الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الصلاة, فضائل الأزمنة والأمكنة, فضائل الأعمال
مرزوق بن سالم الغامدي
مكة المكرمة
الرحمة
1-يوم الجمعة سيد الأيام. 2- قراءة سورة الكهف. 3- بعض ما في سورة الكهف من عبر.
4-الصلاة على نبي الله صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة. 5- الكيفية الصحيحة للصلاة
على النبي صلى الله عليه وسلم.
أيها الإخوة: جاء في حديث صحيح أن يوم الجمعة سيد الأيام. وقد ضل عنه اليهود والنصارى وهدى الله سيد ولد آدم وأمته إليه. فالحمد لله الذي هدى سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم لسيد الأيام، والحمد لله الذي جعلنا من أمته، وهدانا لسنته.
إخوتي في الله: هنيئًا لمن بكر منكم وأتى إلى المسجد قبل حضور الخطيب، وصلى ما قدر له.. وتشرف بكتابة اسمه في السجلات التي تحملها الملائكة القاعدون على أبواب المساجد في هذا اليوم العظيم، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد فكتبوا من جاء إلى الجمعة، فإذا خرج الإمام طوت الملائكة الصحف ) ).
وهنيئًا لمن صلى فجر هذا اليوم في المسجد واستمع للقرآن، فإن قرآن الفجر مشهود.وإن من السنة قراءة سورة السجدة في الركعة الأولى والإنسان في الركعة الثانية في صلاة فجر يوم الجمعة، وإن في هاتين السورتين موعظة عظيمة عن بداية خلق الإنسان وجزاء من سار على الصراط المستقيم، وجزاء من انحرف عنه، وما له من عذاب اليم يوم القيامة. ومن السنة قراءة سورتي سبح والغاشية في صلاة الجمعة أو سورتي الجمعة والمنافقون.
أيها الأخ الكريم: هنيئًا لك إذا ما قرأت سورة الكهف في هذا اليوم وقبل أن تغرب شمسه. فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ) )فهنيئًا لمن قرأها قراءة تدبر وفهم واتعظ بما فيها من القصص، سواء قصة أصحاب الكهف، الفتية الذين فروا بدينهم من وجه الملك الطاغية الظالم إلى الكهف ليعبدوا الله هناك فكانوا فتية آمنوا بربهم، كانوا رفقة صالحة وكان في صحبتهم الخير والسعادة، لو عرف الناس ذلك لاتبعوهم ولكان في اتباعهم الخير الكثير، ولكنهم جهلوا ذلك، فاتبعهم كلب فناله الخير الذي أصابهم ونالته الكرامة بصحبتهم، مما جعل ذكره باقيًا إلى يوم القيامة معهم، فكان هذا الكلب خيرًا من الآخرين.
وهذا فيه إشارة أيها الإخوة للأمة بأن يصاحبوا الصالحين الفضلاء ويجالسوهم لعل الله أن يعمهم جميعًا برحمته.
لقد جاء الخطاب في هذه السورة للنبي صلى الله عليه وسلم يأمره بأن يصبر نفسه مع أهل الإيمان. قال تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [الكهف:28] . فهذا النبي الكريم سيد الصالحين وسيد المؤمنين وسيد المتقين هو من يحتاج الناس للجلوس معه والاستماع إلى توجيهاته وعلمه يؤمر من ربه أن يجلس مع الصالحين فكيف بمن هو دونه؟
أيها الإخوة: وهناك قصة موسى مع الخضر عليهما وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام، وقصة ذي القرنين وأمور أخرى تحويها هذه السورة فيها تصحيح للمفاهيم، وتصحيح للعقيدة وتصحيح لمنهج النظر والتفكر، تحتاج منا إلى تدبر وتأمل وقراءة تفسيرها في كتب التفسير الموثوق بها، أسأل الله العلي العظيم أن يوفق الجميع لذلك.
أيها الإخوة: ومن خصائص يوم الجمعة الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وردت أحاديث كثيرة فيها الحث على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأوقات، وفي الصباح عشرًا والمساء عشرًا، وفي يوم الجمعة، فالله قد أمرنا بالصلاة على النبي حيث قال سبحانه: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا وصلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند الملائكة، وقيل هي الرحمة.. والصلاة من الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء.
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تكون عند ذكره فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( البخيل من ذكرت عنده ولم يصلِ علي ) ). وتكون أيضًا عند دخول المسجد وعند الخروج منه، وبعد سماع الأذان وترديده مع المؤذن، وفي التشهد في الصلاة، وفي الدعاء بصفة عامة. وهنا أذكر بعض الأحاديث عن فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما جلس قوم مجلسًا لم يصلوا فيه على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة ) ). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) )وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ) ). فالموفق من وفقه الله لذلك، واتبع السنة في كثرة الصلاة على النبي، كما علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون زيادة أو نقص. أسأل الله لي ولكم التوفيق والصلاح إنه سميع مجيب.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعلنا هداة مهتدين، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا واجعلنا من عبادك الصالحين.
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
يا أيها الإخوة: حينما أمر الله المؤمنين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، جاء الصحابة إلى النبي وسألوه عن كيفية الصلاة عليه حيث قالوا: أمرنا الله يا رسول الله أن نصلي عليك.. فكيف نصلي عليك؟ قال: (( قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ) ).
وجاءت صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعدة صيغ أخرى منها: (( اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) )وفي لفظ آخر: (( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) )فهذه كلها صحيحة تقال في التشهد في الصلاة، وينبغي على كل مسلم أن يحفظها ويقولها كما هي دون زيادة أو نقص، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن) .
فهذا يدل على الاهتمام بالتشهد في الصلاة، ومنه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه مثل ما يعلمهم السورة ،فيحفظونه كما هو دون زيادة أو نقص، مثل ما يحفظون السورة.
أما خارج الصلاة فالأفضل والأجدر بالمسلم أن يتقيد بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في كيفية الصلاة عليه، وهي التي ذكرتها آنفًا، وهي التي التزم بها السلف الصالح وأئمتنا في الدين منهم الإمام الشافعي والإمام النووي وغيرهم من المحدثين المشهورين أصحاب الصحاح والمسانية والسنن رحمهم الله جميعًا.
ولكنني أحذر إخواني المسلمين من صلوات بدعية أو شركية منافية للتوحيد ألفها أهل البدع والضلال ليلفتوا الناس عن السنة الصحيحة.
ومن هذه الصلوات البدعية ما يسمى بصلاة الفاتح، أو الصلاة النارية، أو الصلاة التازية، وغيرها من الصلوات المؤلفة بأسماء أشخاص تؤلف عليها القصص الخرافية والادعاءات الباطلة بأثرها الفعال وبأنها مجربة، وما إلى ذلك من الأقوال التي يزخرفونها حول هذه الصلوات البدعية ليبعدوا الناس عن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وما خرج من بين شفتيه الشريفتين، فيستبدل الناس الذي هو أدنى بالذي هو خير، نسأل الله العافية.
وأختم خطبتي بهذا الحديث عن فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال: (( يا أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه ) ).
قال أبي بن كعب قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: (( ما شئت ) ). قلت: الربع؟ قال: (( ما شئت وإن زدت فهو خير ) )قلت النصف؟ قال: (( ما شئت وإن زدت فهو خير ) )، قلت الثلثين؟ فال: (( ما شئت وإن زدت فهو خير ) )، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: (( إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك ) ).
قال العلماء: إن أُبيًا رضي الله عنه كان يدعو بدعاء لنفسه في الليل فسأل النبي صلى الله عليه وسلم كم يجعل من دعائه هذا صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الربع أو النصف أو الثلثين أو كل الدعاء يجعله صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن فعل ذلك وجعل كل الدعاء صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يُكفى همه ويُغفر ذنبه. فأين المحبون المتبعون من هذا الفضل العظيم، أسأل الله العلي العظيم أن يوفق الجميع لذلك، وأن يهدينا جميعًا لما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب.
(( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) )سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.