الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
الأبناء, الفتن
حسين بن غنام الفريدي
حائل
غير محدد
1-أهمية مرحلة الشباب. 2- نماذج مشرقة لهمم الجيل الأول. 3- حال شبابنا اليوم. 4- وصايا عامة في المحافظة على الأهل والأولاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 5- التحذير من الغش في الاختبارات الدراسية.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، اتقوه في فراغكم، واتقوه في شبابكم وفي جميع أحوالكم، اتقوه فالعاقبة للتقوى، وهي أقوم وأبقى.
لقد صح عن المصطفى قوله: (( لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ ) )أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح من رواية أبي برزة الأسلمي، وأما رواية ابن مسعود فزاد: (( وعن شبابه فيم أبلاه؟ ) ).
معاشر المصلين، إن الشباب قوة وحيوية، والأمة إنما تحمل على أكتاف الشباب، وما قام هذا الدين ـ بعد توفيق الله وتسديده ـ إلا على سواعد شباب وفتيان، ما عرفوا حياة اللهو واللعب والبطالة، أمثال علي وجعفر وأسامة ومصعب وابن عباس وابن عمر وابن رواحة، إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءامَنُواْ بِرَبّهِمْ وَزِدْنَـ?هُمْ هُدًى [الكهف:13] .
فتعالوا بنا لنرى حال شباب الأمس، ثم لنعرج على شباب اليوم، فمن شباب الأمس؟ إنهم:
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابدٍ دمعُه في الخد أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفرًا يشيدون لنا مجدًا أضعناه
هذا عبد الله بن رواحة كان في الثلاثين من عمره، يقبل على المعركة بقلب مؤمن ويقين صادق بموعود الله، يقطع علائقه بالدنيا ليكون من أبناء الآخرة، ويشدّد على نفسه لما حدثته بحديثها فيقول:
أقسمت يا نفس لتنزلنّه طائعة أو لتُكرَهِنَّه
قد أجلب الناس وشدّوا الرّنّه ما لي أراك تكرهين الجنّه
فطالما قد كنت مطمئنّه هل أنت إلا نطفة في شنّه
ثم يقول:
يا نفس إلا تقتَلي تموتي هذا حمام الموت قد صلِيتِ
وما تمنيتِ فقد أعطيتِ إن تفعلي فعلَها هدِيتِ
ويعني بذلك صاحبيه اللذين سبقاه بالشهادة، وهما زيد بن حارثة وجعفر الطيار.
جعفر ذاك الذي أقبل فقطعت يمناه، فأخذ الراية بيسراه فقطعت، فضمها بعضديه حتى تكسرت الرماح في صدره وهو مبتسم، ويقول:
يا حبّذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إن لاقيتُها ضرابها
وذاك أنس بن النضر يخرج مجاهدًا في أحد وهو يقول: (والله، إني لأجد ريح الجنة من دون أحد) ، فيضرب بثمانين طعنة، فيموت في سبيل الله، ولم يعرف إلا ببنانه.
مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـ?هَدُواْ ?للَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] .
وأسامة يقود الجيوش ولم يبلغ السابعة عشر من عمره، ومحمد بن القاسم يفتح بلاد الهند والسند ولم يبلغ العشرين، وبقية بن نافع شاب في الخامسة والعشرين من عمره يفتح إفريقيا، وينتشر فيها الإسلام، ويجوب المغرب حتى وقف على المحيط موحّدًا مصلّيًا، وهو يقول:"والله، لو أعلم أن وراء هذا الماء أرضًا لخضته بفرسي هذا رافعًا لا إله إلا الله". وما علم ـ رحمه الله ـ أن وراء ذلك المحيط دولة أصبحت في عصرنا هذا مصدرًا للفساد والإفساد، ومصدرًا للدعارة والخنا، وحاضنة للعرايا والبغايا، ولم يحمل عقبة راية التوحيد إلى تلك الدولة، بل جاء شبابنا المقدام وحمل راية التوحيد متّجهًا إلى تلك البلاد، ولكن شتان بين الفريقين مشرّق ومغرب، شتان بين العزّة والذلّة، شتان بين الجد واللعب.
ذاك شباب الأمس، وهذا شاب اليوم، وما أدراك ما شباب اليوم.
إن من شباب اليوم من بلغ الثلاثين بل الأربعين وهو لا يعرف هدفه في الحياة، ولا يدري لماذا يعيش، وإذا علم غفل ولها وعمي وتعامى. كل شيء له في حياته ميزان إلا الموت، إلا القبر، إلا الآخرة، إلا الجنة، إلا النار، إذا حدثته بشيء من ذلك لم يأبه لما تقول، ونظر إليك نظرة شفقة، إن حدثته بذلك كأنك تحدثه عن منامات أو تخيلات. أهكذا الإيمان؟! أهذا هو اليقين؟! بأيّ شيء نلقى ربّنا وقد حذّرنا ووعدنا وتوعّدنا وأرسل إلينا من جعلنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.
عباد الله، إن حال الكثير منا وحال من سبقنا يصدق عليه قوله تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَ?تَّبَعُواْ ?لشَّهَو?تِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا [مريم:59] .
الصلاة عمود الدين من ضيعها فهو لما سواها أضيع، (لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة) ، (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ) ).
إنّ من شبابنا بل من عقلائنا بل من شيبنا من يتخلف عن الصلاة لا سيما صلاة الفجر، ويعتذر بثقل النوم وصعوبة الاستيقاظ وعدم المعين وأنه لا يملك من أمر نفسه شيئًا، يا ترى ما الذي جعل هؤلاء يستيقظون ليلة الثلاثاء الماضي؟! ما الذي جعلهم يهجرون حلو المنام في ساعة متأخرة من الليل؟! هل كانوا يتهجدون؟! هل كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون، في تلك الساعة التي ينزل بها الجبار إلى سماء الدنيا ليغفر ذنوب العباد وليتوب على من تاب؟!
أيها العقلاء، أنصفونا من أنفسكم، فالعاقل كما يقال خصيم نفسه، هل تلك المباريات أهم من صلاة الفجر؟! هل قال فيها رسول الله: (( من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم ) )أخرجه الإمام مسلم؟! هل سيسأل عنها في قبره؟! أم هل سيذكرها عند حشرجة الروح في صدره؟! هل سيذكرها يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه؟! هل سيذكرها يوم يقوم الناس لرب العالمين؟! هل سيذكرها يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها؟! هل سيذكرها يوم ينفخ في الصور؟!
إن من أضاع الصلاة واتخذ المباراة إلهًا له من دون الله حقيق به أن يكون من أولئك الخَلف الذين يَلقَون غيًّا وعذابًا. إنهم قلبوا الموازين، وسمّوا الأشياء بغير اسمها، واستعاظوا بكلّ حسن كلّ قبيح. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ذهب الذين يعاشوا في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يا أمة محمد، يا أيها الشباب، يا أحفاد خالد والمثنى، يا أحفادَ عدي بن حاتم وزيد الخير، ما هكذا تورد الإبل، وما هكذا تعرف السّبل، وما هكذا تستعزّ الأمم، تفطّنوا لما يحاك لكم، وتنبهوا قبل أن تغرقوا.
أرى بين الرماد وميض جمر وأخشى أن يكون له اشتعالا
من يرفع راية التوحيد إن تخليتم عنها؟! من ينصر هذا الدين إن توليتم؟!
إنكم من خير بلاد الدنيا، بلاد شعّ منها النور، فأنتم للناس قدوة، وإليكم تهفو الأفئدة، هل تظنون أن من ارتمى في أحضان البغايا سيرفع راية التوحيد؟! وإن رفعها وهو على حاله فهل بذلك عزة وقوة؟! إن كلمة التوحيد بريئة منه ومما يعمل، ولكن إلى الله المشتكى.
عباد الله، إن هذا السعار الذي بلي به شبابنا خلف ما يسمّى بكرة القدم أشغلهم عن عبادة ربهم، وأشغلهم عن رسالتهم في الحياة، وأشغلهم عن أمور دنياهم، وإنه ـ والله ـ لمؤذن بهلاك وضياع، هلاك في الآخرة وضياع في الدنيا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَ?تْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ?لَّذِى ءاتَيْنَـ?هُ ءايَـ?تِنَا فَ?نْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ?لشَّيْطَـ?نُ فَكَانَ مِنَ ?لْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـ?هُ بِهَا وَلَـ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ?لأرْضِ وَ?تَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ?لْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذ?لِكَ مَثَلُ ?لْقَوْمِ ?لَّذِينَ كَذَّبُواْ بِايَـ?تِنَا فَ?قْصُصِ ?لْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175، 176] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وانصحوا لأنفسكم ولأولادكم ولإخوانكم، وأصلحوا ما فسد من أحوالكم، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، وإياكم والازدواجية التي تجمع بين المتناقضات وتؤلّف بين المتضادات، بل أخلصوا لله جميع أعمالكم، وزنوها بميزان الشرع، وامتثلوا قول الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذ?لِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ?لْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] .
وإياكم والتقاعس عن نصح الناس وإن لم يسمعوا ممتثلين بذلك قول الله تعالى: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ?للَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى? رَبّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف:164] ، فلا يحصل لك العذر إلا ببذل النصيحة.
عباد الله، إنني حين أعبُر بكم حجُب الزمان وأحدّثكم عن جيل مضى لا أعني بذلك التسلية ولا بث اليأس في النفوس الطامحين، فتلك الصور ليست ضروبًا من الأساطير ولا هي من نسج الخيال، بل هي واقع خرجته مدرسة محمد.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
ولا نأتي بها على سبيل الافتخار المجرد، بل لنسير سيرتهم ونقتفي أثرهم.
لسنا وإن أحسابنا كرمت يومًا على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا
أيها الشباب، يا من قاربكم موسم الحصاد، يا من سهرتم الليالي لطلب المعالي، احذروا من التفريط في أمور دينكم ودنياكم، ثم إياكم والكسل بعد الاجتهاد واللعب بعد التعب، واحذروا متابعة هذه المباريات لئلا تشغلكم عن مصالحكم، فلن تجنوا من الشوك عنبًا.
واحذروا الغشّ في الامتحان، (( من غش فليس منا ) )، فهو أسلوب الكسالى والبطالين، وخلق يأنف منه الشّهم الكريم، ويترفع عنه صاحب الهمة العالية والمطالب السامية، ومن لجأ إليه فإن فيه خسّة ودناءة، وهو عرضة للفضيحة والندامة.
هذا، واسألوا الله الثبات على الأمر والعزيمة على الرشد، وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم بذلك اللطيف الخبير...