فهرس الكتاب

الصفحة 5763 من 5777

حقوق الإنسان

أديان وفرق ومذاهب, الأسرة والمجتمع, فقه

قضايا المجتمع, قضايا فقهية معاصرة, مذاهب فكرية معاصرة

فهد بن عبد الله الصالح

المجمعة

القادسية

1-اليوم العالمي لحقوق الإنسان. 2- إخفاقات في مجال حقوق الإنسان. 3- تكريم الإسلام للإنسان.

أمَا بعد: فأوصيكم ونفسي ـ يا عباد الله ـ بتقوى الله؛ فإن تقوى الله هي مفتاح كلّ خير ومغلاق كلّ شرّ.

أيها المسلمون، قبل يومين مرّت الذكرى الستون لليوم العالمي لحقوق الإنسان، تلك الحقوق التي أعلنتها هيئة الأمم قبل ستين عامًا، فقد أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف بكرامة الإنسان وبحريته وبسائر حقوقه إلى آخر الديباجة المدونة في ملفاتها.

ومع مرور هذه الستين فلقد عجزت هذه المنظمات أن توقف في العالم سيلَ الجرائم والمذابح والحروب بحقّ إبادة البشر، وفشلت في منع الصراعات العرقية والمذهبية، كما أن الذين يموتون من الجوع والمرض وحوادث السيارات بعشرات الملايين سنويّا، ناهيكم عن سجلّ طويل في مجال انتهاك حقوق الإنسان وإهانته وإذلاله واستغلال الضعيف لصالح القوي، حتى البيئة لم يستطيعوا منع تلوثها.

إن ما يجري للإنسان من حروب وحصارات وظلم واضطهاد وفقر ومجاعة هو ـ أيها الإخوة ـ بسبب غياب شرع الله في ضبط الحياة من كافة جوانبها المختلفة، وصدق الله: وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن: 16، 17] .

أيّها المسلمون، لقد جاء الإسلام بمبادئ وقيَم وعقائد ترفع من شأن الإنسان وتصون حقوقه وتحميه من التسلط والاستبداد.

إن أوّل ركيزة يقوم عليها بناء الإسلام هي عقيدة التوحيد، هذه العقيدة التي هي تكريم للإنسان وإثبات لعزته وحريته، فالمؤمنون تعلموا من هذه العقيدة أن الذي تنحني له الوجوه وتسجد وينادى بالدعاء والضراعة هو قيوم السموات والأرض وحده دون سواه، والبشر قاطبة ينتظمهم سلك العبودية المطلقة لله وحده، فكلمة العبودية في القرآن تعني الحرية، فالناس عبيد لله أي: هم أحرار من غير الله، فلا يحقّ لإنسان أن يستعبد إنسانًا مثله، ومبادئ الحرية التي يعلنها الغرب ويفتخر بها أمام العالم وتداعب أحلام البشرية قد شرعها الله من فوق سبع سموات، إنها حرية متزنة مضبوطة بضابط الشرع، فلا فوضى، ولا إباحية، ولا تعدٍ على حقوق الغير، ولا فرق بين أحد وأحد بسبب اللون أو العرق، للإنسان أن يمتلك ما يشاء وأن يتصرف في ممتلكاته بالحق، وجاء الإسلام بتشريعات تحمي هذه الحرية بأن شرع حدًا للسرقة وحرّم النهب والاغتصاب والتحايل.

وكما أوجب الزكاة وحثّ على الصدقة دعا إلى تنشيط الأسواق بالبيع والشراء والصناعات، وحرم كل بيع يهدّد هذه الحركة، وها هي أسواق العالم كلها تهتزّ وتنهار بسبب الربا، وكلما كان هذا النظام أو المصرف قريبا من شرع الله كحال البنوك الإسلامية كان إلى السلامة أقرب.

وكما خلق الله اللسان فقد كفل الإسلام حرية الرأي، فمن حق أي آدمي أن ينطق بما يكنه ضميره ما دام لم يخرج عن الضوابط والحدود، فالسباب واللعان والغيبة والكذب وتجريح الناس محرّم في الإسلام، وقول الحق مشروع ومندوب، ففي الحديث: (( الكلمة الطيبة صدقة ) )، ولقد أخذ الرسول البيعة من بعض أصحابه على قول كلمة الحق، بل إن قول الحق من سمات الرجولة ومن علامات الإيمان، روى الإمام أحمد بسنده إلى النبي أنه قال: (( ألا لا يمنعنّ رجلًا مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه ) ).

ومن الحريات التي شرعها الإسلام للإنسان ـ أيها المسلمون ـ حرية المأوى، فلا يجوز الدخول في مساكن الغير إلاّ بإذن أصحابها، ولقد كانت العرب تحترم هذه الحرية، فجاء الإسلام وأقرّها وأكّد عليها، فمن العيب عند العرب الدخول على البيوت إلاّ بإذن أصحابها، ولما أرادت قريش التخلّص من محمد ودعوته وخطّط لهم الشيطان بقتله لم يقتحموا عليه منزله، بل جلسوا خارجه انتظارًا لخروجه حتى أغشاهم الله وخرج ولم يروه. ومن حقّ صاحب البيت أن يرفض مقابلة أيّ إنسان ما لم يكن على موعد مسبق.

والحرية الفردية مكفولة في الإسلام أيها الإخوة، فلا يصحّ لأحد أن يتعدّى على أحدٍ في خصوصياته حتى ولو كان كافرًا؛ لأن الكافر في نظر الإسلام إنسان له حقوقه.

وللإنسان في شريعة الإسلام حرية التنقل في أرض الله الواسعة، ولهذا عاتب الله المعتذرين بقوله تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء: 97] .

والعدل مطلب الإنسانية على مرّ العصور، ولقد أخفقت النظم القديمة والحديثة في تحقيقه، أمّا شريعة السماء فتقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل: 90] .

العدل في الإسلام ينبع من عقيدة التوحيد، ويعمّ سائر نواحي الحياة وجميع الأفراد، إنه من الظلم أن يصرف العبد شيئًا من خصائص الله لغير الله، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] . العدل في الإسلام يشمل العدل مع النفس ومع الزوج ومع الأولاد ومع العمال ومع سائر البشر، يكون العدل في القضاء والحكم. إن شريعة الإسلام هي شريعة العدل والإحسان والمساواة.

ومنعا لأيّ تعد من أحد على أحد شرع الله حقوقا وواجبات بين كل طرفين متعاقدين؛ بين الرجل والمرأة، بين الأب وابنه، بين التاجر وشريكه، بين المعلم وتلميذه، بين رب العمل وموظفه، وأوجب الله بيان هذه الواجبات والحقوق حتى يلتزم كل طرف بها، وحذر الله من جحدها أو حتى التهاون بها، وما ذاك إلا لتستقيم الحياة ولا يتضرر طرف من الأطراف، وشرع الإسلام الإصلاح بين الناس منعا للفتنة وحفظا للحقوق.

ودين الإسلام ـ أيها المسلمون ـ يقرّ واقع التفاوت بين الناس في المواهب والقدرات تشجيعًا للنشيط وتحريكًا للكسول.

وإذا كان الله قد كرم بني آدم فلقد حرم كل إهانة أو إذلال أو تجريح أو تعدّ على نفسيته وعرضه، أو مماطلة في حق أو تأخير لمطلب أو أي إعاقة لمصلحة عامة تحت أي ذريعة أو مسمى.

أما التعرض للإنسان أو السبب في فقدان روحه أو المشاركة في ذلك أو حتى إقرار المجرم على جريمته فهو من أعظم الانتهاكات لحقوقه، وقد قال: (( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) )رواه الترمذي؛ ولذلك كانت عقوبة القاتل في الإسلام بجنس فعله، فيعاقب بمثل ما ارتكب من القتل جزاءً وفاقًا، فكما أنه حَرَمَ المقتولَ من الحياة فإنه يستحقّ أن يُحرَمَ منها جزاء ما اقترفت يداه، قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، ويترتّب على تنفيذ القصاص وإقامة الحدود الأخرى أن يخيّم الأمن على المجتمع، ويعيش الناس في استقرار وطمأنينة.

والإسلام له نظامه الفريد في المحافظة على البيئة العامة للناس؛ لأن التلوّث البيئي جريمة في حق الإنسانية، تسبب لهم ألوانا من الأمراض والعاهات، وتحرمهم من خيرات الأرض وبركات السماء.

وبعد: أيها المسلمون، هذا ـ معاشر الأحبة ـ عرض موجز وسريع لشريعة الإسلام في نظرتها للإنسان طالما هو كائن على وجه الأرض؛ مبادئ ومُثُل تصون الحقوقَ وتحفظ الكرامات وتحقّق السعادة وتدافع عن المنجزات.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت