الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-حد القذف. 2- قصة الإفك. 3- دروس من القصة. 4- التحذير من إشاعة الفاحشة.
أما بعد: فلقد تعرفنا في الخطبة الماضية على حادثة الإفك على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كما وردت بروايات رواها البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما رحمهم الله تعالى. ولقد أنزل الله تعالى في العشر الآيات الأولى من سورة النور أحكام الزنا والقذف واللعان، وذلك قبل حادثة الإفك وقبل أن تنزل الآيات ببراءة عائشة رضي الله عنها، وذلك لحِكَم عظيمة ولخَير كبير يعلمه سبحانه وتعالى، ونَبَّهَ بذلك المسلمين إلى حقيقة الأمر، وعلى أنّ رميَ أَحَدٍ بالزنا ليس بأمرٍ هَيِّنٍ يتلاعب به الناس ويتناقلونه في مجالسهم ومحافلهم، بل هو قول في غاية من الثقل يحمل صاحبه تبعةً كبرى، فإن كان الرامي صادقًا في رَمْيِهِ فَلْيَأْتِ بالشهداء ليلقى الزاني والزانية أشدَّ العقاب، وإن كان كاذبًا فهو جَدِيرٌ بأنْ يُضْرَبَ ظَهْرُهُ ثمانين جلدة حتى لا يعود لمثل هذه الفِرْيَةِ في المستقبل، أما إذا كانت هذه الرَّمْيَةُ من الزوج لزوجته فعليه أنْ يُلاعِنَهَا أمام القاضي كما ورد في القرآن الكريم.
وهذا الأمر لا يمكن أنْ يَتَفَوَّهَ به أحد ثم يجلس في بيته وَادِعًا مستريحًا ويترك مجتمع المسلمين يعيش في قَلَقٍ وفي تَطَلُّعٍ لهذه الأخبار الْمُفْتَرَاةِ وليَمُوج فيه البهتان وقذف المؤمنين والمؤمنات، كلا، إن المجتمع مجتمع المسلمين ما أُخْرِجَ إلا لإقامة الحق ودعم الخير في الدنيا، ولا يمكن أن يكون فيه الزنا أداة لِلَّعِبِ واللَّهْوِ، ولا أن تكون أخبارُه موضوعًا لتحادث الناس وتَرْوِيحِهِمْ عن أنفسهم، بل يجب أن يُقَامَ الْحَدُّ على القاذف والذي يُرَوِّج ويشيع أخبار الإفك حتى يرتدع ويطهر لسانه عن قالة السوء وقذف الغافلين من المؤمنين والمؤمنات، وليرتدع غيره من المخدوعين بهذه المقالات السيئة، ولئلا تسول له نفسه إشاعة الفاحشة واتهام الأبرياء مرة أخرى، وليبقى المجتمع المسلم مجتمعًا نظيفًا يظن كُلٌّ منهم بنفسه خيرًا، وكذلك بغيره، وليس معنى هذا أن يُقِرَّ أو يسكت أحد على جريمة الزنا وانتشارها في المجتمع، وسوف يأتي هذا في موضعه إن شاء الله، أما ما أقوله هنا فهو عن قذف الأبرياء من ذلك.
وقد وردت في الروايات أسماء الذين كانوا يتناقلون وينقلون في المجتمع حديث الإفك على عائشة رضي الله عنها، وهم: عبد الله بن أبيّ بن سلول الذي تولى كبره وهو رئيس المنافقين، وزيد بن رفاعة والغالب أنه ابن رفاعة بن زيد من اليهود المنافقين، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش من المؤمنين، وهؤلاء الثلاثة من المؤمنين انخدعوا بمكائد الاثنين من المنافقين وخاضوا في حديث الإفك على خطأ منهم، ولقد أقيم عليهم حدّ القذف ثمانين جلدة، ولم يقم الحدّ على رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول والمنافق الآخر ابن رفاعة، قال تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ جَاءوا بِ?لإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلّ ?مْرِئٍ مّنْهُمْ مَّا ?كْتَسَبَ مِنَ ?لإثْمِ وَ?لَّذِى تَوَلَّى? كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور: 11] .
حقًا وصدقًا، إن حادثة الإفك التي جاء بها المنافقون وانخدع بها المؤمنون ليست شرًا، بل تحمل الخيرَ لِتَتَبَيَّنَ أحكامٌ كثيرةٌ يعلمها من ينير الله بصيرته وتتضح من خلال آيات القرآن الكريم، ولأن هذا القرآن الكريم كلام الله العزيز الرحيم العليم بما يصلح عباده، ولتكون آياته نورًا يستضيئون به ويتبعونه ويطبقون أحكامه، ليس في زمان دون زمان، ولا مكان دون آخر، ولكن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.
فمن الخير في هذه الفتنة العظيمة ما ثبت من سيرة رسول الله وسلوك أهله في جانب، وسلوك أبي بكر الصديق وأهله رضي الله عنهم في الجانب الآخر، وسلوك عامة المسلمين في الجانب الثالث في هذا الموقف الأليم، لقد بلغت بهم مبلغ الطهارة من الدَّنَسِ والسُّوءِ، وما يتمتعون به من التماسك والعدالة الاجتماعية ورحابة القلوب وبراءة الصدور وقوة الإيمان والصبر عند الشدائد، الإيمان مع الصبر الذي لا تزعزعه الشدائد والمحن، واحتساب الأجر وعاقبة الصبر عند الله العزيز الحكيم الخبير الغفور الرحيم.
فها هو ذا رسول الله يُرْمَى في فراشه وعِرضه وقلبه ورسالته ويتحدّث به الناس شهرًا كاملًا في المدينة، ولكنه يصبر عليه ويعاني شدائده، وعندما يأتيه الحكم الإلهي لا يقيم الحدّ إلا على الأفراد الثلاثة من المسلمين الذين ثبتت عليهم جريمة القذف، ولا يقيمه على المنافقين.
وها هو ذا مسطح بن أثاثة ممن ينفق عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أقاربه الأَدْنَيْن يَفْجَعُهُ في فَلْذَةِ كَبِدِهِ، ومسطح ابن خالة أبي بكر، وكان مسكينًا لا مال له إلا ما ينفقه عليه أبو بكر، ولكن أبا بكر رضي الله عنه لا يقطع عنه صلة القرابة ولا يمسك يده عن مساعدته بعدما نزل قول الله تعالى: وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ?لْفَضْلِ مِنكُمْ وَ?لسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْمَسَ?كِينَ وَ?لْمُهَ?جِرِينَ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ?للَّهُ لَكُمْ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور: 22] ، فلما قرأها رسول الله على أبي بكر رضي الله عنه قال: بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا. وعاد ينفق على مسطح وأهل بيته وقال: والله لا أنزع النفقة منهم أبدًا.
وها هن أزواج النبي لا تساهم إحداهن في تشويه سمعة ضَرَّتِهَا ولا تقول فيها إلا خيرًا، والعجيب في الأمر أنَّ حمْنَةَ بنت جحش أخت زينب بنت جحش تخوض في حديث الإفك مع الذين خاضوا فيه وسعوا إلى تشويه سمعة عائشة رضي الله عنها لا لشيء إلا حمية لأختها، مع أن زينب رضي الله عنها لا تقول في عائشة إلا خيرًا، قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله سأل زينب بنت جحش رضي الله عنها عن أمري وما رأت وما سمعت فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما رأيت إلا خيرًا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ، فعصمها الله بدينها وورعها، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك. رواه البخاري.
