فهرس الكتاب

الصفحة 5079 من 5777

مع سورة ق(1)

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير, الموت والحشر

عبد العزيز بن أحمد الغامدي

جدة

جامع الأميرة العنود

1-قراءة النبي سورة ق على المنبر. 2- إنكار المشركين للبعث ورد الله تعالى عليهم. 3- دعوة إلى النظر في آيات الله الكونية. 4- إهلاك الله تعالى للأمم المكذبة للرسل.

أما بعد: أيها المسلمون، اتقوا الله تبارك وتعالى، واشكروه على أن هداكم للإسلام وجعلكم من أمة القرآن.

عباد الله، كانت سنة رسول الله كثرةَ وعظِ الناس بهذا القرآن، وكان ربما خطبَ بسورة من القرآن، ومن هذه السور التي خطب بها سورة ق، روى الإمام مسلم عن أم هشام رضي الله عنها قالت: ما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [سورة ق] إلا من في رسول الله ، كان يقرأ بها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس.

إخوة الإيمان، ما أجمل أن نحيي هذه السنة، ونعيشَ لحظاتٍ في ظلال هذه السورة نقرؤُها، ونتدبّرُ آياتها ونتأملُ عظاتها.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق: 1-5] .

يقسم الله تعالى بالقرآن، رفيع القدر والشرف، وسيع المعاني وعظيمها، كثير البركات، الذي قد احتوى من العلوم أعظمها، ومن الفصاحة أكملها، ومن الألفاظ أجزلها، ومن المعاني أعمّها وأحسنها، وهذا كله مثبت لكماله، موجب لاتّباعه وسرعة الانقياد له وشكر الله عليه.

ولكن أكثر الناس لا يقدِّر نعم الله قدرها، فالكفار المكذبون للرسول عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ من جنسهم، يمكنهم التلقّي عنه، ومعرفة أحواله وصدقه، ينذرهم عقاب الله وما يضرّهم، ويأمرهم بما ينفعهم، فتعجبوا من أمر لا ينبغي لهم التعجب منه. فَقَالَ الْكَافِرُونَ الجاحدون المكذبون: هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ، يتعجبون حقيقة أو تصنّعًا من بعثة النبيّ بشرًا مثلهم، ويتعجّبون مما أخبرهم به وأنذرهم من البعث بعد الموت للحساب والجزاء. يقولون: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ؟! فاستبعدوا البعث بعد الموت، وأنكروا الحساب والجزاء، ويرون أنه غير ممكن؛ قاسوا قدرة من هو على كل شيء قدير بقدرة العبد الفقير العاجز، وقاسوا الجاهل بمن هو بكل شيء عليم.

ثم قال سبحانه ردًا على تعجبهم، وقد يكون هذا هو جواب القسَم في أول السورة: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ، فالله الذي يعلم ما تنقص الأرض وتأكل وتُفني من أجسادهم مدة مقامهم في برزخهم وعنده سبحانه كتابُه اللوحُ المحفوظُ قد أحصى فيه عددهم وأسماءهم وكلَّ ما يجري عليهم في حياتهم وبعد مماتهم، وهذا استدلال بكمال علمه وعظيم قدرته على إحيائه الموتى.

ثم أخبر سبحانه أن كلامهم وتعجبهم إنما هو عناد وتكذيب للحق والصدق والقرآن والنبوة: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ، فكذبوا القرآن بمجرد تبليغهم به، فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ مختلط مشتبه ملتبس؛ لا يعرفون حقه من باطله، فلا يثبتون على شيء، فتارة يقولون عن النبي: ساحر، وأخرى يقولون: مجنون، وتارة يقولون: شاعر، وأخرى يقولون: كاهن، وكذلك قولهم في القرآن؛ فقد جعلوه عضين؛ كلٌ قال فيه ما اقتضاه رأيه الفاسد، وهكذا كل من كذب بالحق فإنه في أمر مختلط، لا يُدرى له وجهةٌ ولا قرار، أما من اتبع الحق وصدق به فإنه يثبت أمرُه ويستقيم.

أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق: 6-11] .

لما ذكر تعالى حالة المكذبين دعاهم أن ينظروا إلى آياته في مخلوقاته كي يعتبروا، فقال: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ أي: أغَفِلوا عن عظيم قدرة الله حين كذّبوا بالبعث، فالله خلق السماء، فلينظروا كَيْفَ بَنَيْنَاهَا على هذه الصفة العجيبة؛ قبة مستوية الأرجاء، ثابتة البناء، مرفوعة بغير عمد، وَزَيَّنَّاهَا بالنجوم والكواكب واللّون الحسن وغير ذلك، وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ: لا ترى فيها عيبًا ولا صدوعًا ولا شقوقًا ولا إخلالًا، قد جعلها الله سقفًا لأهل الأرض، وأودع فيها من مصالحهم ما أودع.

وَلينظروا إلى الأَرْض كَيْفَ مَدَدْنَاهَا بسطناها وفرشناها ووسعناها، حتى أمكن كلُّ من يعيشُ عليها السكون فيها والاستقرار وقضاء مصالحه، وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ، وأرساها بالجبال الثوابت التي رست فيها لتستقر بأهلها، وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ من كل صنف نافع يَسُرُّ الناظرين؛ ذاتِ ألوانٍ مختلفة وأشكالٍ عجيبة وروائح عطرة وثمارٍ ذات مذاق طيِّب، جعلها الله نفعًا لبني آدم ولأكلهم وأكل بهائمهم.

ثم أخبر تعالى أن خَلْقه للسماوات والأرض وما فيهما من الآيات العظيمة تَبْصِرَةً وَذِكْرَى ، عبرةً لمن ينظرُ فيها، فيتبصرُ من عَمَى الجهل، ويوقنُ بأن القادر على مثل هذه الأمور قادرٌ على البعث، ويتذكر بها ما أخبر الله به وأخبرت به رسله، وليست هذه الذكرى والتبصرة لكل أحد، بل لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ، خاضع لله، مفكِّر في عظيم قدرته، رجّاعٍ مقبل على الله محبة وخوفا ورجاءً، أما المكذب والمعرض فما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون.

ثم قال سبحانه: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا أي: نزلنا من السحاب ماء كثير البركة لانتفاع الناس به في غالب أمورهم، ثم خص سبحانه بالذكر بعض تلك المنافع فقال: فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ يعني: حدائق من بساتين، بها أشجار كثيرة المنافع، مشتملة على صنوف الفواكه، وَحَبَّ الْحَصِيدِ الحبوب التي تحصد من الزرع وتُدَّخر وتكون قوتا للناس، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ طوال الارتفاع، لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ متراكب بعضه فوق بعض، فيخرج الثمر بشتى أنواعه وأحواله.

كل ذلك رِزْقًا لِّلْعِبَادِ ، فما يُخرج الله بالمطر وما هو من آثاره مما هو على وجه الأرض أو تحتَها مما يؤكل أو يشرب أو يدخر هو رزق للناس يقتاتون منه حسب حاجاتهم. وإن ما في ذلك من إحياء الأرض المجدبة بعد موتها دليل على قدرة الله على إحياء الموتى، ولهذا قال سبحانه: وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ. وما ذكر من هذه المخلوقات دليل على عظيم قدرة الله، وأنه أحكم الحاكمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه هو المستحق وحده للعبادة بخضوعها وذلها وحبها وخوفها ورجائها.

رزقنا الله لذة وشرف العبودية له، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: 12-15] .

ولما ذكّر الله المكذبين بهذه الآيات في السماء والأرض خوّفهم إن استمرّوا على التكذيب أن يصيبهم ما أصاب من سبقهم من المكذبين، فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي: كذبت قبل هؤلاء المشركين من قوم النبيّ أممٌ سابقة، كذّبوا رسلَهم الكرام، كنوحٍ عليه السلام، كذبه قومُه، وأصحابُ الرسّ هم أصحاب البئر، وقيل: هم أصحاب الأخدود، كذبوا نبيَهم وقتلوه في البئر، وثمود كذبوا صالحًا، وعادٌ كذبوا هودًا، وفرعونُ وملؤه كذبوا موسى، وإخوانُ لوط القوم الذين بُعث فيهم كذبوا لوطًا، وأصحاب الأيكة الشجر الملتف كذبوا شعيبًا، وقوم تبّع الحميري باليمن أحد تبابِعة اليمن يعني ملوكها وقد أسلم، ولكن قومه كذّبوا رسولَهم الذي أرسَله الله إليهم ومكثوا على عبادة أوثانهم، كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ، فهؤلاء كلهم كفروا بالله وكذبوا رسله، فحق عليهم العذاب، وليس المكذبون لمحمد خيرًا منهم، إن ربك لبلمرصاد.

ثم استدل تعالى بالخلق الأول وهو المنشأ الأول على الخلقِ الآخِر وهو النشأةِ الآخرة، فكما أنه الذي أوجدهم بعد العدم كذلك يعيدهم بعد موتهم، فقال: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ أي: لم نعجز ولم تضعف قدرتنا عن الخلق الأول في الدنيا، وليس هؤلاء المكذبون في شك من ذلك، وإنما هم في لبس وشكّ وحيرة من خلق جديد وهو بعثُ الأموات، مع أنه لا محلّ للبس فيه؛ لأن الإعادةَ أهونُُ من الابتداء، وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ.

اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، اللهم إنا نسألك حسن الختامة، اللهم أعنا على الموت وما بعده، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت