الأسرة والمجتمع, الإيمان
الولاء والبراء, قضايا المجتمع
أحمد بن حسين الفقيهي
الرياض
جامع الإحسان
1-سنة ربانية. 2- ظاهرة الإعجاب بالغرب وتقليدهم. 3- الاحتفال برأس السنة. 4- مخالفة أهل الكتاب. 5- التحذير من المشاركة في أعياد المشركين. 6- مفاسد مشاركتهم. 7- صوَر المشاركة. 8- مسائل مهمة.
عباد الله، إن الله جلَّ شأنه كتب على عباده أن كلَّ أمةٍ تستبدل الضلال بالهدى وتتخلى عن خصائصها وتخجل من مبادِئها أنها أمة لا تزال في تقهقر وانحطاط واضمحلال في فكرها وقوتها وسلوكها.
وإن مما ابتليت به أمة الإسلام الإعجاب والتبعية المطلقة لأعداء الإسلام من قِبَل ضعفاء النفوس من المسلمين الذين بلغ بهم الإعجاب والافتتان بحضارة الغرب أَوجَه، فأضحوا من الداعين إلى الاحتذاء بحذوها والسير في ركابها، حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلوه.
أيها المسلمون، لم يعد خافيًا اغترار كثيرٍ من المسلمين وتقليدهم وافتتانهم بما يأتي من أخلاق بلاد الكفر، فأعياد الميلاد وأعياد رأس السنة والتعلقُ والافتتان ببعض مشاهير الكفرة رياضةً أو فنًا أمرٌ مشاهد، حتى حاكاهم بعض شباب الإسلام في حركاتهم وقصاتِ شعورهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عباد الله، في هذه الأيام يستعدّ النصارى الضالون للاحتفال بعيد رأس السنة الميلادية، وهذا العيد بدأ وللأسف يغزو مجتمعاتنا، وتعلقت به نفوس بعض شبابنا ذكورًا وإناثًا، انشغلوا به، وتهيؤوا له، واتخذ بعضهم مناسبته عطلةً وعيدًا؛ وذلك بسبب ضعف الإيمان في قلوبهم وتقليد النصارى واتباع سيرهم ونهجهم في كلِّ ما يفعلونه، وبسبب الانبهار والإعجاب بحضارة الغرب المادية الزائفة والانخداع ببريقها المخدر، وبسبب الغزو الفكري والثقافي والترويج الإعلامي المسموع والمرئي والمقروء الذي يحرض على هذه الضلالات، ويلفت إليها أنظارَ الناس وأسماعَهم، ويحرك قلوبهم لها، ويثير أهواءهم للاستعداد لها والمشاركة فيها.
أيها المسلمون، لقد كان رسولكم يحرصُ كلَّ الحرصِ على أن تخالف أمته اليهود والنصارى في كلِ شيء، حتى قال عنه اليهودُ أنفسهم كما يرويه أنسٌ رضي الله عنه عند مسلمٍ: ما يريدُ هذا الرجلُ أن يدعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. وإذا كان اليهود والنصارى يتجاهلون أعيادنا ولا يحتفلون بها بل يستهزئون ويسخرون منا فما بالُ البعضِ يحتفل بمناسباتهم ويحييها على سنتهم ابتغاءً وطلبًا لرضاهم؟! وتناسى أولئكَ قوله سبحانه: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: 120] .
عباد الله، لقد أكثر أهل العلم في نقل التحذير من أعياد الكفار والمشاركة فيها، جاء عن مجاهد وغيره من السلف في قوله سبحانه: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان: 72] قال رحمه الله:"الزور هي أعياد المشركين"، وقد صرح الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة باتفاق أهلِ العلمِ على عدم جوازِ حضور المسلمين أعيادَ المشركين، وجاءَ عن عمرَ رضي الله عنه أنه قال: (لا تدخلوا على المشركين في كنائسِهم يومَ عيدهمِ؛ فإن السخطة تنزل عليهم) ، وقال أيضًا رضي الله عنه: (اجتنبوا أعداء اللهِ في أعيادهم) أخرجه البيهقي بسند صحيح.
قال تقي الدين رحمه الله:"وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليسَ قد يعرض لعقوبة ذلك؟! ثم قوله: (اجتنبوا أعداء اللهِ في عيدهم) أليس نهيًا عن لقائِهم والاجتماع بهم فيه؟! فكيف بمن عَمِلَ عَملهم؟! ولقد كان عليٌ رضي الله عنه يكرهُ موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به، فكيف بموافقتهم في العمل؟!".
أيها المسلمون، إن مشاركة النصارى في أعيادهم تورث نوع محبة ومودةٍ وموالاةٍ، والمحبة والموالاةُ لهم تنافي الإيمان، وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ [الممتحنة: 1] . ثم إن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجبُ سرورَ قلوبهم وانشراح صدورهم بما هم عليه من الباطلِ، والمشابهةُ والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجبُ مشابهة ومشاكلةً في الأمور الباطنة من العقائد الفاسدة على وجه المسارقة والتدرج الخفي، قال ابن عقيل رحمه الله تعالى:"إذا أردت أن تعرف الإسلام من أهل زمان فلا تنظر إلى ازدحامهم على أبواب المساجد، ولا ارتفاع أصواتهم بـ (لبيك) ، لكن انظر إلى موالاتهم لأعداء الشريعة".
عباد الله، إن مشاركة المسلم للكفار في أعيادِهم ليست مسألة إثم ومعصية، وليست مسألة خطأٍ وزلةٍ، لكنها قد تكونُ مسألة إيمان وكفر؛ لأن المشاركة نوعٌ من التشبه، وقد قال النبي: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) )أخرجه أحمد وغيره.
قال ابن تيمية رحمه الله:"وهذا الحديث أقلُّ أحوالِه تحريمُ التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كُفر المتشبِّه بهم، كما في قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: 51] ، وهو نظيرُ ما سنذكره عن عبد الله عمرو أنه قال: (من بنى بأرض المشركين وصنَع نيروزهم ومهرجانهم وتشبّه بهم حتى يموت حُشرَ معهم يوم القيامة) أخرجه البيهقي بإسناد جيد."
أيها المسلمون، إن مشاركة النصارى في أعيادهم لا تقتصرُ على الحضور فقط، بل هناك صورٌ أخرى للمشاركة يغفل عنها كثيرٌ من الناس، ومنها: تهنئة الكفار بأعيادهم، وهذا منكرٌ عظيم وجرمٌ كبير؛ لأنه نوعُ رضا بما هم عليه من الباطل وإدخالٌ للسرور عليهم.
قال ابن القيم رحمه الله:"وأما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرامٌ بالاتفاق، مثلَ أن يهنئهم بأعيادِهم وصومهم، فيقول: عيدٌ مبارك عليكَ، أو: تهنأُ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشدُ مقتًا من التهنئةِ بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرجِ الحرام ونحوه، وكثيرٌ ممن لا قدرَ للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدًا بمعصيةٍ أو بدعةٍ أو كفرٍ فقد تعرض لمقتِ الله وسخطهِ"اهـ.
ومن صور المشاركة أيضًا للمشركين في أعيادِهم ما نشاهدهُ جليًا في بعض أسواقنا من بيع ما يستعينون به على إقامةِ شعائِر دينهم وأعيادهِم من شموع وورودٍ وبطاقاتٍ، أو كتابةِ عبارات التهنئةِ على الحلوياتِ والورود وغيرهِا، أو تأجيرِ الفنادق أو المسارحِ أو المجمعاتِ السكنية ليقيموا فيها حفلاتِهم وأعيادِهم، فإن هذا كلَّه من التعاون على الإثمِ والعدوانِ، والمالُ الذي يُجنى من وراءِ ذلكَ سحتٌ، وأيّ لحمٍ نبتَ من سحتٍ فالنار أولى به، قال تقي الدين رحمه الله:"ولا يجوزُ بيعُ كلِ ما يستعينون به على إقامةِ شعائِرهم الدينية".
فاتقوا الله عباد الله، واعتزوا بدينكم وإسلامكم، واحذروا سخط ربكم ومقته وعقابه، وخذوا على أيدي سفهائكم الذين شدَّ بعضهم الرحالَ هذه الأيام إلى بلاد الكفار لمشاركتِهم في أعيادِهم، ولأجلِ أن يمتعوا أعينهم وأنفسهم بالحرامِ، ثم يرجعونَ وقد حملوا أوزارهم على ظهورِهم، ألا ساء ما يزرون.
عباد الله، ها هنا بعضُ المسائل المهمة المتعلّقةِ بهذه الأعيادِ الكفريةِ يحسنُ التنبيهُ عليها ومنها:
أولًا: لا يجوز تهنئةُ الكفار بأعيادِهم، وإذا هنؤونا بأعيادِهم فإننا لا نجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعيادٍ لنا، ولأنها أعيادٌ لا يرضاها الله تعالى.
ثانيًا: لا يجوز للمسلم أن يُهدي لمسلم آخر بمناسبةِ هذه الأعيادِ الباطلة، ومن باب أولى أنهُ لا يجوز للمسلم أن يُهدي للكافر في يومِ عيدٍ من أعياده؛ لأن ذلك يعدُ إقرارًا ومشاركةً في الاحتفالِ بالعيدِ الباطل.
وإذا كانت الهديةُ مما يستعانُ به على الاحتفال كالطعامِ والشموع ونحوه كان الأمر أعظمَ تحريمًا، وذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى أن ذلك كفرٌ.
ثالثًا: يجوزُ للمسلم أن يُهدي للكافر والمشركِ بقصد تأليفهِ وترغيبهِ في الإسلام، لا سيما إذا كان قريبًا أو جارًا، وقد أهدى عمرُ رضي الله عنه لأخيه المشركِ حلّة، لكن لا يجوزُ أن تكون الهديةُ للكافرِ في يوم عيدِ من أعيادهِ أو لأجلِ عيدٍ من أعيادِهم.
رابعًا: إذا أهدى إليكَ كافرٌ هديةً جازَ لك قبولها، تأليفًا لقلبه وترغيبًا له في الإسلام، كما قَبِلَ النبيُ هدايا بعضِ الكفارِ كهدية المقوقسِ وغيره.
وإذا جاءت الهديةُ من الكافر في يوم عيدهِ فلا حرجَ في قبولها، ولا يعدُ ذلك مشاركةً ولا إقرارًا للاحتفالِ، قال ابنُ تيميةً رحمه الله:"وأما قبولُ الهديةِ منهم يومَ عيدِهم فقد قدّمنا عن علي رضي الله عنه أنه أُتي بهديةِ النيروزِ فقبلها". لكن ذكر العلماءُ شروطًا لقبول الهديةِ من الكافرِ في يومِ عيدهِ وهي:
أن لا تكون الهديةُ من ذبيحةٍ ذبحت لأجل العيد.
وأن لا تكون الهدية مما يستعان به على التشبه بِهم في يومِ عيدهم كالشمعِ والبيض ونحو ذلك.
وأخيرًا أن يكون قبولُ الهدية بقصد تأليفهِم ودعوتِهم للإسلام لا مجاملةً أو مودةً أو محبة.
اللهم يا حي يا قيوم، علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.
عباد الله، قال الأميرُ شكيبُ أرسلان رحمه الله ما مضمونه:"أضاع الإسلامَ جاحدٌ وجامد، أما الجاحدُ فهو الذي يأبى إلا أن يفرنج المسلمين ويجرّدَهم من جميع مقوماتِهم ويحملهم على إنكار ماضيهم، ويجعلهم أشبه بالجزءِ الكيماوي الذي يدخلُ تركيب جسمِ آخر فيذوبُ فيه، ثم يقول: فإذا دعا هؤلاء داعٍ إلى الاستمساكِ بقرآنِهم وعقيدتهم ومقوماتهم وباللسان العربي وآدابِهِ والحياة الإسلامية قامت قيامتهم وصاحوا: لتسقط الرجعيةُ، وقالوا: كيف تريدون الرقي وأنتم متمسكونَ بأوضاع باليةٍ قديمةٍ من القرون الوسطى ونحن في عصرٍ جديد؟! ثم يضيف رحمه الله: وجميعُ هؤلاء الخلائق تعلموا وتقدموا وطاروا في السماءِ، والمسيحي منهم باق على إنجيلهِ وتقاليده، واليهوديُ باقٍ على توراتهِ وتلمودهِ، واليابانيُ باقٍ على وثنيتهِ، وهذا المسلم المسكينُ يستحيلُ أن يترقى إلا إذا رمى قرآنه وعقيدته ولباسه وفراشه وطعامه وشرابه وآدابه وانفصل من كلِ تاريخه، فإن لم يفعل فلا حظ له في الرقي"اهـ.
أيها المسلمون، إن عزة الإسلام وأهلهِ عزةٌ دائمةٌ، لا يرفعها تأخرُ حضاري، ولا تراجعٌ علمي، ولا انكسارٌ عسكري، ولا تقهقر مادي، نحن الأعزاء بالله إن صدقنا في إيماننا وإسلامنا، وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139] ، قال عمر رضي الله عنه: (نحن قومٌ أعزّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزةَ بغيره أذلنا الله) .
صلوا على السراج المنير والبشير النذير...