الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان, الكبائر والمعاصي
عبد العزيز بن الطاهر بن غيث
طرابلس
بلال بن رباح
1-خطر جناية اللسان على الإنسان. 2- آفة الكذب. 3- آفة التنابز بالألقاب. 4- آفة القذف. 5- آفة السبّ واللعن. 6- آفة الطعن في الأنساب والنياحة على الميت. 7- ظاهرة فحش القول.
أما بعد: لا زلنا مع آفات اللسان ومخاطره وأضراره التي يجلبها للإنسان أو يجنيها الإنسان عن طريقه، يقول فيما رواه الإمام أحمد وابن حبان من حديث أبي ثعلبة الخُشَني: (( خياركم أحاسنكم أخلاقا، وشراركم الثرثارون والمتفيهقون والمتشدقون ) ).
فاسمعوا ـ يا عباد الله ـ إلى هذا القول من رسول الله ، شرار المسلمين الثرثارون، وهذا أمر يقوم به اللسان، والمتفيهقون وهم الذين يتوسعون في الكلام ويتظاهرون بالفصاحة، وهذا الأمر أيضا يقوم به اللسان، والمتشدقون وهم الذين يتكلمون بأشداقهم ويتكلفون في الكلام، وهذا كذلك أمر يقوم به اللسان، فما أعظم جناية اللسان على الإنسان.
وقد تكلمنا في الخطبة الماضية عن بعض آفات اللسان، فذكرنا الغيبة والنميمة وكتمان الشهادة، ونتناول اليوم آفات أخرى من آفات اللسان مما يكثر انتشارها بيننا، حتى نبتعد عنها.
من هذه الآفات آفة عظيمة حذر منها الله تعالى ورسوله وعدها شرعنا من عظائم الأمور، وهي آفة الكذب، يقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّار [الزمر: 3 ] . فالكذب آفة ومرض خطير وعادة لا يحبها الله ولا رسوله ، وهي صفة مذمومة عند الناس، فكل الناس يمقتون الكذاب ولا يثقون به، والكذب من علامات النفاق، يقول فيما اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة: (( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ) ).
وقد يتعود الإنسان على الكذب ليضحك الناس، فالمسكين يهلك نفسه من أجل إضحاك الآخرين، وهذا متوعد بحديث رسول الله الذي يقول فيه: (( ويل للذي يحدث فيكذب ليُضحك به القوم، ويل له، ثم ويل له ) )أخرجه الترمذي وأحمد عن معاوية بن حيدة.
فالكذب نهى عنه ديننا الحنيف ولو كان الإنسان مازحا؛ لأن الإنسان إذا كذب مازحا استسهل بعد ذلك الكذب جادا، لهذا يقول كما في صحيح الجامع من حديث أبي أمامة: (( أنا زعيم بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحا ) )، ومعنى (( أنا زعيم ) )أي: أنا ضامن لهذا البيت، فبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب في كل أحواله حتى في المزاح، وهذا البيت الضامن له رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، فما أعظمه من ضمان، وما أعظمه من ضامن، وما أعظمه من بيت.
ومن أسوأ تبعات الكذب أن الإنسان إذا تعود عليه وتحرَّاه كُتب عند الله كذابا، وكيف سيكون حال من يلقى الله وقد سبقته صفة الكذب عند ربه؟! ففي الحديث الذي أخرجه الشيخان عن ابن مسعود يقول: (( إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابا ) ).
ومن آفات اللسان الخطيرة والتي يقع فيها أكثرنا التنابز بالألقاب، وهذا أمر نهى عنه الله سبحانه وتعالى بقوله: وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11] ، فعندما تنادي غيرك ـ يا عبد الله ـ بلقب لُقّب به وهو في أكثر الأحيان غير راض بهذا اللقب أو راض به كُرها فإنك تؤذيه وتجرح شعوره، وهذا أمر لا يرضاه الله، بل نحن مأمورون بأن ننادي الناس بأسمائهم، هذا ما يرضاه الله سبحانه وتعالى ويرضاه ديننا الحنيف.
ومن آفات اللسان التي تقوّض البيوت وتفسد المجتمعات وتكون آثارها من أخطر الآثار إطلاق الألسنة في الكلام عن النساء الغافلات البريئات، واتهامهن بالفاحشة والفجور، وهذا من الذنوب التي شدد الشرع في التحذير منها وجعل أصحابها ملعونين في الدنيا والآخرة، بل وجعل لهم عقابا بالجلد كما يُجلد الزناة، يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:23-25] ، ويقول سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور:4، 5] ، هذا هو وعيد الله وتحذيره للذين يطلقون ألسنتهم في حق المحصنات الغافلات ويرمونهن بالفاحشة. فليتق الله هؤلاء، وليعلموا أنهم يقترفون بهذا واحدة من السبع الموبقات المهلكات التي ذكرها رسول الله فيما رواه الشيخان وأبو داود من حديث أبي هريرة حيث يقول: (( اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات ) )، فقذف المحصنات ـ أيها المسلمون ـ موبقة مهلكة. فاتقوا الله ولا تجعلوا أعراض المسلمات فاكهة مجالسكم، ولا تلصقوا بهن ما هن منه براء.
ومن آفات اللسان السب واللعن، فالمسلم طيب لا يُخرج إلا طيبا، وقد حذر رسول الله من اللعن فقال: (( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء ) )أخرجه أحمد عن ابن مسعود. فالمؤمن لا يكون لعانا، ولا يجتمع الإيمان وكثرة اللعن في إنسان، بل إن رسول الله يقول فيما اتفق عليه الشيخان من حديث ثابت بن الضحاك: (( لعنُ المسلم كقتله ) )، هذا يبين لنا ـ إخوة الإيمان ـ أن إثم اللعن إثم عظيم؛ لأن اللعن إذا صدر فلا بد أن يلحق بأحد، ولا يمكن أن يذهب سدى أبدا، إن كان الملعون يستحقه فبها، وإلا عاد على صاحبه، يقول فيما أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء: (( إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتُغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لُعِن، فإن كان لذلك أهلا وإلا رجعت إلى قائلها ) )، فلماذا يكون المؤمن لعانا؟! وكم من لعنة أطلقها مسلم ثم عادت عليه والعياذ بالله.
ومن آفات اللسان أيضا الطعن في الأنساب والنياحة على الميت، يقول: (( اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت ) )أخرجه مسلم عن أبي هريرة. والطعن في الأنساب هو الوقوع في أعراض الناس والقدح في نسب ثبت في ظاهر الشرع، وهذا الذنب شبيه بقذف المحصنات.
أما النياحة على الميت فهي رفع الصوت بالندب بتعديد شمائل الميت، وهذا من أجهل الجهل؛ لأن فيه اعتراضا على القدر وعدم التسليم بقضاء الله، وأكثر من يقوم بالنياحة النساء في المآتم، فإنهن يولولن ويصرخن بذكر محاسن الميت؛ كونه صغيرا وطيبا إلى غير ذلك من صفات، وكأنهن يعترضن على الله ولسان حالهن يقول: لماذا ـ يا رب ـ تقبض روح هذا الرجل الطيب أو صغير السن؟! إلى آخر هذه الاعتراضات على رب الأرض والسماوات.
وهذا الأمر خطير لأنه يمس جناب التوحيد والعقيدة، فالله الحكيم العادل في ملكه يعلم تمام العلم روح من يقبض وروح من يؤجل، ولتعلم أمهاتنا وأخواتنا أن أمر النياحة أمر عظيم ليس باليسير، وأن الله يعذب النائحة في الآخرة عذابا شديدا، فعن أبي مالك الأشعري أن رسول الله قال: (( النياحة من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران ودرعا من لهب النار ) )أخرجه ابن ماجه.
فعلى كل مسلمة ابتليت بفقد عزيز عليها أن تتدرع بالصبر وأن تتترّس بالإيمان، حتى تكون من المهتدين الذين أثنى الله عليهم في كتابه بقوله: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157] .
فاتقوا الله عباد الله، واحذروا هذه الآفات التي توجب الغضب من رب الأرض والسماوات، والتي تكفي الواحدة منهن لتفسد أو تعكر آخرة المسلم، فكيف إذا كان متصفا بأكثر من آفة؟! فكيف إذا كان متصفا بهن جميعا؟!
واعلموا أن المسلم غير ملزم بالكلام في كل شيء وفي كل موضوع، بل عليه أن يقصر كلامه في أمور الخير والإصلاح، وإلا فالصمت أجدى من الكلام الذي يضر ولا ينفع، لهذا يقول الله سبحانه في كتابه: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114] ، ويقول فيما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) ).
نسأل الله سبحانه أن يستعمل ألسنتنا فيما فيه رضاه، وأن يجنبنا ما فيه سخطه، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله القائل في كتابه العزيز: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَن [الإسراء:53] ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد الذي كان أطيب الناس لسانا وأكملهم بيانا.
وبعد: فنقف ـ إخوة الإيمان ـ مع آفة أخرى من آفات اللسان يفعلها بعض الناس مستهينين بآثارها، ألا وهي ظاهرة فحش القول، ظاهرةٌ تخدش الحياء وتُذهب الهيبة، وهذه الظاهرة ذكرها رسول الله من ضمن أشراط الساعة وعلامات القيامة، يقول في الحديث الذي أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس والحديث في صحيح الجامع: (( من أشراط الساعة الفحش والتفحش وقطيعة الرحم وتخوين الأمين وائتمان الخائن ) ).
والفحش ليس من صفات المؤمن بأي حال من الأحوال، يقول: (( إن الله يبغض الفاحش المتفحش ) )أخرجه أحمد عن أسامة بن زيد، فما الذي يدعو الإنسان إلى فحش القول والكلام البذيء الذي يندى له جبين المسلم حين يسمعه؟!
وبعض الناس يكثر من فحش القول حتى يضطر الناس إلى تحاشيه والابتعاد عن المجلس الذي يكون فيه، وهذا من شر الناس منزلة يوم القيامة كما يقول ، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (( شر الناس منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه ) )متفق عليه، (( شر الناس يوم القيامة ) )كلمة عظيمة، فما الذي يستفيده صاحب هذا اللسان الفاحش بعد ذلك؟! وما الذي يدعوه إلى هذا الفحش؟! هل يريد أن يبين للناس جُرأته على الله وخساسة نفسه؟! غريب أن يصير الفحش والتفحش سبيلا للتباهي والمفاخرة.
وفحش القول ـ إخوة الإيمان ـ أمر ممقوت، ولكنه أمقت وأبغض حين يصدر من كبير السن؛ لأن كبير السن قد تجاوز فترة الطيش ودواعي الفجور، وكثيرا ما أسمع من كبار السن عبارات فاحشة سفيهة وأتعجب ممن يقف على شفير القبر ومع هذا لا زال يصر على التلفظ بألفاظ توجب عليه غضب الله سبحانه. إن كبير السن أبعد الناس عن مثل هذه التفاهات، وواجب عليه أن يكرم هذا الشيب الذي شابه في الإسلام ولا ينغصه بظلمة المعاصي حتى يجده نورا يوم القيامة، عن كعب بن مرة أن رسول الله قال: (( من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة ) )أخرجه النسائي. وإذا أصر كبير السن على مثل هذه المعصية فإن عذابه أشد مما لو قام بها غيره من صغار السن؛ لأن دواعي الفحش من طيش وفوران شهوة منتفية فيه.
فاتقوا الله عباد الله، واستعدوا ليوم تحاسبون فيه عن كل فعل أو قول أمام من لا يظلم مثقال ذرة.
اللهم ردنا إليك ردا جميلا، اللهم ردنا إليك ردا جميلا، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها...