فهرس الكتاب

الصفحة 3243 من 5777

أسألك مرافقتك في الجنة

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الصلاة, فضائل الأعمال

محمد بن أحمد حسين الزيداني

رجال ألمع

جامع الرصعة الجديد

1-أمنية صحابي. 2- مطلب مرافقة النبي في الجنة. 3- السبيل لمرافقة النبي في الجنة. 4- فضل السجود لله تعالى.

أما بعد: فيا أيها الناس، عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كُنت أبيت مع النبي فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: (( سل ) )، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: (( أَوَغيرَ ذلك؟ ) )قلت: هو ذاك، قال: (( فأعني على نفسك بكثرة السجود ) )رواه مسلم.

أيها الإخوة المؤمنون، مرافقة الحبيب في الجنة أعظِم بها من منزلة، هي مطلب كلّ مؤمن صادق، وغاية كل محب وامق، ما طلب ربيعة الأسلمي الجنة فحسب، لكنه طلب مرافقة الرسول في الجنة، ويا لها من مكانة سامية عالية، ويا لها من منزلة رفيعة غالية، الرفيق فيها صفيّ الله وحبيبه سيد ولد آدم أول من تنشق عنه الأرض الشافع المشفع يوم العرض أول من تفتح له أبواب الجنة نبيكم وإمامكم وقدوتكم محمد. وهنا يأتي السؤال ـ يا عباد الله ـ ليطرق كل الآذان، ويستقر في كل وجدان، يأتي السؤال ليقول: من الذي لا يتمنى مرافقة رسول الله في الجنة؟! وما من شكّ ـ أيها المؤمنون ـ أن أمنية الكل مرافقة رسول الله في الجنة. وسمع النبي من ربيعة حاجته فطلب منه المؤهّلات لذلك ودلّه على طريقها قائلًا: (( أعني على نفسك بكثرة السجود ) ). فيا من يريد تحقيق مناه، الأمنية وحدها لا تكفي لتحقيق الحاجات والمطالب، بل لا بد من بذل السبب، وما نيل المطالب بالتمني، وكم من وقت يضيع بين الأحلام والأماني.

أيها الناس، إنّ كلمة النداء الأولى:"الله أكبر"إيقاظ للنائم وتذكير للغافل وتعليم للجاهل ودعوة صادقة للاتصال بالكبير المتعال، تذكّر وأنت تسمع النداء مرافقة الحبيب في الجنة، دع كل الأشياء ولبِّ النداء، احرص على أداء السنة الراتبة، لا تقل تقدّمت أو تأخرت، تذكّر مرافقة الرسول في الجنة، لا تفتك صلاة الضحى قدر ما تستطيع من الركعات، هلا عملتَ ما عمله بلال رضي الله عنه حينما كان يتوضأ لكل حدث، وما توضأ إلا صلى بعد ذلك الوضوء لله، وإذا أرخى الليل سدوله واطمأنت الجنوب في المضاجع قبل أن تغمض عينيك نائما تذكر حاجة ربيعة، تذكّر أنها حاجتك، تهيأ قلبًا وروحًا للتقرب الليلي، ركعات في جوف الليل، يراك فيها ربك ورب النجم والليل، الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218، 219] ، واختم صلاة الليل بالوتر، فربنا عز وجل يمتدح الساجدين: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64] ، ويقول تبارك وتعالى: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29] .

يا مشتاقًا لمرافقة الحبيب في الجنة، اثبت واصبر وصابر ورابط، اجتهد ولو عانيت فإنّ حاجتك غالية، وأشواقك كبيرة، لو قطعت العمر الطويل ساجدًا ما وفيت مطلبك حقه، ورحمة الله قريب من المحسنين.

أيها المؤمنون، ذكّروا أهليكم في بيوتكم، بيّنوا لهم حرص صحابة الرسول الكريم على عدم الرضا بالقليل، بينوا لهم نظرتهم الصحيحة للحياة، وأنهم لم يحمّلوها ما لا تحتمل، وأنهم حريصون على الآخرة. بينوا لهم معنى مرافقة الرسول في الجنة، إنها ليست مرافقة أمير أو ملك من ملوك الدنيا في الدنيا، بينوا لهم أن الإكثار من صلاة النافلة بعد إتمام أداء الفريضة سبب مؤكّد لتحقيق مرافقة رسول الله في الجنة. استشعروا ـ أيها الناس ـ عظم مسئوليتكم، خططوا مع أهليكم لمواعيد الصلاة فرضًا ونافلة، حضّوهم على صلاة الليل والتهجد، ونشّئوا عليها أولادكم، تذكروا ـ أيها المسلمون ـ وذكِّروا أن الرسول يقول موصيًا أحد الصحابة وهي وصية عامة للأمة: (( عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة وحطّ عنك بها خطيئة ) ). ألا هل نصدق ـ يا عباد الله ـ في حرصنا على نيل هذه الفضائل؟! أنصدق إيمانًا والتزامًا وكثرة سجود لله؟!

ألا بلّغَ الله الحمى من يريده وبلّغ أكناف الحمى من يريدها

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله أبان طريق الخير للسالكين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا رسول ربّ العالمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وتابعيه أجمعين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن تمريغ الجبين لله عنوان الرفعة الدائمة والعزة الأبدية، ودليل ارتفاع في سماء الإيمان بالله وتحرّر من قيود الشيطان عياذًا بالله منه.

السجود تذلّل لله هو في معناه العز الدائم، خضوع له هو في معناه العلوّ، انكسار بين يديه هو في معناه السموّ، كفى بك عزًا أنك له عَبد، وكفى بك فخرًا أنه لك رب، قام الليل حتى تفطرت قدماه.

يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

وكان أبو بكر رجلًا قوامًا صوامًا، إذا قرأ القرآن لم يدر ما يقول من كثرة بكائه. وكان عمر يصلي بالناس العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يصلى إلى الفجر.

إن كنتم نوَّمًا فإن له رجالَ صدق به قد انفردوا

أيها الناس، كثرة سجود المرء لله في الليل والنهار مفتاح كنز عظيم، هو مرافقة الحبيب في الجنة، فلا تُحْرَمُوه يا عباد الله، ولا تضيّعوا المفتاح، تأكّدوا أنه معكم في الدنيا، احفظوه في قلوبكم، غالبوا على حفظه عدوكم. كثرة السجود لله سلاح، إذا حلت بك المنية وكنت كثير السجود لله اطمأن قلبك وعلا السرور محياك وملأت البسمة جوانحك.

لما حضرت ابن المبارك الوفاة تبسّم وتلا قوله تعالى: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ [الصافات:61] .

وتضحك للمنايا وهي تبكي لأنك قد حملت لها سلاحا

أيها الناس، لا تكونوا عزلًا من سلاح السجود لله، رشّحوا أنفسكم الآن أن تكونوا من مرافقي نبيكم في الجنة، وسلوا الله الثبات والعون على الطاعة والعبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت