الإيمان, التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, الألوهية, الله عز وجل
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
1-محبة الله أعظم مقامات العبد بين يدي ربه. 2- لماذا نحب ربنا؟ 3- لوازم محبة الله. 4- الأسباب الجالية لمحبة الله.
إن محبة الله في قلوب عباده هي المقام الأسمى من العبادات، فيها تنافس المتنافسون وإلى عملها شمر السابقون، وبروح نسيمها تروح العابدون، وهي الروح والريحان وهي حلاوة الإيمان التي من فقدها فهو من جملة الأموات، وهي النور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات.
إن محبة الله هي الغاية القصوى من المقامات، وكل ما بعدها فهو تابع لها أو ثمرة من ثمارها، فالشوق والأنس والرضا كلها من ثمار محبة الله، ومحبة الله هي الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة، قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِ?لْحَقّ [الحجر:85] والحق هو عبادة الله عز وجل وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ، وما العبادة إلا حب لله تعالى وذلك لأن مقام العبودية هو كمال المحبة مع كمال الخضوع والذل، يقال: عبّده الحب، أي ذلله، فهؤلاء أهل العشق والغرام إذا بلغ الحب فيهم ذروته عبدوهم وذلوا وانقادوا وخضعوا لهم، والعبادة لا تصلح لأحد غير الله عز وجل.
فمحبة الله هي أشرف أنواع المحبة، وهي خالص حق الله على عباده، ففي الصحيح عن معاذ أنه قال: كنت سائرًا مع رسول الله قال: (( يا معاذ، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ، فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة فقال: يا معاذ، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: قلت: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: قلت: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ) ).
عباد الله، إن الله يُحب لذاته من جميع الوجوه، وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته جل وعلا، فالله هو الذي خلق وهو الذي رزق وهو الذي إليه المنتهى وهو الذي أضحك وأبكى وهو الذي أمات وأحيا. والقلوب مفطورة مجبولة على حب من أنعم عليها، والإحسان كله لله والنعم كلها من عند الله يقول تعالى: وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ?للَّهِ [النحل:53] ، فلا يستحق بعد ذلك كمال المحبة إلا هو جل وعلا.
عباد الله، إذا غرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب أثمرت أطايب الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى. فالمحب هو العابد وهو الصادق في عبوديته لربه، وهو المخلص له فيها، وهو المتقي المحسن والله يحب المحسنين.
لوازم محبة الله:
1 -طاعته: قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ?للَّهَ فَ?تَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ?للَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران:31] فجعل سبحانه متابعة رسوله سببًا لمحبتهم له، وكون العبد محبوبًا لله أعلى من كونه محبًا لله، فليس الشأن أن تُحب الله فحسب، ولكن الشأن أن يحبك الله. قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحنة قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ?للَّهَ فَ?تَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ?للَّهُ.
فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل:
تعصى الإله وأنت تزعم حبه هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحبَ لمن يحبُ مطيع
2-الإقبال على سماع حديثه:
فالمحبون لا شيء ألذ لهم ولقلوبهم من سماع كلام محبوبهم، ولهذا لم يكن شيء ألذ لأهل المحبة من سماع القرآن، وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله: (( اقرأ عليّ ) ). قلت: اقرأ عليكَ وعليكَ أنزل؟ قال: (( إني أحب أن أسمعه من غيري ) ). فقرأت عليه من أول سورة النساء حتى إذا بلغت قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَؤُلاء شَهِيدًا [النساء:41] ، قال: (( حسبك الآن ) )فرفعت رأسي فإذا عيناه تذرفان.
وكان أصحاب رسول الله إذا اجتمعوا أمروا قارئًا أن يقرأ وهم يستمعون، وكان عمر بن الخطاب إذا دخل عليه أبو موسى يقول: يا أبا موسى ذكرنا ربنا. فيقرأ أبو موسى، فربما بكى عمر.
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا
وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا
ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا
ولا تنتظر بالسر رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا
وخذ منهم زادا إليهم وسر على طريق الهدى والفقر تصبح واصلا
وإما تخافن الكلال فقل لها أمامك ورد الوصل فابغ المناهلا
وحي على جنات عدن بقربهم منازلك الأولى بها كنت نازلا
وخذ يَمْنة عنها على المنهج الذي عليه سرى وفد المحبة آهلا
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة فعند ألقى ذا الكدُ يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا
أسباب المحبة:
الأسباب الجالبة للمحبة، والموجبة لها عشرة:
1.قراءة القرآن بالتدبر، والتفهم لمعانيه وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه، ليفهم مراد صاحبة منه. ففي كتاب الله الهدى والنور.
2.التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.
3.دوام ذكره على كل حال: باللسان والقلب، والعمل والحال، فتصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر.
4.إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتنسم إلى محابه، وإن صعب المرتقى.
5.مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: أحبه لا محالة.
6.مشاهدة بره وإحسانه وآلائه، ونعمه الباطنة والظاهرة، فإنها داعية إلى محبته.
7.وهو من أعجبها: انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى.
8.الخلوة بالله وقت النزول الإلهي، فيخلو بربه يناديه ويناجيه ويتلو كلامه ويتدبره، ويقف القلب متأدبًا بأدب العبودية بين يديه، ثم يختم ذلك بالاستغفار والتوبة إليه سبحانه.
9.مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر.
10.مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله من معاصي وآثام. فإنها أعظم ما يبعد العبد عن ربه.
لم ترد.