فهرس الكتاب

الصفحة 1722 من 5777

فاظفر بذات الدين تربت يداك

فقه

النكاح

إبراهيم بن محمد أحمد عبد الكريم

صنعاء

العميري

1-فوائد الزواج. 2- الترغيب في الزواج. 3- معيار اختيار الزوج والزوجة. 4- صور مشرقة من زوجات السلف. 5- الزواج من أسباب الرزق. 6- الحث على تيسير أمور الزواج.

أما بعد:

فأوصي نفسي المقصرة وإياكم بتقوى الله سبحانه.

ثم أما بعد: فيقول المولى سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: وَمِنْ ءايَـ?تِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْو?جًا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـ?تٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] .

ويقول الرسول الكريم محمد: (( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء ) ).

إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى محمد:

حديثنا اليوم عن الزواج، والزواج سنة الله في هذا الكون، فبه تستمر الحياة، وبه يتآلف الناس، وتتعارف القبائل والشعوب. والزواج حصن للفرج، وغض للبصر، وأمان من انتشار الفساد والانحلال واختلاط الأنساب وضياع الأمة.

رغب الله سبحانه وتعالى فيه، وحث عليه الرسول ، ونهى عن التبتل والانقطاع عن الزواج، ففي الصحيحين من حديث أنس أن ثلاثة رهط جاؤوا إلى بيوت أزواج النبي فسألوا عن عبادته، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها (أي وجدوها قليلة) فقالوا: أين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟!! فقال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل أبدًا، وقال الآخر: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، فقال: (( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أقوم وأرقد، وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) )وهو القائل: (( حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة ) )، وهو القائل أيضًا: (( الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ) )، ولما سألت الرباب ابنة سعيد بن المسيب سيد التابعين سألت أباها عن قوله تعالى: رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ?لدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ?لآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ?لنَّارِ [البقرة:201] . قالت: يا أبي أما حسنة الآخرة الجنة فما حسنة الدنيا؟ قال لها: الرجل الصالح للمرأة الصالحة، والمرأة الصالحة للرجل الصالح.

إخوة الإسلام:

إن المعيار في اختيار الزوج والزوجة هو الدين والخلق، فإذا أراد الرجل أن يتزوج فعليه بذات الدين والخلق، وإذا أراد الرجل أن يزوج ابنته أو أخته فليبحث لها عن رجل صالح صاحب دين وخلق، تقول السيدة عائشة: (النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته) ، وجاء رجل إلى الحسين بن علي فقال: إن لي بنتا فمن ترى أن أزوجها؟ قال: (زوجها ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وأن أبغضها لم يظلمها) .

والرسول يحث الرجل أن يتخير صاحبة الدين والخلق فيقول: (( تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) )، ويحث ولي المرأة أن يتخير الرجل الصالح لموليته فيقول: (( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) ).

يأتي جليبيب إلى الرسول ، فيبتسم الرسول في وجهه، ويمازحه ويقول له: (( يا جليبيب أتريد الزواج؟ ) )، فقال: يا رسول الله، ومن يزوجني ولا أسرة عندي ولا مال ولا دار ولا شيء من متاع الدنيا؟ وكان مع ذلك دميم الخلقة، ولكنه كان يملك إيمانًا كالجبال الراسيات، افتقده الرسول في غزوة أحد فقال الرسول لأصحابه: (( هل تفقدون أحدًا؟ ) )، قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثم قال لهم: (( هل تفقدون أحدًا؟ ) )، قالوا: لا، قال: (( ولكني أفقد جليبيبًا ) )، فبحثوا عنه في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فجاء إليه الرسول فقال: (( هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه، قتل سبعة ثم قتلوه ) ). لما جاء جليبيب قبل أن يقتل ويستشهد في هذه الغزوة إلى الرسول قال له: (( اذهب إلى ذلك البيت من بيوت الأنصار فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني ) )، فذهب وطرق عليهم الباب، وكانوا من سادات الأسر، ومن كبريات العشائر في الأنصار، فخرج رب البيت، ورأى جليبيبًا وهيئته وفقره وعوزه فقال له: ماذا تريد؟ فأخبره الخبر فعاد إلى زوجته فشاورها، ثم قالوا: ليته غير جليبيب؛ لا نسب ولا مال ولا دار، فلما شاورا البنت الصالحة التي تربت في مدرسة التوحيد، قالت: والله لا نرد رسول الله ، فتزوجها جليبيب، وعمر بها بيته الذي أسسه على تقوى من الله ورضوانه.

وهكذا كان سلف هذه الأمة يبحثون عن الدين والخلق، عمر بن الخطاب يتجول في شوارع المدينة ويتفقد رعيته، وإذا به يقف عند أحد الأبواب ويسمع حوارًا دار بين أم وابنتها، كانت الأم تبيع اللبن وكانت تخلط اللبن بالماء فقالت لها ابنتها: يا أمي اتق الله ولا تغشي المسلمين، وتخالفي أمر أمير المؤمنين، فقالت لها الأم: وأين أمير المؤمنين منا؟ قالت لها البنت: يا أماه، إن كان أمير المؤمنين لا يرانا، فإن الله يرانا، فما كان من عمر إلا أن ذهب إلى أبنائه وقال لهم: من منكم يتزوج ببنت بائعة اللبن؟ فتزوجها عاصم بن عمر بن الخطاب، وعاش معها عيشة رضية هنية، وأنجب منها فتاة اسمها ليلى، تزوجها عبد العزيز بن مروان، فأنجبت منه خامس الخلفاء الراشدين، ومجدد القرن الأول عمر بن عبد العزيز.

وهذه ثمرة كل زواج يكون أساسه الإيمان والتقوى، وَ?لْبَلَدُ ?لطَّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَ?لَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا [الأعراف:58] .

فليتق الله أولياء الأمور، وليبحثوا لبناتهم عن الأمناء النصحاء أصحاب الدين والخلق، وليس عيبًا أن يبحث الرجل لابنته عن رجل صالح، إنما العيب أن يزوجها والخزي والندامة والحسرة في الدنيا والآخرة أن يزوجها من رجل فاسق فاجر لا يعرف لله حقًا، ولا يردعه دين ولا خلق!! كم في البيوت من المطلقات!! وكم في البيوت من الأرامل لم يتجاوز عمرهن العشرين!! والسبب في ذلك أن هذه الزواجات لم تكن على الإيمان والتقوى.

وصلتني رسالة من إحدى الفتيات تشكو فيها حالها إلى الله، وتشكو والدها الذي يريد إجبارها أن تتزوج برجل لا يصلي.

بالله عليك - يا عبد الله - كيف تأمن على ابنتك مع إنسان لا يصلي؟ مع رجل قطع الصلة التي بينه وبين الله، ونقض العهد الذي بينه وبين الله، وخان الميثاق الذي بينه وبين الواحد جل في علاه؟ (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) )، و (( بين الرجل والكفر أو الشرك ترك الصلاة ) )، يقول: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) ).

أمر الله نبيه أن يقاتل هذا الإنسان حتى يسجد لله وحتى يركع لله، ويوم يترك الإنسان الصلاة ويتنكب عن بيوت الله يصبح لا قيمة له ولا وزن ولا كرامة ولا مكانة، يسفك دمه وتهان كرامته ويقطع رأسه بالسيف، قيل: حدًا، وقيل: كفرًا.

فلنتق الله عباد الله، ولنتخير الصلحاء الأمناء لبناتنا، فهذا عمر بن الخطاب يبحث لابنته حفصة عن الخطاب، ويعرضها على عثمان فيرفض، ثم يعرضها على أبي بكر الصديق فيرفض، فييسر الله لها خير الخلق محمد.

وهذا سعيد بن المسيب رحمه الله سيد التابعين يتقدم لخطبة ابنته الخليفة عبد الملك بن مروان لابنه الوليد ولي العهد فيرفض سعيد، ويزوجها لتلميذ صالح صاحب دين وخلق من تلامذته اسمه عبد الله بن أبي وداعة، كان يواظب على دروس إمامه، وماتت زوجته فاشتغل بها وغاب أيامًا عن دروس العلم في حلقة شيخه، فلما عاد قال له سعيد: أين كنت؟ قال: توفيت زوجتي واشتغلت بها، فقال له: وهل استحدثت امرأة غيرها؟ قال: ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: أنا أزوجك، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على الرسول ، وزوجه بابنته على درهمين أو ثلاثة، فرجع التلميذ إلى بيته وهو لا يدري ما يصنع من الفرح، فلما وصل إلى البيت، إذا بالباب يقرع قال التلميذ: من الطارق؟ قال: سعيد، قال: ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب، فهو لم ير منذ أربعين سنة إلا بين البيت والمسجد، فيفتح الباب وإذا به سعيد بن المسيب، فقال التلميذ في نفسه: لعله رجع عن كلامه وقال لشيخه: لو أرسلت إلي لأتيتك، فقال سعيد: أنت أحق أن تؤتى وقد كنت رجلًا عزبًا فتزوجت، وكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، دفعها إليه وكانت قائمة خلفه، يقول التلميذ عبد الله بن أبي وداعة: فدخلت بها فإذا هي من أجمل النساء، وأحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بسنة رسول الله ، وأعرفهم بحق الزوج، وبعد شهر عاد إلى حلقة شيخه سعيد، فقال له سعيد: ما حال ذلك الإنسان؟ فقال له: على خير حال على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال له سعيد: إن رابك منها شيء فعليك بالعصا، ثم دفع له بعشرين ألف درهم.

معاشر الإخوة:

إن قصة سعيد بن المسيب وتلميذه عبد الله بن أبي وداعة توبيخ لمن باع ابنته بالدرهم والدينار، واشترط لها أموالًا طائلة وتكاليف باهظة، لقد آثر سعيد ما يبقى على ما يفنى، فتقوى الله وحسن الخلق والعمل الصالح شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. فالمال عرض زائل والتقوى قيمة ثابتة، والجاه ظل حائل والإيمان قيمة راسخة، والسعادة والله ليست في الأموال والدور والقصور، وإنما في الإيمان بالله والعمل الصالح.

ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد

وتقوى الله خير الزاد ذخرا وعند الله للأتقى مزيد

وإدراك الذي يأتي قريب ولكن الذي يمضي بعيد

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: مَّنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

أما بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى: وَأَنْكِحُواْ ?لأَيَـ?مَى? مِنْكُمْ وَ?لصَّـ?لِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ [النور:32] .

هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للأولياء بتزويج أبنائهم وبناتهم، ووعد منه سبحانه وتعالى برزقهم ورعايتهم ومن أصدق من الله قيلا؟!! والرسول يقول: (( ثلاثة حق على الله عونهم وذكر منهم: الناكح يريد العفاف ) ).

وكان أبو بكر الصديق يقول: (أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى) ، ويقول ابن مسعود: (التمسوا الغنى في النكاح) .

معاشر المسلمين:

لقد حث الإسلام على تسهيل الزواج وتيسير أموره، ونهى عن المغالاة في المهور والمبالغة في تكاليفه، فهذا خير البشر محمد يزوج ابنته فاطمة الزهراء بعلي بن أبي طالب بما يساوي أربعة دراهم، وهذه امرأة تهدي نفسها للرسول ولم يكن للرسول بها حاجة، فيقول له أحد الصحابة: زوجنيها يا رسول الله، فقال: (( هل معك شيء؟ ) )، قال: ليس معي شيء يا رسول الله إلا إزاري، قال: (( التمس ولو خاتمًا من حديد ) )، فلم يجد، فقال له الرسول: (( هل معك شيء من القرآن؟ ) )، قال: نعم، فزوجه الرسول بما معه من القرآن على أن يعلمه زوجته.

وهذه أم سلمة تتزوج بأبي طلحة، وكان مهرها لا إله إلا الله محمد رسول الله، كان أبو طلحة مشركًا فتقدم لخطبتها، فقالت له: أنت رجل مشرك ولا يجوز لي أن أتزوجك، فإن أسلمت جعلت مهري إسلامك، فأسلم.

وفي المسند يقول عمر بن الخطاب: (لا تغالوا في صداق النساء - أي في مهورهن - فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ، ما أصدق رسول الله امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية) .

والرسول يقول: (( إن من خير النساء أيسرهن صداقًا ) )أي مهرا، ويقول أيضًا: (( أعظم النساء بركة أيسرهن صداقًا ) ).

فيا معاشر الآباء، اتقوا الله في أبناءكم وفي بناتكم، تساهلوا في المهور ويسروا أمور الزواج، وتخيروا الرجل الصالح ولا تكونوا سببًا في كساد بناتكم وإعضالهن وفوات قطار الزواج عليهن، حتى لا تندموا على ذلك ولات حين مندم.

هذه امرأة في عصرنا الحاضر شابة تقدم إليها الخطاب، ولكن أبوها رفض أن يزوجها، فلما تقدم بها السن وحضرت أباها الوفاة، فقال لها: يا بنية، اجعليني في حل، سامحيني سامحك الله! قالت: والله لا أسامحك بل عليك لعنة الله كما حرمتني من حقي في الحياة.

وهذا رجل أيضًا في هذا الزمن يزور أخته في المستشفى وقد تقدم بها السن ولم تتزوج، ولما أراد أن يزورها في آخر لحظة قالت له: اقترب مني يا أخي، فلما اقترب منها، قالت له: حرمك الله الجنة كما حرمتني من الزواج وفاضت روحها إلى الله.

هذه المآسي - يا عباد الله - بسبب المغالاة في المهور وتعسير أمور الزواج، فاتقوا الله عباد الله يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وإلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت