الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الحج والعمرة, فضائل الأزمنة والأمكنة
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
1-عشر ذي الحجة موسم من مواسم الخير. 2- فضل عشر ذي الحجة. 3- فضل يوم عرفة. 4- فضل يوم النحر.
أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم في هذه الدنيا في دار ممر، وما زلتم في سفر، وأن إلى ربكم المستقر، وأنها تمر بكم مواسم عظيمة تضاعف فيها الحسنات وتكفر فيها السيئات. ومن هذه المواسم شهر ذي الحجة، فقد جمع الله فيه من الفضائل، ونوع فيه من الطاعات ما لا يخفى إلا على أهل الغفلة والإعراض. ففي أوله العشر المباركة التي نوه الله بها في كتابه الكريم حيث قال سبحانه وَ?لْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ [الفجر:1، 2] . فإن المراد بها عشر ذي الحجة.
قد أقسم الله بها تعظيما لشأنها وتنبيها على فضلها. إذ العظيم لا يقسم إلا بعظيم. عن ابن عباس عن النبي قال: (( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ ) )، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ) )البخاري. فدل الحديث على أن العمل في هذه الأيام العشر أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا كلها من غير استثناء، وأنه أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا جهاد واحد، وهو جهاد من خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء.
وقد شرع الله لعباده صيام هذه الأيام ما عدا اليوم العاشر، وهو يوم النحر، ومما شرع في هذه الأيام الإكثار من ذكر الله، لا سيما التكبير كما قال الله تعالى: وَيَذْكُرُواْ ?سْمَ ?للَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـ?تٍ [الحج:27] وهي أيام العشر عند جمهور العلماء، فيستحب الإكثار من ذكر الله في هذه العشر المباركة من التهليل والتكبير والتحميد وأن يجهر بذلك.
فقد ذكر البخاري في"الصحيح"عن ابن عمر وأبي هريرة عنهما أنهما كانا يخرجان إلى السوق، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.
وهذا من رحمة الله بعباده، فإنه لما كان ليس كل واحد يقدر على الحج جعل موسم العشر مشتركًا بين الحجاج وغيرهم، فمن لم يقدر على الحج فإنه يقدر على أن يعمل في العشر عملًا يفضل على الجهاد.
وفي هذه العشر المباركة يوم عرفة الذي هو أفضل الأيام، فعن جابر عن النبي قال: (( أفضل الأيام يوم عرفة ) )رواه ابن حبان. وورد أن صومه يكفر الله به السنة الماضية والباقية، والمراد بذلك تكفير صغائر الذنوب، فقد روى أبو قتادة، قال سئل رسول الله عن صوم يوم عرفة فقال: (( صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ ) )، فيستحب صيامه لغير الحاج، أما الحاج فلا ينبغي أن يصومه حتى يتقوى على الوقوف وذكر الله تعالى، وهو يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف، كما في صحيح مسلم عن عائشة عن النبي قال: (( مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ ) ).
وروى ابن حبان من حديث جابر عن النبي قال: (( مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ ) )وفي رواية: (( إنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ, فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِي, اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي, قَدْ أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ ) ).
وروى مالك في"الموطأ"أن النبي قال: (( مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ) )وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ.
وروى الترمذي: (( خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ).
وفي هذا الشهر المبارك يوم النحر، الذي هو يوم الحج الأكبر، يكمل المسلمون حجهم الذي هو الركن الخامس من أركان الإسلام بعد ما وقفوا بعرفة، وأدوا الركن الأعظم من أركان الحج، وحصلوا على العتق من النار، فصار هذا اليوم الذي يلي يوم عرفة عيدًا لأهل الإسلام جميعًا لاشتراكهم في رحمة الله تعالى، وشرع لهم فيه ذبح القرابين من هدي وأضاح. سُئِلَ النبي أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (( الْعَجُّ وَالثَّجُّ ) )العج: رفع الصوت في التلبية، والثج: سيلان دم الهدي والأضاحي.
والحجاج يستكملون مناسك حجهم في هذا اليوم المبارك من الرمي والحلق أو التقصير، والطواف بالبيت الحرام والسعي بين الصفا والمروة، وأهل الأمصار في هذا اليوم يؤدون صلاة العيد لإقامة ذكر الله.
وفي هذا الشهر المبارك أيام التشريق التي هي أيام منى، روى مسلم في"صحيحه"من حديث نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ) ). وهي الأيام المعدودات التي قال الله تعالى فيها: وَيَذْكُرُواْ ?سْمَ ?للَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـ?تٍ [الحج:27] .
وهي ثلاث أيام بعد يوم النحر، وقد أمر الله بذكره في هذه الأيام المعدودات، من تكبير وتحميد.
الحمد لله يخلق ما يشاء ويختار، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار، المهاجرين منهم والأنصار، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
عباد الله، شهر ذي الحجة شهر قد تنوعت فيه الفضائل والخيرات، فحري بالمسلم أن يستقبل هذه الأيام بما ينفعه، ومنه:
1.التوبة الصادقة: والرجوع إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة، قال تعالى: وَتُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] .
2.العزم الجاد على اغتنام هذه الأيام: بالأعمال والأقوال الصالحة، ومن عزم على شيء أعانه الله عليه وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكمال العمل، ومن صدق الله صدقه الله، وَ?لَّذِينَ جَـ?هَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ?للَّهَ لَمَعَ ?لْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] .
3.البعد عن المعاصي: فكما أن الطاعات أسباب للقرب من الله، فالمعاصي أسباب للبعد عن الله والطرد من رحمته، وقد يحرم الإنسان رحمة الله بسبب ذنب يرتكبه، فإن كنت تطمع في مغفرة الذنوب والعتق من النار فاحذر الوقوع في المعاصي في هذه الأيام وفي غيرها. ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.
عبد الله، اغتنم هذه الفرص قبل أن تفوتك فتندم، ولات ساعة مندم.