العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
حاجة البشرية للقرآن - ثمار التمسك بالقرآن - الصلة بيننا وبين الله - الثناء على جماعة تحفيظ القرآن خطبة 2: هدي الرسول في العشر الأواخر - فضل ليلة القدر - أحكام صدقة الفطر
أما بعد:
فإن هذا القرآن العظيم الذي انبعثت أنواره لأول مرة في غار حراء على قلب خاتم النبيين وإمام المرسلين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو الروح لهذه الأمة فلا حياة لها بدونه ولا قيام لها بدونه وهو النور الذي يضيء لها الطريق فلا فضل أبدًا ما دامت مهتدية به. ولذلك وصف الله تعالى هذا القرآن بالروح ووصفه بالنور في آية واحدة فقال جل من قائل: وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم.
إنه ليس نورًا فحسب بل هو نور مبين. أي يبين للناس طريق الحياة الصحيحة ويرشدهم إلى ما فيه من صلاح دينهم ودنياهم. وإلى ما فيه سعادتهم في الدارين يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا فلو أن المسلمين تمسكوا بهذا القرآن وطبقوه في حياتهم وتمثلوه في سلوكهم. لو أن المسلمين كانت أخلاقهم القرآن كما كان الشأن في سيدهم وإمامهم وقدوتهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم فقد كان خلقه القرآن فلو كان المسلمون شأنهم كذلك لو أنهم اليوم كانوا كذلك إذن لتغيرت أحوالهم لصار حال أمرهم إلى العزة بعد الذلة وإلى التمكين بدلًا من الاستعباد وإلى القوة بدلًا من الضعف وإلى السعادة بدلًا من الشقاء ولنجوا وسلموا وسط هذه الأمواج الهوجاء من الفتن ومن الزلازل والمحن التي عمت العالم اليوم. إن هذا القرآن هو وصية حبيبنا وسيدنا وأمامنا وقدوتنا ونبينا محمد صلي الله عليه وسلم وصيته لأمته فقد قال ذات يوم لأصحابه: ستكون فتن قالوا: ما المخرج منها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( كتاب الله فيه نبأ من كان قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمة الله ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله هو حبل المتين ونوره المبين وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فمن قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ) )صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيا أيها المؤمنون احرصوا على هذا القرآن العظيم فإنه أعظم صلة بيننا وبين ربنا تبارك وتعالى ألا يكفينا أنه كلامه بنصه كاملًا بين أظهرنا كما أنزله على خير خلقه وخاتم أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم. فاحرصوا على هذا القرآن العظيم واعكفوا عليه علمًا وعملًا ونشئوا عليه أولادكم ورغبوا فيه شبابكم. فقد كان سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم يعنى أعظم العناية بتعليم الناس القرآن كبارًا أو صغارًا. كان الصبي من آل عبد المطلب بمجرد أن ينطق وأن يفصح بمجرد أن يتعلم الكلام ويبدأ يتكلم بلغه النبي صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن منها هذه الآيات الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرًا روى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه. وإن مما يتلمح الصدور المؤمنة إن مما يدعو إلى الابتهاج والسرور أن نرى هذا الجيل القرآني من شباب هذه البلاد يحملون كتاب الله في صدورهم ويرتلونه فتصدح به حناجرهم إنهم بلابل قرآنية يصدحون بأعظم كلام، كلام رب العالمين بأحسن الأصوات هذه لنهضة قرآنية في شبابنا من أعظم أسبابها التي هيأها الله تبارك وتعالى تلك الجماعة المباركة التي أمشت أغصانها وأورقت في سائر أنحاء البلاد التي فيها مهبط الوحي وفيها الحرمان المعظمان إنها جماعة تحفيظ القرآن العظيم وقد لقيت بحمد الله تعالى من الدعم الشعبي من المؤمنين محبي القرآن العظيم الشيء الكثير في سائر أنحاء البلاد لقيت من الدعم الحكومي كذلك بواسطة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي تشرف على هذه الجماعة لقيت من كل كذلك ما تمكنت بعون الله وبتوفيقه أن تقدم منها على أحسن وجه فتنشئ جيلًا قرآنيًا من أبنائنا وبناتنا يحملون كتاب الله تعالى في صدورهم ويرتلونه بغاية من الإتقان والتجويد.
فالحمد لله على هذه النعمة فإنها نعمة عظمى نعمة كبرى أن نرى هذا الإقبال من شبابنا من أبنائنا وبناتنا على القرآن العظيم. إن هذا المشروع القرآني المبارك هو من أولى ما يصرف أهل الأموال عليه أموالهم إنه من أولى ما ينبغي أن نصرف عليه جميعًا وننفق في سبيله فإن خيراته وبركاته تعود على أبنائنا وبناتنا قبل كل شيء.
فيا جيران المصطفى صلى الله عليه وسلم يا من أنعم الله تبارك وتعالى عليكم بهذا الجوار الكريم بالسكنى في هذه البلدة الطيبة المباركة التي أنزلت فيها هذه الآيات البينات. لا يجوز أبدًا أن تشتكي هذه الجماعة المباركة بيننا نحن بالذات من أي نقص في مواردها المالية فأنتم يا جيران المصطفى صلى الله عليه وسلم أولى وأجدر من ينفق على هذا الجيل القرآني. من ينفق على هذه الجماعة المباركة. فأين أنتم يا أهل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم مهبط القرآن ومهاجر خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. أنفقوا على أهل القرآن وادعموا هذه الجماعة المباركة التي تنشئ أبناءكم وبناتكم على هذا القرآن العظيم. فإن هذا من أولى وجوه الإنفاق من أولى وجوه الخير بالإنفاق فأنفقوا أيها المؤمنون وادعموا هذه الجماعة المباركة فإنها من أعظم الجماعات والنشاطات والمشاريع. خيرًا وبركة مما شهدناه في هذه الأيام والحمد لله تعالى على ذلك بارك الله كلًا منكم وبارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين. والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فها هو الشهر الكريم والموسم العظيم قد انصرفت أكثر أيامه ما كاد هلاله السعيد حتى أوشك على المغيب وهكذا الدنيا كأنها ساعة من نهار ولكن أكثر الناس لا يعلمون فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا جميعًا من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم ممن فازوا بالغفران والرضوان والقبول. ونسأله تعالى أن يعيد علينا هذا الشهر الكريم أعوامًا عديدة بالخير واليمن والبركات. ونسأله تعالى أن يبلغنا رمضان القادم ونحن والمسلمون جميعًا في أحسن حال ونسأله أن يبلغنا رمضان القادم ورمضانات أخرى والمسلمون في أحسن حال وقد انكشف الكرب عن المكروبين وزال الهم عن المهمومين وارتفع الذل والقهر والعدوان عن المقهورين وصار حال المسلمين عزًا ومنعة وقوة وتمكينًا ونصرًا على الأعداء والمنافقين وتألف بين الأخوة في الدين. اللهم آمين اللهم آمين. اللهم آمين.
اللهم استجب برحمتك يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين. ثم اعلموا أيها المؤمنون أنه من أرجى الليالي أن تكون عليه ليلة القدر من أرجى الليالي العشر كلها إذا دخلت هي لليلة سبع وعشرون. وقد كان سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة بالذات بل في الليالي العشر كلها. إذا دخلت العشر الأواخر شمر صلى الله عليه وسلم شمر عن ساعد الجد وأحيا ليله بالصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء والتذلل بين يدي رب العالمين في جوف الليل وأيقظ أهله لذلك وليلة لقدر هي أعظم الليالي فمن أحياها بالصلاة والقرآن والعبادة والذكر والدعاء فقد فاز بخير عظيم.
فانتهزوا ما تبقى من الفرصة المباركة أيها المؤمنون الصائمون وضاعفوا من إقبالكم على الله عز وجل قراءة القرآن الكريم والصلاة إن هذه الأيام وهذه الليالي من أعظم الأيام والليالي عند الله تبارك الله وتعالي واعلموا أن مما افترض الله عليكم صدقة الفطر تجب على كل مسلم فضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد مقدار صاع من الطعام من أرز وقمح أو شعير أو ثمر أو أقط أو زبيب أو غير ذلك من قوت أهل البلد يخرجه عن نفسه وعن من يعوله من أهله وولده يخرج عن كل منهم صاعًا من طعام أهل البلد والصاع النبوي مقداره أربعة أمداد والمد هو ملء الكفين من الرجل المعتدل وذلك يوازي كيلين ونصف أو أقل قليلًا تقريبًا ووقت إخراج هذه الزكاة قبل صلاة العيد ويجوز تقديمها على ذلك بيوم أو يومين ولا يجوز أكثر من ذلك لأن المقصود من هذه الصدقة إغناء الفقراء والمحتاجين عن السؤال يوم العيد قال تعالى لنبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم.
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن ما شئت فكما تدين تدان. صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشر ) )اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آل محمد. كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعلى آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.