فهرس الكتاب

الصفحة 1928 من 5777

عقوق الوالدين

الأسرة والمجتمع, موضوعات عامة

السياحة والسفر, الوالدان

سعيد بن يوسف شعلان

جدة

عمار بن ياسر

1-تعريف العقوق وضابطه وبعض صوره. 2- النصوص تحرم العقوق. 3- الإجازة والسفر

للخارج. 4- الإسراف في الحفلات.

أما بعد:

فإن عقوق الوالدين من كبائر الذنوب وقد عرفه بعض العلماء بأنه:

صدور ما يتأذى به الوالدين من قول أو فعل، وعرفه بعضهم بأن ضابط العقوق هو أن يحصل للوالدين أو لأحدهما إيذاء ليس بالهين عُرفًا، فسبهما وعصيانهما والتلكؤ في قضاء شؤونهما ومد اليد بالسوء إليهما ولعنهما وغيبتهما والكذب عليهما؛ كل ذلك عقوق ونكران للجميل، وكذلك نهرهما وتوبيخهما وقهرهما والتأفف منهما والتكبر عليهما والدعاء عليهما كأن يقول الابن لوالده: أراحنا الله منك، أو أخذك الله، أو عجل الله بزوالك، كل ذلك عقوق وإثم كبير وذنب عظيم.

وهذا الذي يقع من الأبناء للوالدين تجد الوالدين معه يكرهان الحياة، يود أحدهما أن لم يكن له ولد وأنه كان عقيمًا، فبعض الناس لا يكتفي بالتقصير في حق والديه بما مضى ذكره من الإساءة، بل يسوؤهما بما يسمعهما وتضيق معه صدورهما، وينكد بذلك عليهما معيشتهما.

فعقوق الأبناء تئن له الفضيلة، وتبكي له المروءة، وتأباه الديانة، ولا يرضى به العاقل فضلًا عن المتدين لأن فعله منكر عظيم.

وقد لا يسب العاق والديه مباشرة ولكن يسب أبا هذا وأم هذا؛ فيسبون أباه وأمه كما أخبر رسول الله وأخبر أن ذلك من العقوق ومن الكبائر: أن يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه أو يسب أمه، ويصبون على والديه من أجل ذلك اللعنات أضعاف ما صدر منه، والبادي هو الظالم. إذ هو الذي جلب لوالديه السب واللعن، وما أكثر السب والشتم واللعن في وقتنا هذا! وما أسهله عند الناس! وما أكثر الاحتقار للوالدين في البيوت والأسواق وفي كل محل -نسأل الله العافية-.

ولقد حرم الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء عقوق الوالدين ولو بأن يقال لهما أدنى ما يمكن أن يعبر به عن الإمتعاض وعدم الرضى، ولو بأن يقال لهما أُف. حرم ذلك فقال: فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23] .

ومما جاء في السنة المطهرة من بيان جرم العقوق وقبحه وإثمه، ما رواه البخاري وغيره عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي قال: (( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات، وكره لكم: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ) ).

وروى البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا: قلنا بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس وقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور ) )فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.

فكما شفع الله الأمر بتوحيده بالأمر ببر الوالدين كذلك شفع النهي عن الإشراك به بالنهي عن عقوق الوالدين، وفي ذلك دلالة واضحة على جرم العقوق وقبحه وإثمه.

نسأل الله تعالى الثبات على الأمر والعزيمة على الرشد، ونسأله شكر نعمته وحُسن عبادته، ونسأله أن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمته، إنه هو أرحم الراحمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن إلا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

ثم أما بعد:

فإنه من اللازم والضروري حتمًا التنبيه على ما يقع من بعض الناس في هذه الأيام من الأمور التي لا يصح وقوعها من المسلمين الذين شرفهم الله وأنعم عليهم بالهداية إلى هذا الدين القيم.

فبعض الناس بمجرد انتهاء اختبارات الطلاب يقبلون على السفر إقبالًا شديدًا، وبعضهم يُسرف في الإنفاق على إقامة الاحتفالات بمناسبة النجاح والزواج، ولا ريب أن السفر في حد ذاته ليس أمرًا معيبًا؛ فإن في السفر فوائد جمة عظيمة لا سيما إن كان السفر سفر طاعة، كأن يكون لطلب علم أو صلة رحم أو لقصد بيت الله الحرام بالحج أو العمرة أو نحو ذلك من الأمور المرضية شرعًا.

وأما أن يكون السفر للترويح عن النفس بأمور لا يتمكن من نيلها في هذا البلد، وهي أمور لا تحل شرعًا فإنه حينئذ يكون سفر معصية.

ويلاحظ ذلك من المسافرين حينما يصلون إلى جهاتهم التي قصدوها بالسفر، وهذا هو الغالب -والله أعلم- وقوعه من الناس في هذه الأيام إلا ما رحم ربي، فتجد نهارهم قد انقلب إلى ليل، فنهارهم نوم وليلهم سهر تؤتى فيه المحرمات والمنكرات، وتُضيع فيه الصلوات، ويُشرب فيه ما حرم الله من المسكرات، ويتساهل أثناءه في التبرج والاختلاط، ويُشتغل فيه بحظوظ النفس العاجلة والشهوات عما خلق الله العباد لأجله من معرفته وعبادته.

فيا أيها الناس:

وَ?تَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ?للَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة:281] .

ورحم الله القائل:

وا حسرتي، وا شقوتي من يوم نشر كتابيا.

واطول حزني إن أكُن أوتيته بشماليا.

وإذا سئلت عن الخطأ ماذا يكون جوابيا.

وا حرّ قلبي أن يكون مع القلوب القاسية.

وإما الإسراف في الإنفاق في إقامة الاحتفالات بمناسبة النجاح والزواج حتى إنك لتجد بعض الناس يقيمون حفلًا بمناسبة نجاح طفلة في السنة الثانية من المرحلة الابتدائية، فيقدمون إلى الناس بطاقات للدعوة أشبه ما تكون ببطاقات الدعوة إلى الزواج، ويقام الحفل في محل كبير.

وكان الأولى أن يقدم إلى هذه الطفلة هدية، وأن يُدعى لها بالنجاح الدائم والفوز، وأن يبارك من حولها هذا النجاح، وأن يشعروها بأنها قد أدت عملًا عظيمًا لا سيما إذا كانت متفوقة في العلوم الشرعية، محافظة على صلاتها، متقية لما نهى الله تبارك وتعالى عنه، وذلك لا يتأتى طبعًا إلا بتوجيه الوالدين وحُسن التربية والتنشئة.

أما هذا، فإن الإنكار عليه لازم، ولا يُستحيا في أن يُنكر على من يفعلون هذا الفعل، الإسراف في الإنفاق في إقامة الاحتفالات منكرٌ أيضًا؛ لأن الله تبارك وتعالى جعل المسرفين إخوانًا للشياطين فقال في سورة الإسراء: وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ ?لْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْو?نَ ?لشَّيَـ?طِينِ وَكَانَ ?لشَّيْطَـ?نُ لِرَبّهِ كَفُورًا [الإسراء:26-27] .

فاعلموا أيها الناس: أن المال ينبغي أن ينفق في طاعة الله وفي مراضيه، وأن يُربأ به عن الإنفاق في مساخطه سبحانه. بل ينبغي أن يُسرف في مواساة الحاجات وسد الخلات وتفريج الهموم والكربات، وإعداد العدة لما أمرنا الله أن نستعد له من مواجهة الأعداء والاستعداد والتجهيز لذلك، هذا ما ينبغي أن ينفق فيه المال وإلا كان الحساب عليه عسيرًا وشديدًا.

فيا أيها الناس:

إن الله قد جعل لحياتكم أجلًا معلومًا، إذا بلغتموه فلن تتأخروا أو تتقدموا عنه ساعة، كما قال الحسن البصري رحمه الله: لم يضرب الله للناس أجلًا دون الموت، حتى يقول الناس نتوب إذا ما بلغنا أو تزوجنا أو حججنا أو نحو ذلك مما يقوله الناس. فإن الله عز وجل لم يُحدد للناس أجلًا قبل الموت. حتى إذا ما بلغوه تابوا عما وقع منهم وعما سلف منهم، واعتذروا وعادوا إلى الله. لا. ضرب الله لحياتنا أجلًا إذا بلغناه فلن نستطيع أن نتأخر أو نتقدم عنه ساعة.

فالسعيد حقًا هو من صبر في هذه الدنيا على التكاليف التي جعلها الله في طوقنا وفي قدرتنا فقال: لاَ يُكَلّفُ ?للَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286] . فالسعيد هو من صبر على هذه التكاليف، وصبر على الطاعات، وصبر على المعاصي حتى يفوز برضى الله في الدنيا وفي الآخرة.

فيا أيها الناس عليكم بمعرفة الله عز وجل من خلال كتابه وسنة رسوله والآيات المبثوثة في الكون، فإن معرفة الله عز وجل سببٌ للخيرات كلها وسببٌ لسعادة العبد في الدنيا والآخرة، والجهل بالله سبحانه سبب للكفر والفسوق والعصيان، نعوذ بالله من الجهل به ومما ينشأ عن ذلك الجهل.

تعرفوا على الله من خلال كتابه، اقرءوا قوله تعالى في سورة الروم: ?للَّهُ ?لَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء سُبْحَـ?نَهُ وَتَعَـ?لَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم:40] .

وتعرفوا على الله من خلال سنة رسوله فإن النبي يقول في الحديث الصحيح: (( يطوي الله سبحانه وتعالى السموات يوم القيامة بيمينه ويقبض الأرض بشماله ويقول: أنا الملك. أنا الجبار أين ملوك الأرض، أين الجبابرة ) ).

هذا يلقي في قلوبكم محبة الله عز وجل وتعظيمه وتوقيره، ويعرفكم أنكم مراقبون وأنكم واقعون تحت سمعه وبصره، ليس كمثله شيء، ليس كمثل سمعه وبصره سبحانه سمعٌ ولا بصر، بل ليس كمثله في أسمائه وصفاته وألوهيته وربوبيته شيء وهو السميع البصير سبحانه.

وإياكم والجهل بالله تبارك وتعالى فإنه يوقعكم في المهالك ويودي بكم في الردى فتندمون أشد الندم على جهلكم يوم لا ينفع ندم، يوم لا ينفع ندم ولا ينفع إلا الصدق والإيمان والطاعة والخوف والوجل والإشفاق من الله عز وجل والإنابة والتقرب إليه بما يحب ويرضى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت