أديان وفرق ومذاهب, موضوعات عامة
جرائم وحوادث, فرق منتسبة
محمد بن عدنان السمان
الرياض
جامع الجهيمي
1-حمد الله تعالى على ما منّ به من كشف مخططات الفئة الضالة. 2- ضلال أصحاب الفكر المنحرف. 3- من صور الضلال والإضلال. 4- صفة الخوارج. 5- أسباب انحراف الفئة الضالة. 6- التحذير من الغلو في الدين.
أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، وراقبوه ولا تعصوه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102] .
معاشر المسلمين، فإننا نحمد الله أولًا وآخرًا ونثني عليه الخير كله أن منَّ على هذه البلاد وقيادتها وأهلها بكشف مؤامرات الفئة الضالة الدنيئة، وفضح إجرامهم في حقّ دينهم ووطنهم وقيادتهم وأهلهم، وإبطال أفعالهم وجرائمهم المنكرة المتنوّعة المتعدّدة، وذلك بفضل الله عز وجل وعونه وحسن توفيقه لرجال الأمن البواسل وجميع الأجهزة المتعاونة معهم، فحالَ الله بينَ ما يشتهي أصحاب القلوب المريضة والعقول المتخبطة، وردَّ كيدَهم في نحورهم ولله الحمد.
أيها المسلمون، إن المتتبع لأعمال الفئة الضالة منذ سنوات يعلم مدى ما هم فيه من الضلال والإضلال، ومع ذلك كله فقد ناداهم ولاة أمرنا ـ أيدهم الله ـ نادوهم نداء الشفقة الرحمة، نادوهم نداء الحسم والحزم، ناداهم علماؤنا وبيّنوا لهم الحقَّ بالدليل من الكتاب والسنة، ناداهم دعاتنا وخطباؤنا وحذّروهم مما هم فيه من الضلال والغواية، ناداهم كلّ غيور على دينه ووطنه، بل ناداهم آباؤهم وأمهاتهم وزوجاتهم، ولكن قلوبهم المريضة وعقولهم القاصِرة حالت دون عودَتهم وأوبتهم ورجوعهم إلى الطريق المستقيم، وتعجب ماذا يريد هؤلاء المفسدون في الأرض بهذا الإرهاب؟! أيريدون الدنيا؟! فالتدمير والتخريب والغدْر والخيانة والخوف يفسد الحياة ولا يُبقي منها على شيء، أم يريدون الآخرة كما يزعمون؟! فالجنةُ لا تُنال بقتلِ النفس أو بقتل المسلمين أو غير المسلمين المستأمَنين أو بعصيان الله ورسوله أو عصيان وليّ الأمر، وهذه أعمالٌ من أعمال أهلِ النار.
أيها المسلمون، صور الضلال والإضلال لهذه الفئة الباغية صور كثيرة متنوعة، فكم من أنفسٍ مسلمة بريئة أُزهقت بأيديهم، وكم مِن نفوس مؤمنة رُوِّعت وخوّفت، وكم من أموال وممتلكاتٍ أُتلِفت، لم يرحَم هؤلاء المجرِمون المخرِّبون طفلًا ولا شيخًا ولا امرأة، لم يراعوا أيَّ قِيَم دينيّة وأخلاقية، ولم يبالوا بشرعٍ ولا عقلٍ ولا إنسانية.
أتذكرون حينما جمعوا أسلحتهم وخبؤوها قريبًا من مكة قريبًا من بيت الله الحرام؟! ومثل ما قيل في مكة قل في المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. هذه الفئة أسقطت مِن قاموسها تعظيمَ شعائر الله وعظمةَ بيته الحرام وسكّانه الكِرام التي حفِظها الله منذ خلقَ السمواتِ والأرض.
أتذكرون عندما استخفّوا بكتاب الله حينما اتَّخذوا من أحدِ المساكن في مكة المكرمة وكرًا لتصنيع وتجميع وإخفاءِ أسلحةِ القتل وأدواتِ التخريب والدّمار التي كان من بَينها مصاحفُ مفخَّخة حتّى يكون الموتُ أو ما يقرُب منه مصيرَ من حرَّك أغلِفتَها ليقرأ كلامَ الله الذي بِه حياةُ القلوب والأرواح؟! فهل يقبَل بهذا ـ أيّها الإخوة ـ مؤمنٌ صادق يحذَر الآخرةَ ويرجو رحمة ربِّه؟! وهل يقبل بهذا كلُّ من له بقيّةٌ من عقل أو صُبابة من فِكر أو أثارة من عِلم؟!
الخروج على ولي الأمر وتكفير المجتمع والغلو في الدين صوَر من مظاهر هذه الفئة، هم على أثر الخوارج، لقد كان الخوارج أهلَ عبادةٍ، وفيهم مظاهرُ الصّلاحِ وإظهارٌ لبعض الشّعائِر كما في الحديث: (( تحقِرون صلاتكم عند صلاتهم، يقرؤون القرآنَ لا يجاوِز حناجرَهم ) )رواه البخاري ومسلم.
هؤلاء الخوارجُ الشاذّون ظهَروا في خير القرونِ وأفضلها، في عهدِ صحابة نبيّنا محمّد ، فوصَل بهم الحال إلى أن حاربوا الصّحابةَ والمسلمين، بل قتلوا الخليفتَين الرّاشدَين عثمانَ عليًّا رضي الله عنهما. ألا يكفي زَيفًا وضلالًا أن يُجهِّل الخوارج صحابةَ رسول الله ويكفِّروهم ويحاربوهم؟!
لقد كان عند الخوارجِ شيءٌ مِن حماسٍ ونوع مِن إخلاص، لكن لم يكُن عندَهم عِلمٌ صحيح ولا فِقهٌ سليم، حارَبوا الصحابةَ، وقَتلوا الخلفاءَ، زاعمين أنَّ هذا هو طريقُ الإصلاح.
أيّها المسلمون، إنّ مِن أعظمِ أسباب انحرافِ هؤلاء الجهلَ والعزلةَ عن المجتمع وعدمَ أخذِ العلم من أهلِه وغفلةَ الأسرة، وإنّ في كثير منهم إعجابًا بالنّفس كبيرًا، وهذه كلُّها من الصوارِف عن الحقّ والفِقهِ وأخذِ العلم من أهله وأبوابه.
معاشرَ المسلمين، وثمّةَ سببٌ في الانحرافِ كبير، ذالكم هو الوقوعُ في دائِرة الغلو. إنّ الغلوّ في دين الله هو ـ والله ـ سببُ الهلاك، فلقد قال عليه الصلاة والسلام: (( إيّاكم والغُلوّ، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ ) )رواه أحمد بسند صحيح.
الغلوّ مشاقّةٌ حقيقيّة لهديِ الإسلام وإعراضٌ عن منهجِه في الوسطيّة والاعتدال والرّحمَة واليُسر والرِّفق. الغلوّ ظلمٌ للنّفس وظلمٌ للنّاس، بل هو صدّ عن سبيل الله لِما يورِثه من تشويه وفتنةٍ وتنفير. الغلاةُ يتعَصّبون لجماعتِهم ويجعلونَها مصدرَ الحقّ، ويغلُون في قادتِهم ورؤسائِهم، ويتبرّؤون مِن مجتمعاتِ المسلمين، ويكفّرون بالمعَاصي، ويكفّرون أهلَ الإسلام وحكّامَ المسلمين، ويقولون بالخروج على أئمّة المسلمين، ويعتزلون مجتمعاتِ المسلمين، ويتبرّؤون منهم، لا يصلّون خلفَ أئمّة المسلمين في مساجدِ المسلمين. لقد وصفهم نبيّنا محمّد بوصفَين ظاهرين خطيرَين في قوله عليه الصلاة والسلام: (( يقرؤون القرآنَ لا يجاوِز حناجرَهم، يقتُلون أهلَ الإسلام ويدَعون أهلَ الأوثان ) )أخرجه البخاري ومسلم.
الوصفُ الأوّل: يقرؤون القرآن ولا يفقهونَه ولا يدرِكون مقاصدَه، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (إنّهم انطلَقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفّار فجعلوها على المؤمنين) رواه البخاري معلقًا بسند موصول عند الطبري صحيح.
الوصف الثاني: استحلالُ دماءِ المسلمين: (( يقتلون أهلَ الإسلام ويدَعون أهلَ الأوثان ) ). يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"إنّهم يكفِّرون بالذّنب والسيّئات، ويترتّب على تكفيرهم بالذّنوب استحلالُ دماءِ المسلمين وأموالِهم، وأنّ دارَ الإسلامِ دارُ كفر، ودارهم هي دار الإسلام"، ولقد قال أبو قلابة:"ما ابتدَعَ رجلٌ بدعةً إلاَّ استحلَّ السيف"، فلا حول ولا قوّة إلا بالله، يجمعون بين الجهل بدين الله وظلمِ عبادِ الله، وبِئستِ الطّامّتان الدّاهيتان.
إنّ مصيرَ الغلاة هو الهلاك بنصّ حديث رسول الله: (( هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون ) )أخرجه مسلم.
أيها المسلمون، إن اجتماعات الفئة الضالة السرية دليل على ضلالهم وانحراف منهجهم، هؤلاء المفسدون ينفردون بتفسير للقرآن الكريم أو تفسيرٍ للحديث النبويّ لم يعلمه الصحابةُ والتابعون، ولم يعلمْه علماء الأمّة إلى هذا الوقت، فليظهَر هؤلاء المفسدون مِن جُحورهم، وليناظروا الراسخين في العلم في أفكارهم النابتةِ في كواليس الظلمات والسِّرِّيات، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"ما اجتمع قومٌ سرًّا على أمرٍ مِن أمور الدين إلاَّ كانوا على ضلالة".
لقد قدّم هؤلاء للعالم صورةً قاتمة عن الإسلام وأهله، فهم ـ والله ـ لا للإسلام نصَروا ولا للكفر كسَروا.
اللهم احفظنا بحفظك ورد كيد الكائدين إلى نحورهم.
أقول ما سمعتم...
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فيا أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السرّ والنجوى، وتقرّبوا إليه جلّ وعلا بصالح الأعمال وكثرة التوبة والاستغفار.
أيها المسلمون، ها هي هذه الفِئة كشّرت عن أنيابها وبذلت الجهد والمال للتخريب والدمار، فلنقف صفًا واحدًا مع ولاة أمرنا وعلمائنا ورجال الأمن ضد هذه الفئة الضالة الباغية، وسيكون لنا حديث مُهمّ بإذن الله معكم في الخطبة القادمة عن وسائل الحصانة من هذه الأفكار والأعمال المنحرفة، والله الهادي إلى سواء السبيل.
الحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله على نعمِه التي لا تُحصَى؛ جمع كلمتنا على الحق، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة، جمعنا على إمام واحد ودين واحد وبلدٍ واحد، فنسأله سبحانه أن يزيدنا أمنًا واستقرارًا ونعمةً وفضلًا وصلاحًا وفلاحًا، وأن يردَّ كيدَ الحاقدين ومكر الماكرين على بلادنا وأئمتنا وولاة أمورنا وعلمائنا وأهلينا، كما نسأله سبحانه أن يمُدّ الساهرين على أمننا وراحتنا بعونه وتوفيقه، وأن يسدِّد آراءهم وخُططهم ويبارك في أعمالهم وجهودهم ويربطَ على قلوبهم ويكشف لهم كلَّ غامض وأن ينصرهم على كلّ مفسد ومخرِّب ومحارب، إنه سميع مجيب...