الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الذبائح والأطعمة, فضائل الأزمنة والأمكنة
فريح بن محمد الفريح
الذيبية
جامع بلدة السمار
1-التحذير من الغفلة. 2- الحث على الإكثار من قراءة القرآن. 3- فضل يوم عرفة. 4- فضل يوم النحر. 5- حكم صلاة العيد وشيء من أحكامها وآدابها. 6- من أحكام الأضحية.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، فمن يتق الله يجعل له مخرجًا، اتقوا الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
عباد الله، تمضي الأيام وتنقضي ونحن عنها غافلون، وعن الاستعداد ليوم المعاد لاهون، فهل نحن في هذه الحياة معمرون، أم نحن أبد الآباد خالدون؟! إن ضعفنا في العبادة وتكاسلنا عنها يدل على خلل في أنفسنا، لا بد من علاجه ومداواته، وإن القرآن لهو شفاء المؤمنين ورحمتهم، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا.
والقرآن هو الروح التي تحيا بها القلوب وتستعيد نشاطها به، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ، فأكثروا من قراءة القرآن ولا سيما في مثل هذه العشر المباركة؛ لعلكم أن تنالوا فضل آخرها، وتسعدوا بها في دنياكم وأخراكم.
عباد الله، ها هي أيام العشر قد أوشكت على الانتهاء، فماذا قدمنا فيها لأنفسنا؟! إن الله شرع في هذه العشر أعمالًا عظيمةً لا تجتمع في غيرها من أيام العام، والله قد فاضل بين الأيام لينشط المؤمن على العمل الصالح كلما زاد الفتور، جاء الزمان الفاضل، فينشط لعبادة ربه، ويتقوى على طاعته.
أيها المسلمون، إن في هذه الأيام العشر يومين هما أعظم أيامها وأشرفها وأجلها عند الله عز وجل، شرع فيها ما يشرع في بقية العشر من العمل الصالح.
أولها: يوم عرفة، صيامه يكفر سنتين: السنة الماضية والقادمة، والعمل الصالح فيه أحب العمل إلى الله، فأكثروا فيه من الذكر والصدقة والمعروف، واحذروا التفريط فيه، فإنكم لا تدرون أيعود مرة أخرى عليكم أم لا، والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاقل من استغرق أيامه في طاعة الله سبحانه.
وثاني هذه الأيام: يوم النحر، يوم الحج الأكبر، الذي يكمل المسلمون فيه حجهم، ويتقربون إلى الله بذبح قرابينهم، والتقرب إلى الله بصلاة العيد وذبح الأضاحي.
عباد الله، لا بد للمسلم أن يتنبه لعدد من الأمور في يوم العيد:
أولها: أن صلاة العيد واجبة، كما أفتى بذلك عدد من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لقول الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، ولأن النبي أمر النساء بالخروج إلى الصلاة حتى الحيّض، لكن يعتزلن المصلى، أمرهن بالخروج مع أن غير صلاة العيد بيوتهن خير لهن.
ووقت صلاة العيد بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، ويسن تعجيلها، ويسن صلاتها خارج البلد، إلا إن وجد عذر من مطر أو برد أو نحو ذلك لفعل النبي.
ومن دخل المسجد لصلاة العيد فالسنة له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ويخطب الإمام بعد الصلاة خطبتين، يبين فيهما أحكام الأضحية وشروط الأضاحي، ويحث الناس على تقوى الله والتزام أمره واجتناب نهيه، ولا يجب حضور الخطبة، فمن شاء جلس ومن شاء ذهب؛ لترخيص النبي.
ومن أحكام العيد أنه يسن للإنسان أن يتنظف ويغتسل ويلبس أحسن ثيابه ويتطيب، ويمشي إليها بسكينة ووقار، ويكثر من ذكر الله وشكره وتعظيمه، ويتذكر بهذا اليوم يوم الحشر الأعظم إلى الله، فيحدث له ذلة وانكسارًا والتجاءً إلى الله سبحانه.
ومن أحكام الأضاحي أن لا يضحّي الإنسان إلا بعد الصلاة، لقوله: (( من ذبح قبل الصلاة فليعد أخرى مكانها ) )، والأكمل أن لا يذبح إلا بعد الصلاة والخطبة؛ لفعله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.
وفقني الله وإياكم لصالح القول والعمل، وهدانا صراطه المستقيم.
أقول قولي هذا...
الحمد لله إليه، المرجع والمآب، أنزل على رسوله السنة والكتاب، وجعل فيهما الهداية لأولي الألباب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرباب، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله والأصحاب، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المرجع والمآب، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن للأضحية أحكامًا ينبغي للمسلم أن يعمل بها، فمن ذلك أن من أراد الأضحية فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره ولا جلده شيئًا، لحديث أم سلمة في صحيح مسلم: (( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) )، وفي لفظ: (( فلا يمس من شعره ولا بشره شيئًا حتى يضحي ) )، وإن نوى الأضحية في أثناء العشر أمسك من حين ينوي.
والأصل في الأضحية أنها مشروعة في حق الأحياء، وأما تخصيص الأموات بالأضاحي فليس من السنة؛ لأن النبي لم يضحِّ عن أحد من أمواته بخصوصه، فلم يضحّ عن عمه حمزة، ولا عن أولاده الذين ماتوا في حياته، ولا عن زوجته خديجة، ولم يفعل ذلك أحد من أصحابه. بل ينبغي للمسلم أن يضحي عن نفسه، ويشرك فيها من شاء من الأحياء والأموات، أما الوصايا فتنفذ بمقتضى الوصية لقوله تعالى: فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
عباد الله، أكثروا من التهليل والتكبير والتحميد في هذه العشر، فإنه سنة نبيكم محمد ، وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم ترحمون.