فهرس الكتاب

الصفحة 5474 من 5777

قوم لوط عليه الصلاة والسلام(1)

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

الإيمان بالرسل, الكبائر والمعاصي

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-دعوة اليهود وأذنابهم لإباحة الشذوذ. 2- لوط عليه السلام لم يكن من أهل تلك القرية الظالمة. 3- انتشار الإيدز بسبب الشذوذ.

أما بعد: فلا يزال الحديث موصولًا بسابقه عن اللوطية والشذوذ الجنسي وأصحابه، وعن جاهلية أولئك القوم الذين لم يسبقهم أحد إلى ارتكاب تلك الفاحشة المستقذرة، وعن جاهلية هذا العصر ووحشيته ودعاة الضلالة من دول الكفر والإلحاد الذين ينادون بحرية ممارسة تلك القذارات ويعقدون لها المؤتمرات ويوقِّعون على الوثائق والمعاهدات، محاربين بذلك رب الأرضين والسماوات، معلنين ومجاهرين ومعاندين ومبتعدين عن ملة الإسلام والأصل الصحيح للديانات.

وليس ذلك الفعل والإقرار والإصرار بغريب على إخوان القردة والخنازير وعلى المنحطين السافلين من ملل الكفر والإلحاد، ولكن الغريب في الأمر ممن يدَّعي انتسابًا للإسلام ويسير في ركب أولئك القوم معرضًا وضاربًا بآيات القرآن وأحاديث سيد الأنام عرض الحائط، إنه لأمر محزن ومؤسف أن يمشي المسلمون وينقادوا بكل سهولة ويَجْرُوا خلف كل ناعق، وتصل بهم الاستهانة بدينهم إلى حد يرثى له من السذاجة وسوء التفكير والبعد عن حقيقة الإسلام ونصاعته ونضارته، ولكنها الذنوب والمعاصي التي غطت على القلوب وأعمت البصائر حتى أصبحت قلوبًا غلفًا علاها الران وكساها الذل والهوان، قال تعالى: كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى? قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [المطففين: 14] ، وقال عز وجل: فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ?لأبْصَـ?رُ وَلَـ?كِن تَعْمَى? ?لْقُلُوبُ ?لَّتِى فِى ?لصُّدُورِ [الحج: 46] .

وقد أخبر رسولنا محمد عن انتشار الجهل في الوقت الذي تنتشر فيه الكتابة المعبر عنها بفُشُوِّ القلم وبقَبْضِ العلم بموت العلماء، والمقصود بذلك العلم الشرعي وانتشار الجهل به بين أهله، أما علوم الدنيا فقد أثبتها الله ورسوله في عدد من الآيات والأحاديث وأنها سوف تنتشر وتُكتشف على أيدي أولئك الكفرة لتستبين سبيل المجرمين وليعلموا حقيقة هذا الدين الإسلامي العظيم ويتبينوا صدق الرسالة المحمدية وأن هذا القرآن العظيم من لدن أحكم الحاكمين سبحانه وبحمده كما قال عز وجل: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53] . وأما عن الجهل وقلة العلم وانتشار الكتابة فقد وردت أحاديث متعددة عن رسول الله ، منها قوله: (( من أشراط الساعة أن يُرفَعَ العلم ويَثْبُتَ الجهل ) )رواه البخاري ومسلم، وقال: (( إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل ويرفع العلم ) )، وفي الأحاديث الأخرى الصحيحة الإسناد وردت أحاديث متضمنة: (( إن بين يدي الساعة ظهور القلم ) )، وفي رواية: (( ويظهر العلم ) ).

ويتبين الجمع بين هذه الأحاديث بأشياء لا داعي للاستطراد فيها، ولكن ظهور وسائل العلم والتعلم والكتب وآلات الاتصال الحديثة للطباعة والتصوير والترجمة وشبكة المعلومات الشبكة العنكبوتية المسماة بالإنترنت المنتشرة في جميع أقطار الأرض والتي سهلت انتشار العلم وسرعة الاتصال وتوفير الجهد والوقت والمال واكتساب المعلومات بأيسر السبل وأقصر الطرق، وكل يوم يُطْلِعُهُمُ الله عز وجل على جديد من العلوم وشتى أنواع المعرفة، ويكون ذلك على أيدي الكفار كما أخبر بذلك عز وجل، وما هذا العلم إلا قطرة من بحر عظيم، ويحسب الناس أنهم وصلوا إلى شيء، وما علم المساكين قدر أنفسهم وجهلهم بحقيقة أنفسهم مهما بلغوا من العلم.

وكما هو القول سابقًا ولاحقًا: ليس الاستغراب على إقدام الكفار على ذلك ومثله، ولكن الأمر المستغرب من المنتسبين للإسلام الذين يسمعون ويتلون كتاب ربهم ويقرؤون أحاديث رسولهم محمد أو كأنهم يقؤأون ولا يفقهون شيئًا، أَمَا قرؤوا قول الله عز وجل: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا [الإسراء: 85] ، وقوله عز وجل: وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل: 8] ، وقوله سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ [يس: 36] ، وقوله عز وجل بعد ذِكْر الفلك المشحون وخَلْقِها للبشر: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس: 42] ، وقوله عز وجل: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 20، 21] . فبعد هذا وذاك أَلا يعرف الإنسان قدر نفسه؟! أَوَلا يقف وقفة تأَمُّلٍ وتَدَبُّرٍ؟! أَولا يرى بعين بصيرته مع عين البصر؟! ألا يحاسب نفسه؟! ألا يشعر بصغر حجمه وقلة علمه وحقارته أمام عظمة الله؟! ألا يمشي في هذه الحياة وفق منهج الله لتستقيم له أمور دينه ودنياه؟! ألا يشعر بالذلة والمسكنة ويعترف بتعليم الله له حيث خلقه لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا علمًا مهما كان حقيرًا، إنما علَّمه الذي يعلم السرَّ في السماوات والأرض لا إله إلا هو العزيز الحكيم؟!

وهذا التقديم وإن طال رأيت أن لا بُدَّ من التعريج عليه باعتباره مدخلًا لما سيأتي ووصْلًا لما سبق وإيضاحًا لما قد يخفى وإن لم يتم إشباع الموضوع وإعطاؤه حقه من البيان والتوضيح، خاصة عندما هالني ما قرأته وسمعته من جرأة الخائن العام لجميع الأمم الذي جمع في انتمائه ووفائه بين ملتي اليهود والنصارى، ويقود الناس إلى الهاوية بحكم مركزه عندما وقف مفتتحًا ومناديًا بالوقوف ضد زحف ذلك المرض، مرض نقص المناعة المسمى بالإيدز، مع أنه قبل ذلك بشهرين ناقض نفسه لدعوته تلك حيث قاد الأمم بكل سخافة ووقاحة وقام مناديًا بنشر وإباحة أسبابه والتوقيع على ذلك أي: بإباحة الزنا وانتشار الفاحشة واللواط الذي يُدْعى بالشذوذ الجنسي وحضور هذا النوع من البشر إلى ذلك المؤتمر لينادوا على حد زعمهم بالسماح لهم علنًا بممارسة الزواج من الجنس الثالث.

فأمام هذه المتناقضات التي نسمع عنها ونرى ونقرأ كان لزامًا على كل مسلم أن يكون على بيّنة من أمره في كل صغيرة وكبيرة يحيكها أعداء دين الإسلام، وعليه أن لاَّ يأخذ كل أموره بتلك البساطة والسهولة، بل يقف وقفة تأمل وتدبر وتعقل ورفض لكل ما يخالف تعاليم الإسلام دون أدنى تردد أو هوادة أو تراخٍ أو رضا بالدنية في الدين، وخاصة في هذا الزمن الذي كثر الدَّسُّ فيه للإسلام وأهله بشتى الطرق المخادعة التي توقع الكثيرين في حبائلها وشباكها، وتخضع قليلي الفقه في دينهم لينساقوا وينجرفوا إلى الهاوية التي يريدها منهم أعداء الإسلام والمسلمين المتربصون والمستغلون للفرص، وذلك ديدنهم وهو شأنهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وخاصة اليهود والنصارى الذين أكد الله عداوتهم لنا وعدم رضاهم عما نحن فيه من تمسك بالإسلام إلاَّ أن نخلع ربقة الإسلام ونسير في ركبهم عياذًا بالله من ذلك،كما قال تعالى: وَلَن تَرْضَى? عَنكَ ?لْيَهُودُ وَلاَ ?لنَّصَـ?رَى? حَتَّى? تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ?للَّهِ هُوَ ?لْهُدَى? وَلَئِنِ ?تَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ ?لَّذِي جَاءكَ مِنَ ?لْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ?للَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: 120] . وكيف لا نتخذهم أعداء وقد حذرنا الله منهم ونهانا عن اتخاذهم أولياء وإلا كنا مثلهم ومنهم؟! قال تعالى: يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ?لْيَهُودَ وَ?لنَّصَـ?رَى? أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يَهْدِى ?لْقَوْمَ ?لظَّـ?لِمِينَ [المائدة: 51] ، وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـ?ئِكَ هُمُ ?لظَّـ?لِمُونَ [الممتحنة: 9] ، إِنَّكُمْ إِذًا مّثْلُهُمْ إِنَّ ?للَّهَ جَامِعُ ?لْمُنَـ?فِقِينَ وَ?لْكَـ?فِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء: 140] .

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فمع عرض يسير للوط عليه الصلاة والسلام وقومه المرتكبين للفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين وإكمال بقية ما حصل لهم يكون في خطبة قادمة بإذن الله عز وجل.

أما لوط عليه الصلاة والسلام فهو أحد رسل الله، وهو ابن أخي إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث إبراهيم هو عمّه، وقد آمن لوط بعمّه إبراهيم واهتدى بهديه وهاجر معه من العراق وتبعه في أسفاره كما قال تعالى: فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنّى مُهَاجِرٌ إِلَى? رَبّى إِنَّهُ هُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ [العنكبوت: 26] ، أي: أن لوطًا صدق وآمن برسالة إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.

وأرسل الله عز وجل لوطًا إلى أهل سدوم بالأردن، وليس له في قومه الذين أُرسل إليهم أيّ نسب لأنه ليس من القبيلة، بخلاف بعض الرسل مثل صالح وهود وشعيب عليهم وعلى جميع الأنبياء والرسل الصلاة والسلام، ولعل التعبير بقوله تعالى: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [الأعراف: 80] يدل على ذلك، حيث لم يذكر فيه أنه أُرسل منهم، بخلاف ذِكْر بعض الرسل كقوله تعالى: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [هود: 50] ، وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [النمل: 45] . أما عند ذكر لوط عليه السلام فقال تعالى: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: 28] ، وقال عز وجل: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ?لْفَـ?حِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ [النمل: 54] .

وفي مجموع الآيات التي وردت في سور متعددة من القرآن الكريم يرينا الله عز وجل أن القوم كانوا في فساد عقول ونفوس لم يبلغه أحد ممن سبقهم، ولم يعقلوا ضرر تلك الفاحشة في الجناية على النفس والفضيلة والصحة والآداب العامة، بل بلغوا من الانحطاط الخلقي وفساد العقول إلى أسفل الدركات التي لم تبلغها الحيوانات التي لم يشاهد الإنسان على مرِّ العصور بأن حيوانًا ذكرًا ما أتى حيوانًا آخر ذكرًا كان أو أنثى لقضاء الشهوة في غير محله. فبلغ الإسراف والجهل والعدوان من القوم مبلغًا لم يتجاوزه أحد قبلهم من البشر ولم تُقدم عليه جميع الحيوانات والدواب، وسلك ذلك الشذوذَ الجنسيَّ أقوامٌ في هذا الزمان حتى ظهروا علينا بمرض العصر كما يسمى وانتشر بين الناس، ومن لطف الله عز وجل أن العدوى بمرض الإيدز نقص المناعة المكتسبة لا تكون عن طريق الرذاذ والهواء والمصافحة والأكل والشرب بخلاف بعض الأمراض المعدية سواء الجنسية أو غيرها، بل عن طريق نقل الدم الملوث بذلك المرض نقلًا أو بواسطة الأمواس أو الأدوات الأخرى الملوثة به، ومنها الإبر بأنواعها المختلفة، ومع هذا وذاك فإلى هذه اللحظة يُعتبر أخطر مرض، حيث لم يجدوا له علاجًا شافيًا حتى الآن، وهذا عقاب من الله عز وجل وذكرى وموعظة لكي يبتعد الناس عن الغي والضلال ويجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ويطهروا أنفسهم من هذا الرجس والإثم والداء العضال؛ لئلا يقعوا هم أو نسلهم أو من يتصلون به جنسيًا في ضرره المدمر والقاتل مهما طالت الأيام والليالي، سواء نقلوه أو نُقل إليهم بطريق مشروع أو بارتكاب محرم.

ولنتدبر هذه الآيات التالية، أما تفسيرها والوقوف مع ما ورد فيها وفي غيرها فسوف يكون في خطبة قادمة بإذن الله تعالى، قال الله تعالى: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ?لْفَـ?حِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ?لْعَـ?لَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ?لرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ ?لنّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنجَيْنَـ?هُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ?مْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ?لْغَـ?بِرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا فَ?نْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـ?قِبَةُ ?لْمُجْرِمِينَ [الأعراف: 80-84] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت