فهرس الكتاب

الصفحة 1283 من 5777

الملل

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

أمراض القلوب, قضايا دعوية

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

1-خطورة الملل في حياتنا الاجتماعية. 2- خطورة ملل الدعاة على مستقبل الدعوة الإسلامية.

3-عزمة وجدية الصحابة أوصلت الإسلام إلى العز والتمكين. 4- جدية بعض الأمم الكافرة

اليوم أوصلها إلى الرقي في المدنية. 5- علاج الملل.

أما بعد:

عنوان الخطبة في هذه الجمعة الملل.

يقول أهل اللغة:الملل هو أن تمل شيئًا وتعرض عنه، ومللت الشيء إذا سئمته، وفي الحديث: (( عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه ) ).

الملل أيها الأحبة من المشاكل المزعجة، ومن الأمراض المهلكة لو أصابت الشخص.هناك بعض الناس يكون الملل سجية فيه، تجد أنه يمل كل شيء، ضعيف صبره، يمل العمل، يمل الأصحاب، يمل الزوجة، يمل الأولاد، ومثل هذا مسكين، إذا لم يحاول أن يعالج نفسه، ويتداركه الله برحمة، فإنه يتعب ويُتعِب. وهناك من الناس من يمل، لكن من أشياء دون أشياء، وهذا أهون من الأول، لكن مصيبته إذا صار يمل من أمور شرعية، كالعبادات، نسأل الله العافية. كأن يتحمس في أول شهر رمضان وبعض النصف منه يمل ويود سرعة زوال الشهر.

أيها المسلمون: هناك مفاسد كثيرة تترتب عن وجود الملل في الأفراد، وهذه المفاسد تختلف بحسب موقع الشخص في المجتمع.

فالرجل الذي يمل الأولاد مثلًا، تجده دائمًا في قلق، وتكثر لديه المشاكل الأسرية، بسبب قسوته على أولاده، وكثيرًا ما يستخدم الضرب لتهدئة الأوضاع، وربما أدى ملله من أولاده في النهاية إلى تطليق الأم.

والتاجر الذي يمل بسرعة، هذا قليلًا ما يوفق في تجارته، لأن التجارة غالبًا تحتاج إلى طول نفس وصبر، وعدم التعجل حتى يفتح المولى جل وعلا على عبده بالرزق، أما سريع الملل، إذا لم يرى النتائج والأرباح بسرعة فإنه يمل ثم يترك، وربما ترتب على ذلك خسائر ثم ديون ثم إفلاس.

والمدرس سريع الملل، هذا لا يمكن له أن يؤدي الدور التربوي والتعليمي المكلف به، لأن الطلبة يحتاجون إلى طول بال، وإلى تحمّل طويل، وصبر على الأخطاء، وتوجيههم بالأسلوب المناسب، لكن المدرس سريع الملل تجد أنه فاشل في رسالته، قليل العطاء، ينفر منه الطلاب، ولا يتقبلون منه.

والموظف الذي يمل بسرعة، هذا لا يصلح أن توكل إليه الأعمال التي تحتاج إلى مقابلة الجمهور، ولهذا ينبغي اختيار العناصر الهادئة والمنضبطة فيمن يوضعون أمام الناس، وعلى مكاتب الاستقبال، أولئك الذين لديهم المقدرة في امتصاص غضب بعض المراجعين، لكن تخيل مراجعًا ساخن الطبع، وموظفًا سريع الملل سريع الاشتعال، النتيجة في الغالب معركة، الخاسر فيها سمعة الوزارة، والضحية المراجع المسكين.

أما الداعية إلى الله والمصلح إذا كان سريع الملل فهذه هي المصيبة، لأن الدعاة إلى الله، وطلبة العلم، هم مشاعل النور والخير في كل مجتمع، وهم القدوات التي يقتدي الناس بها، وبهم يتعلم الناس أحكام الشرع، وعلى أيديهم يتربى الجيل الناشئ، وهم الذين يقيمون حلق العلم والتعليم، ودروس المواعظ والإرشاد.

إن الدعاة إلى الله، وطلاب العلم في كل مجتمع، في الغالب هم أئمة المساجد، وخطباء الأحياء، وهم زبدة الناس، المطلوب منهم أن يأخذوا هم بأيدي الناس، كيف لو كانوا هم في مقدمة الذين يملّون، لاشك بأن النتائج تكون سلبية، والملل عند الدعاة وطلبة العلم على أنواع:

فمنهم من يمل القراءة وكثرة الاطلاع، لا يتحمل المكث مع الكتاب بضع ساعات، فهذا نجد أن خلفيته ضحلة، ومعلوماته بسيطة.فلا يملك ما يعطيه لغيره.

ومنهم من يمل تكثيف الدروس والمحاضرات، فيتحمس في البداية ثم يمّل، وهذا يشاهد في الدورات المكثفة في فصل الصيف، من الحماس وكثرة الحضور في البداية، ثم الملل شيئًا فشيئًا والتفلت في الأيام الأخيرة للدورة.

ومن الدعاة من يمل طول الطريق وبطء النتائج وتدرج الخطوات والمراحل، ويرى مع ذلك شراسة العدو، وكيده للدعوة، وتضييقه على الدعاة، وربما سمع أو قرأ لبعض صور الكيد العالمي، وهذه الهجمة الشرسة على الإسلام في كل مكان، ابتداءً بأرضه، وانتهاءً بأراضي الكفار، كل هذا وغيره إذا اجتمع على هذا الداعية أصابه الإحباط واليأس والفتور وأدى به ذلك إلى الملل وترك العمل.

أيها المسلمون: لو ألقينا نظرة للمجتمع النبوي، ذلك المجتمع الصغير في ذلك الوقت، وأولئك النفر القليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ملتفون حول المصطفى عليه الصلاة والسلام.

ماذا كان إنجاز ذلك الجيل، مع أنه كان محاطًا بسياج من العدو، وبأشكال متعددة، المنافقون من جهة، واليهود من جهة، وكفار قريش من جهة، هذا عدا دولتي فارس والروم، ماذا حقق ذلك المجتمع من إنجاز وهم قلة في العدد والعدة، في مقابل شراسة العدو وكثرته الذي كان يقابله.

لاشك أنه إنجاز، أبهر عقول العدو قبل الصديق، وحقق أعظم تاريخ عرفته البشرية.

السؤال: هل كان يمكن أن يصل ذلك المجتمع إلى ما وصل إليه من قيام دولة مسلمة وإسقاط دول كافرة، وتربية نماذج فريدة، وإخراج علماء الأمة من فقهاء ومحدثين.

وعلماء في كل فن، هل كان يمكن تحقيق كل ذلك، مع وجود ظاهرة الملك بينهم.

لا يمكن أبدًا. ما حُقق ذلك الإنجاز إلا بالجد والمجاهدة والصبر والعزيمة.

وإلغاء ما يسمى بالملل والكسل والعجز من قاموسهم بالكلية.

ولأضرب لكم مثالًا آخر، مثال حيّ من واقعنا لتدركوا إن ما نحن فيه التخلف في كافة المستويات، إبتداءً بالتخلف العبادي وانتهاءً بالتخلف الحضاري، أحد أسبابه وجود الملل بنسبة لا بأس بها بين أبناء الأمة، هذا المثال دولة إسرائيل، هذه الشرذمة القليلة من اليهود، بغض النظر عن كونهم كفارًا ويهودًا، لكن لو نظرت إلى الإنجاز الذي حققوه خلال السنوات القليلة الماضية، لاشك أنه إنجاز ضخم، عددهم لا يزيد على أربعة ملايين يتحكمون بالشعوب الإسلامية والعربية كلها، التي يزيد على ألف مليون نسمة.

هل تعلمون أن في إسرائيل مع هذا العدد القليل مليونين ونصف خط هاتف، وهي رابع دولة في العالم من حيث القيادة.

والأهم من هذا أن معدل إنتاجية العامل فيها يبلغ حوالي 42 ساعة في الأسبوع أصبحت تنافس ساعات العمل للعامل في اليابان وأمريكا، لو كان اليهود يعرفون الملل والسآمة والنوم، هل يحققون كل هذا؟ خضعت لهم دول، وركعت أخرى، واستسلمت ثالثة، بل إن طموحاتهم وأهدافهم، لم تنته بعد، لهم آمال وطموحات أعظم مما هم عليه اليوم نسأل الله ألا يحققوه.

من الطبيعي جدًا لو كانت ظاهرة الملل متفشية عندهم، لم يكن بمقدورهم تحقيق كل هذا تقول بعض الإحصائيات أن العامل في اليابان يعمل بمعدل 16-18 ساعة يوميًا.

ستة عشر ساعة عمل بجد ونشاط وقوة، وأن معدلات ساعات العمل في الدول العربية تصل إلى ساعتين عمل في اليوم، وفي بعض الدول إلى أقل من هذا.

يقول الله جل وتعالى عن العطاء في الدنيا: كلًا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا في التقدم الحضاري والإنجاز المادي لا فرق بين المسلم والكافر إلا في البركة، فالله جل وتعالى بعدله يعطي هذا وهذا، الذي يجد ويبذل ويعمل، يحصل على ثمرة يده.

فلهذا كان يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم إني أعوذ بك من جلد الكافر وعجز الثقة. وهذا هو المشاهد مع كل أسف. الكافر والفاسق تجد لديه من الجلد والمثابرة والعمل ما يبهر العقول أحيانًا، والمؤمن الثقة الثبت يكون بعضهم فيه من العجز والكسل والملل ما يؤسف له.

والحق يقال أيها الأحبة أن ما نراه من التقدم التقني والحضاري، وهذا الإنجاز في مجال التصنيع والإنتاج والإدارة والتنظيم والترتيب في دول أوربا وأمريكا، ما هو إلا نتيجة الجهد والجد والعمل الدؤوب المتواصل ليل نهار.

وفي المقابل ما نراه في مجتمعات المسلمين من التخلف في كل شيء والفوضوية واللامبالاة ما هو إلا نتيجة الكسل والعجز والتواكل والملل وحب النوم والراحة واللهو واللعب.

مع أننا أمة رسالة، أمة دعوة، أمة عطاء، والله جل وتعالى لم يوجدنا ويخلقنا لنكون هكذا، بل لنكون خير أمة أخرجت للناس.

لكن هذا نتيجة ما جنته أيدينا من بعدنا عن الإسلام ونبذنا لكتاب ربنا حكمًا وتحاكمًا وعقيدة وعبادة وضعف صلتنا بالله عز وجل، وتقوية الصلة بهيئة الأمم، والمحافل الدولية وغيرها من المؤسسات الطاغوتية.قال الله تعالى: وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.

نفعني الله وإياكم يهدي كتابه واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أقول ما تسمعون واستغفر الله..

أما بعد:

هل للملل علاج، ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء، علمه من علمه وجهله من جهله، فمن عقاقير علاج الملل.

أن يعرف المسلم قيمة نفسه وأنه أغلى جوهرة على وجه الأرض، وأن له مكانة عالية عند الله تعالى، لابد أن يشعر المسلم بالعزة، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.

ثم أن يعلم المسلم أن حياته ثمينة، وأوقاته غالية، ولو أدرك المرء منا هذه القضية جيدًا، وهو أن حياته ثمينة وأوقاته غالية لما صار للملل في حياته ولا في وقته مجال.

ثم ليحرص المسلم أن يكون له دور في حياته، لا يصلح أن يعيش المسلم سلبيًا في مجتمعه إذا شعر الشخص أنه هامشي لا دور له ولا قيمة له، وأنه ليس بإمكانه أن يقدم شيئًا لمجتمعه، كان هذا سببًا في شعوره بالملل ومن العلاج: إدراك حجم التحدي الذي تواجهه الأمة في فترتها الحالية، لا يشك مسلم أنه تحدٍ ضخم قال الله تعالى: ولن ترضى عن اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم وقال: ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة لا أظن الملل يطرأ على أمة أو دولة أو حتى أفراد يدركون جيدًا مقدار التحدي الذي يواجهونه.

إن أية دولة تحس بالخطر على حدودها تستنفر جيشها وشعبها لمواجهة الخطر الجديد، بل إن الحيوانات إذا أحست بالخطر استنفرت قواها وتحفزت للدفاع عن نفسها. فكيف بالمسلم الذي يواجه تحدٍ أضخم من هذا بكثير، وهو التحدي لصرفه عن دينه، ثم هو ينام أو يمل الدفاع عن نفسه.

ومن العلاج تأكد الداعية من سلامة منهجه الذي يسير عليه.فإن صحة المنهج في طلب العلم وفي الدعوة، وفي التلقي، وفي العطاء، وفي التربية لا يمكن أن يكون معه ملل.

إن سلامة المنهج يكسب الشخص الطمأنينة والثقة والثبات، وهذا الأمر يدفعه لمزيد من العطاء والبذل والتفاؤل، فلا يمكن أن يعكر صفوه الملل.

ومن العلاج تنظيم الأوقات: أرأيت أخي المسلم الصلوات الخمس لو لم تكن محددة بوقت معلوم، وترك للناس اختيار الوقت الذي يناسبهم، لرأيت الفوضى والعجب، أو لو طُلب من المسلمين صيام ثلاثين يومًا دون تحديد شهر معين، يا ترى كيف تكون حال الناس؟لكن تحديده في شهر معين ثابت يجعل له ميزة، وهو انتظار الناس والشوق واللهفة بقدومه.فإذا نظم المسلم وقته، بورك له فيه، وكلما مضت الأيام يزداد عملًا ونشاطًا، حتى يصبح هذا الأمر إلفة وسجية. فلو ضاعت عليه ساعة من حياته لوجد لها أثرًا وحسرة. مثل هذا لا أظن أنه يعرف الملل.

وأخيرًا من علاج الملل: التنويع في العبادة وفي الأعمال، فإن النفس تكره الرتابة، وتحب التجديد والتنويع، لكن يكون هذا التجديد وهذا التنويع في حدود ما شرع الله، ولعله - والله أعلم - أحد حكم ورود بعض العبادات على هيئات مختلفة، وأن السنة أن يأتي المسلم بهذا مرة وبهذا مرة، هو كسر الملل عن نفسه.

وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه عند البخاري، إشارة إلى تنويع الأعمال - قال: قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: (( الإيمان بالله والجهاد في سبيله، قال قلت أي الرقاب أفضل، قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا، قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا أو تصنع لأخرق، قال قلت يا رسول الله: أرأيت إن ضَعُفت عند بعض العمل؟ قال: تكف شرّك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت