الرقاق والأخلاق والآداب
التوبة
عبد الله الهذيل
الرياض
فيحان
1-حال بعض الناس وقد ذهلوا عن الدين بانشغالهم بالدنيا. 2- الدعوة إلى المراجعة والتوبة.
3-تثبيط الشيطان عن التوبة. 4- قصة قاتل المائة نفس. 5- فرح الله بتوبة عبده.
أما بعد:
تأمل في توبة السابقين، وكيف أنهم عرفوا من أين يؤتون لما أن كانت ذنوبهم تُعد عدًا.
أما في زماننا فكم تكاثرت الذنوب على النفوس، فإذا هي في سبات طويل دون إحداث توبة تعيد لها حقيقة حياتها.
في حين أي شرخ يكون في مطالب الدنيا فسرعان ما يسعى في جبره وإصلاحه.
أيها الأحبة في الله، أحدثكم عن ذلكم الإنسان الذي تتعلق نفسه بكل جديد، وتتوق إلى كل جمال يظهر به، فيبدأ صفحة كل يوم من أيامه بموعد مع التجديد والتنظيم وإعادة النظر في كل شؤون مظهره.
فما أطول ما يُرى أمام مرآته، يقلب التجارب، في أي شخصية أنسب أن يخرج؟!
ومع مركبه يراعي كل دقيق وكبير في تنظيفه وتلميعه، ويمضى في ذلك الأوقات الطوال، حتى إذا رآه مركبًا لا يسر الناظرين استبدل به غيره، وهكذا.
وفي مسكنه ومكتبه، تصبح الأمكنة مشعثة عقب أعمال يوم، فإذا الأيدي الدائبة تجول هنا وهناك لتعيد لكل شيء رواءه ونظامه.
وهكذا شأنه فيما وراء ذلك، ولكنه بين هذا وذاك يحمل بين جنبيه نفسًا، كما أصابها من التصدع والصدأ، وكم عصفت بها أعاصير الفتن فلم تجد منه التفاتًا إليها، ولا مداواة لعللها، فهو راض بخرابها، بل وساع في تمزيقها.
فسبحان الله!
متى كان ذلك المظهر الزائل من مركب ومسكن أولى بالمراعاة وإعادة النظر والتنظيم من النفس التي هي حياة المرء في دنياه وأخراه.
ألا تستحق النفس أن يتعهد الواحد منا شؤونها بين الحين والحين ليرى ما عراها من اضطراب فيزيله، وما لحقها من إثم فينفيه؟!
فإن جمالها هو حقيقة الجمال الذي يرقى بصاحبه إلى أفق عال، تسمو به كل ظواهره، في حين يبقى كثير من الناس أسارى جمال كاذب، أغرقتهم فيه ظواهرهم بكدر الآمال الكاذبة التي تعلقت بها قلوبهم، وذلت لها جوارحهم.
فأيها المسلم، في لحظات من إدبار ليلك وإقبال نهارك، وعلى أطلال من ماض قريب أو بعيد، ترى فيه سوادًا في صحيفتك، ترجو له بياضًا يقرّ العين، فارجع إلى نفسك، واطلب لها تجديدها، بأوبة صادقة وتوبة نصوح، فإنها تضعف ولابد، وتخطئ ولابد، وذلك شأن العباد كما أخبر نبينا بقوله: (( كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ) ) [1] .
فالتوبة نور لقلبك، وطهارة لنفسك، تأخذ بك إلى حياتك الحقة، وسعادتك الدائمة.
فبادر إليها، وسارع فيها قبل فوات الأوان، فإن التأخر عنها ما هو إلا إطالة الفترة المظلمة في حجب المعاصي، وبقاؤك مهزومًا أمام نوازع الهوى والتفريط، بل قد يكون ذلك طريقًا إلى انحدار في هاوية مهلكة، دخل عليك الشيطان به من سمّ خياط، فلم ترع له بالًا، حتى بلغ مبلغًا لم يكن لك بحسبان.
أيها الأخ المبارك، واعلم أنك حين تتوب وترجع، فإنك تتوب إلى رب رؤوف رحيم غفّار، يقبل التوب ويعفو عن السيئات، وهو الذي ينادي عباده- وهو الغني عنهم- فيقول سبحانه من رب رحيم: وَتُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ، ويقول سبحانه: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا [التحريم:8] .
فارفع الفقر والعوز والإنابة إليه سبحانه، ولا يؤودنّك كثرة الخطايا، فإنها إن أعقبتها توبة صادقة ما بالى سبحانه بالعفو عنها.
واسمع نداءه لك - وهو الغني عنك، وأنت الذي لا ينفك فقرك إليه لحظة من اللحظات - في الحديث القدسي حيث يقول: (( يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولاأبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة ) )رواه الترمذي وحسنه من حديث أنس [2] .
فتأمل هذا النداء من الرحيم الودود إلى ذاك الذي أسرف على نفسه بالذنوب ليلين قلبه، ويحدوه الرجاء إلى ذلك الأفق الفسيح من رحمة الله تعالى، فإن أبى القلب ذاك وأضحى أسير البعد والعصيان فاقرأ عليه السلام.
أيها الأخ المبارك، ولربما وقف الشيطان بطريق توبتك مصوّرًا لك ذلك الكم الهائل من المعاصي التي اقترفتها ليثقل بها خطاك عن الطريق الذي أردت سلوكه.
ولئن أطعته فذلك الغبن والخسارة حقًا، فإياك وأن تتبع خطاه، فلم يعرف عنه قطُّ ولن يعرف أنه ناصح لك طرفة عين.
وادفع تلك الخواطر منه بتلك الحقيقة التي نطق بها العارف بربه عز وجل: (( ومن يحول بينك وبين التوبة ) ).
ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي قال: (( كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلّ على راهب فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمّل به المائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة ؟ فقال: ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة ) ) [3] .
وفي رواية: (( فلما كان في بعض الطريق أدركه الموت فناء بصدره نحوها ) ) [4] .
وفيه: (( فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر، فجعل من أهلها ) ) [5] .
وفي أخرى نحوه، وزاد: (( فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقرّبي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوُجد إلى هذه أقرب بشبر ) ) [6] .
فتأمل في حال ذلك العبد التائب كيف هيأ الله تعالى له أن ينوء بصدره وهو يعالج شدة الموت وسكراته حتى يكون إلى أرض الصالحين أقرب.
وتأمل كيف حرّك الله تعالى قريتين كاملتين من أجل هذا التائب، لأنه صدق الله تعالى، فصدقه الله وعده وقَبِلَ رجوعَه وسخّر له ما شاء من خلقه.
فلله، ما أوسع رحمة الله على عباده! وهم يعصونه بالليل والنهار، يتودد إليهم بالنعم، ويتبغضون إليه بالمعاصي.
فسبحانه ما أحكمه وأبره! وما أرحمه وأكرمه!
ومن رحمته سبحانه وتعالى فرحه بتوبة عبده حين يرجع إليه.
فعن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله يقول: (( لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها، حتى إذا اشتد عليه الحرّ والعطش ـ أو ما شاء الله ـ قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده ) )متفق عليه [7] .
وفي رواية: (( ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ) ) [8] .
فأيها العبد الفقير، أرأيت أنبل الناس عِرقًا وأطهرَهم نَفْسًا يجد فؤادًا يتلهف على لقائه بمثل هذا الحنين؟!
فكيف بخطّاء أسرف على نفسه، وأبعد في العصيان؟ إنه لو وجد استقبالًا يستر عليه ما مضى لكان بحسبه ذلك الأمان.
أما أن يقابل بتلك الفرحة وذلك الاستبشار فهذا ما لم يكن له بحسبان.
ولكن الله تعالى أرحم بعباده وأبرّ، وأسرّ بأوبة العائدين إليه مما يظنه كل قاصر.
فطوبى لذاك التائب، وقد تجددت له حياته، من معصية إلى طاعة، ومن ظلمة إلى نور، ومن ضلالة إلى هدى.
وبشراه تلك التجارة الرابحة حين يقبلها منه ربه عز وجل، ويرى فيه صدق الضراعة إليه بدعائه: (( اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) ) [9] .
والله أعلم سبحان علام الغيوب عجبًا لتصريف الخطوب
تغدو على قطفِ النفوس وتجتنى ثمر القلوب
حتى متى يا نفس تغترين بالأمل الكذوب
يا نفس توبي قبل أن لا تستطيعي أن تتوبي
واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب
إن الحوادث كالرياح عليك دائمة الهبوب
والموت شرع واحد والناس مختلف الضروب
والسعي في طلب التقى من خير مكسبة الكسوب
ولقلما ينجو الفتى بتقاه من لطم العيوب
[1] صحيح، أخرجه أحمد (3/198) ، والترمذي: كتاب صفة القيامة - باب حدثنا أحمد بن منيع... حديث (2499) وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث علي بن سعدة عن قتادة. وأخرجه أيضًا ابن ماجه: كتاب الزهد - باب ذكر التوبة، حديث (4251) ، وصححه الحاكم (4/244) ، وابن القطان، فيض القدير (5/17) والسيوطي، الجامع الصغير (6292) ، وحسنه الألباني، صحيح الجامع (4391) ، وصحيح الترمذي (2029) .
[2] صحيح، سنن الترمذي: كتاب الدعوات - باب في فضل التوبة... حديث (3540) ، وقال: حسن غريب. وأخرجه أيضًا أحمد (5/167) ، والطبراني في الكبير (12346) ، وصحح إسناده لا بأس به، (ص390) ، وصححه السيوطي في الجامع الصغير (6065) ، وقواه العجلوني في كشف الخفاء (2/199) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (127) .
[3] صحيح، صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء - باب حديث الغار، حديث (3470) ، صحيح مسلم: كتاب التوبة - باب قبول توبة القاتل... (2766) . ومسند أحمد (3/20، 72) ، وسنن ابن ماجه: كتاب الديات - باب هل لقاتل مؤمن توبة، حديث (2626) .
[4] صحيح، صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء - باب حديث الغار، حديث (3470) ، صحيح مسلم: كتاب التوبة - باب قبول توبة القاتل... (2766) . ومسند أحمد (3/20، 72) ، وسنن ابن ماجه: كتاب الديات - باب هل لقاتل مؤمن توبة، حديث (2626) .
[5] صحيح، صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء - باب حديث الغار، حديث (3470) ، صحيح مسلم: كتاب التوبة - باب قبول توبة القاتل... (2766) . ومسند أحمد (3/20، 72) ، وسنن ابن ماجه: كتاب الديات - باب هل لقاتل مؤمن توبة، حديث (2626) .
[6] صحيح، صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء - باب حديث الغار، حديث (3470) ، صحيح مسلم: كتاب التوبة - باب قبول توبة القاتل... (2766) . ومسند أحمد (3/20، 72) ، وسنن ابن ماجه: كتاب الديات - باب هل لقاتل مؤمن توبة، حديث (2626) .
[7] صحيح، صحيح البخاري: كتاب الدعوات - باب التوبة، حديث (6308) ، صحيح مسلم: كتاب التوبة - باب في الحض على التوبة والفرح بها، حديث (2747) .
[8] صحيح، أخرجها مسلم في الموضع السابق.
[9] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الدعوات - باب أفضل الاستغفار، حديث (6306) .
لم ترد.