أديان وفرق ومذاهب
أديان
هاشم محمد علي المشهداني
الدوحة
الريان الكبير
1-تحذير رسول الله من الفرقة. 2- أهم أسباب الفرقة. 3- سمات الفرقة الناجية.
قال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [الأنعام:153] . خط رسول الله خطا ورسم على جوانبه خطوطا وقال: (( هذا هو طريق الله وهذه السبل على رأس كل واحد منها شيطان يدعو إليها ثم قرأ الآية ) ) ( [1] ) ، فطريق الله واحد لا تعدد فيه وطرق الضلالة متعددة لا حصر لها والفرقة ثمرة لاتباع السبل المعوجة.
فما الفرقة وأسبابها؟ ومن الفرقة الناجية وسماتها؟ وما هو موقف المسلم من ذلك كله؟
أما الفرقة: فهي ضد الوحدة والتجمع، وهلاك الأمة بتمزيقها للحديث: (( سألت ربي ثلاث فأعطاني اثنتين ومنعني الثالثة سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنين فأعطانيها وسألت ربي ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألت ربي ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ) ) ( [2] ) .
وأهم أسباب الفرقة:
بعدنا عن إسلامنا: جرت سنة الله تعالى أن أمم الكفر قد تجتمع على باطلها وتتعاون وتتفق عليه قال تعالى: والذين كفروا بعضهم أولياء بعض [الأنفال:73] . وأن أمة الحق لا تستقيم إلا بالإسلام يقول ابن خلدون رحمه الله: (العرب أمة همجية ولا يسوسها ولا يهذبها إلا الدين) وهذا واضح جلي في استحالة اجتماع الأمة على أمر أبدا.
الاعتزاز بغير الله من عشيرة أو أرض أو دم أو طين وليت هذا الاعتزاز نظهره على أعداء الله ولكننا أقوياء على بعضنا أذلاء على أعدائنا، إسلامنا يدعونا بآياته فيقول: إنما المؤمنون إخوة [الحجرات:10] . إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات:13] . وبأحاديث يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (( إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل: يا بني آدم وضعتم نسبا ووضعت نسبا وضعتم نسبًا: فقلتم فلان بن فلان ووضعت نسبا فقلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي ) ) ( [3] ) .
أمراض القلوب: فليس إسلامنا مجرد مظهر إسلامي من مسواك ولحى بل لابد لذلك من باطن نظيف طاهر من الظلم والحسد والبغضاء والضغينة: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ) ( [4] ) .
الركون إلى الدنيا، قطع أواصر المحبة والمودة فأمة الحق كانت تعيش كلها بمشاعر واحدة وهم واحد وفرحة واحدة فهي: (( كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ) ( [5] ) ، ولكن حب الدنيا أفقدها معاني سامية كثيرة كالرحمة والرأفة والإيثار فعاشت في مادية قاتلة أذهبت بجمالها وأحالتها قبيحة منفرة.
أن نكيف دين الله لأنفسنا ولا نكيف أنفسنا لمنهج الله تعالى فنأخذ من إسلامنا ما يوافق أمزجتنا وندع ما لا يوافقها، فجرت علينا سنة الله تعالى كما جرت على الأمم من قبلنا قال تعالى: ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم لقيامة [المائدة:14] .
فالعداوة والبغضاء ثمرة لذلك الترك الجزئي لمنهج الله وميثاقه.
الخلاف حول الفرعيات: ومن سماحة إسلامنا أن في الكثير من أحكامه سعة ورحمة ومراعاة لأحوال الناس وتفاوتهم وينبغي أن يراعي في بحث أي مسألة قراءتها في أكثر من كتاب، وأن تكون المراجع من الكتب المعتمدة التي خطها سلف الأمة بأيد متوضئة ونفوس معظّمة لله تعالى، وعقول جمعت إلى العلم النزاهة والتجرد من الأهواء، وينبغي أن يراعي أيضًا وضع الفعل في موضعه فلا يجوز رفع السنة إلى درجة الفرض أو الهبوط بالفرض إلى درجة المستحبات، وينبغي أن يراعي أيضا ألا نبني محبتنا وبغضنا على اتفاق أو اختلاف في الأخذ بأي وجه ثبت عن رسول الله أو زكاه سلف الأمة فذاك دليل قصور في العقل وفساد في القلب.
وأما سمات الفرقة الناجية: فإن فرقة الأمة أمر قديم وقد أراد الله تعالى أن يقيم الحجة على عباده بعباد له متجردين في كل زمان ومكان سمتهم:
أنهم قليل من الناس قال تعالى: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث [المائدة:100] . وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [الأنعام:116] . وللحديث: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى أن يأتي أمر الله ) ) ( [6] ) .
وإن منهجهم فيه الشمول الكامل للدين الذي جاء به محمد بن عبدالله فليسوا مجزئين ولا مؤمنين ببعض وكافرين ببعض للحديث: (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على إثنتي وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ما أنا عليه وأصحابي ) ) ( [7] ) .
وإنهم مصلحون فلا يحبسون الخير في أنفسهم، وإنما لهم ولغيرهم والصبر في تبليغ شرع الله تعالى للحديث: (( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي ) ) ( [8] ) .
وإنهم مجاهدون فرجل القول غير رجل الجهاد، فالقول صنعة يتقنها الكاذب كما يتقنها الصادق والمحك هو الجهاد حيث ينفي خبث الصف ويصقل القلوب والعقول حتى تتجرد لخالقها سبحانه، للحديث: (( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة حتى يقاتل آخرهم الدجال ) ) ( [9] ) .
وإنهم مستعلون عن كل منعطف أو ركون يشدهم إلى الأرض، عارفون بحديث المصطفى: (( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) ) ( [10] ) .
وأما موقفنا من ذلك كله:
فعلينا أن نسأل الله دائما الثبات والصبر على دينه مرددين قوله تعالى وهو يعلّمنا: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [آل عمران:8] . ومرددين دعاء المصطفى: (( اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ) ).
وعلينا أن نكون جامعين لا مفرقين لأمة محمد ، ناصحين لا فاضحين دعاة لا قضاة، والذين يتسببون في هذه الفرقة مهما كان دافعهم فإنه لن يخرج عن دائرة، الإثم والحساب، إلا من رحم ربي وشاء، حيث داء الأنا الذي ورثوه عن الذي قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف:12] . والجهل بالعدو المشترك، وعدم استكمال جوانب التربية، وقصور الفهم وضيق الأفق، والنظر إلى الأمور من خرم إبرة، والأهواء وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وانقلاب الموازين وعدم التثبت وسد الفتن، والاعتزاز بغير الله من نسب الأرض والطين والدم واللون والطبقة، وتضخيم جوانب على حساب أخرى من منهج الله، وسوء التقدير بين الأصول والفروع، كلها أسباب ثمرتها المرة هي الفرقة والاختلاف فاسدة لاصطدامها بالأصول المنصوص عنها في الكتاب والسنة، ولا اجتهاد في موضع النص فتأمل.
( [1] ) رواه أحمد.
( [2] ) أخرجه المسلم.
( [3] ) الطبراني في الأوسط والبيهقي.
( [4] ) مسلم.
( [5] ) متفق عليه.
( [6] ) رواه مسلم والترمذي.
( [7] ) أبو داود والترمذي.
( [8] ) رواه الترمذي.
( [9] ) رواه الحاكم.
( [10] ) متفق عليه.
لم ترد.