
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فطوي المراحلا
وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا
ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن نظرت إلى الأطلال عُدن حوائلا
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا
ما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا
لم ترد.