فهكذا لم تظهر النتيجة إلا على العكس مما قصده المنافقون، وما زادت المسلمين إلا تفوقًا في أخلاقهم. وهناك ناحية أخرى للخير في هذا الحادث، هي أنه سبب زيادة عظيمة في قوانين الإسلام وأحكامه وقواعده للحياة الاجتماعية، وقد تلقى فيه المسلمون من الله تعالى تعاليم إسلامية تدعو إلى الطهارة والعفة والكرامة، إذا عملوا بها سلم مجتمعهم من نشوء المنكرات والفواحش، ومن السهل الابتعاد عنها بإذن الله لو نشأت وحدثت في المجتمع.
ومن نواحي الخير في هذا الحادث إضافة على ما تقدم وهذا مهم جدًا يجب على المسلمين أن يعوه ويفتحوا أفئدتهم وعقولهم لهذا الأمر، وخاصة في هذه الأيام بعد أن روّج له دعاة الضلالة ممن ينتسب لبعض الطوائف المنتسبة للإسلام، ذلك هو ادِّعَاؤُهُمْ بأن الرسول يعلم الغيب في مماته الآن وهو في قبره، فإذا كان لا يعلم بهذه الحادثة ولا بغيرها في حياته مما هو من علم الغيب ولا ادَّعى ذلك لنفسه عليه الصلاة والسلام، وقد ورد في القرآن الكريم بعد ذِكْرِ علم الساعة وأن علمها عند الله قولُ الله تعالى عنه: وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ?لْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ?لْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ?لسُّوء إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 188] ، فكيف يسوغ لدعاة الضلالة وأتباعهم في هذه الأيام أن يُعَارِضُوا صريح القرآن الكريم ويُضِلُّوا عباد الله ويروّجوا معتقداتهم وضلالاتهم الزائفة؟! وأغرب من ذلك أن يَغْتَرَّ بهم كثير من المسلمين المخدوعين ويعتقدوا أن ذلك من الإسلام ويجب أن يؤمنوا به، مع أن ذلك من أسباب الكفر والضلال ومناقضة القرآن الكريم وسنة النبي.
إن المسلمين المؤمنين حقًا يعلمون أن النبي لا يعلم الغيب، ولم يعلم إلا ما أخبره به الله سبحانه وتعالى كما قال عز وجل عنه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ?لْهَوَى? إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى? [النجم: 3،4] ، ولقد علموا أن علمه لا يفوق بعد ذلك علم عامة البشر إلا بما علمه الله، ولقد بَقِيَ قرابة شهر كامل يعاني الألم وفجيعة القلب في أمر عائشة فيسأل خادمة بيتها تارة بريرة وعليًا تارة أخرى وأسامة بن زيد ثالثة وأزواجه رابعة وأخيرًا يذهب إلى عائشة نفسها ولا يقول لها إلا: (( إن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ) )، فلو أنه يعلم الغيب على حد زعم دعاة الضلالة فلماذا كان يعاني الألم طوال هذه المدة؟! ولماذا يسأل غيره في أمر عائشة ويلقنها التوبة مع أنها لم تقترف ذنبًا؟! ولكن لما نزل الوحي وأحاطه بحقيقة الواقع علم ما لم يكن يعلم هو ولا غيره من البشر طوال شهر كامل تقريبًا. وقبل ذلك لما ذهب هو والجيش وتخلفت عنهم عائشة رضي الله عنها ولم يكن يعلم عن تخلفها وراءهم إلا مع الناس عندما جاءت بعدهم وطلعت عليهم، ولم يكن يعلم عن إشاعة الإفك في البداية إلا حينما انتشر الخبر وبَلَغَهُ ذلك كَأَيِّ شخص آخر، هذا من ناحية علمه من عدمه في هذه الحادثة، مع أن هناك مواقف أخرى تثبت عدم علمه الغيب إلا ما علمه الله عز وجل لإثبات نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، كما أثبت ذلك هو بنفسه، وكما ذكره ربنا عز وجل في العديد من آيات القرآن الكريم، ومنها: الآية السابقة التي جاءت بعد أسئلة الكفار له عن الساعة وموعدها، مع أنه أخبر بعلاماتها كما أخبره وأوحى إليه عز وجل، ومنها: ما قد وقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام، ومنها: ما سوف يقع إلى أن تقوم الساعة، ولكن لنستمع إلى قول ربنا تبارك وتعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ ?لسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَ?هَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِى ?لسَّمَ?و?تِ وَ?لأرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ?للَّهِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء ?للَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ?لْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ?لْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ?لسُّوء إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 187، 188] . نعم، لو كان رسولنا محمد يعلم الغيب لاستكثر من الخير ولما مسه السوء، فكيف بمن هو دونه من عامة المسلمين؟! وأخص الطائفة التي تدَّعي العصمة للمهدي المزعوم الذي يعيش منذ أكثر من ألف ومائتي سنة على حدِّ زعمهم في السرداب بعيدًا عن الأنظار ويعلم ما في الأمصار ويدير الأفلاك ويعلم الغيب وما يدور في الكون، ووضعوه فوق مرتبة النبي محمد ، بل أعطوه في أنفسهم وعقيدتهم صفة الألوهية التي لا تجوز إلا لله رب العالمين، وأوردت هذه الجمل الاعتراضية هنا لمناسبة الموقف واستغلاله وللمقارنة وللذكرى أيضًا، وقد أوردت بعض التوضيح لهذا في خُطْبَة المهديِّ في سلسلة علامات الساعة.
أعود للقول بأنه هكذا أراد الله أن يُنْقِذَ المسلمين بالتجربة والمشاهدة المباشرة من الْغُلُوِّ في شخص معلمهم ومرشدهم وقدوتهم ، وبالتربية الحيَّةِ لِيُخْلِصُوا العبادة لله رب العالمين.
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، والحمد لله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض وتصريف الأمور كما يشاء تصريفًا لا يخرج عن فضله وعدله ورحمته وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو أن أكون بها ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله أفضل خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وكل من اهتدى بهديه وسلم تسليمًا.
قال الله تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ?لْفَ?حِشَةُ فِى ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لآخِرَةِ وَ?للَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَلَوْلاَ فَضْلُ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ?للَّهَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ [النور: 19، 20] .
إن المفهوم المباشر لهاتين الآيتين باعتبار سياقهما ونزولهما ضمن الآيات في حادثة الإفك هو أن الذين يختلقون مثل هذه الاتهامات الكاذبة ويعملون على نشرها بإشاعة الفاحشة في المجتمع وَوَصْمِ المسلمين في أعراضهم وأنفسهم وأخلاقهم ويحبون أيضًا شيوع وانتشار الفاحشة في الذين آمنوا أنهم يستحقون العقاب حقًا في الدنيا والآخرة، إلا أن ألفاظ القرآن الكريم شاملة وعامة، فالمعنى شامل لجميع صور إشاعة الفاحشة والانحلال الخلقي، فهي تنطبق كذلك على إنشاء دور للفاحشة والبغاء وما يُرَغِّبُ الناس فيها ويثير غرائزهم الدنيئة من القصص والروايات والأشعار والغناء والصور والألعاب والمسارح والسينما ونشر أفلام الفجور والفسوق في المجتمع، كما تنطبق كذلك على المجالس والنوادي والفنادق التي يعقد فيها الرقص والطرب التي يشترك فيها الرجال والنساء على صورة خليعة مختلطة، ولم يقتصر أمر إشاعة الفاحشة على ما سبق ذكره، بل تعدّاه إلى أمور مذهلة مع وسائل التقنية الحديثة مما يُنشرُ ويُبَثُّ في الفضائيات أو الشبكة العنكبوتية من فضائح تترفع عنها البهائم عندما تمارسها مع بعضها، ومنها: الجمل الذي يغار من أن يراه أحد من البشر أثناء ممارسته لغريزته الطبيعية مع الناقة، فكيف بالذين ينتمون للجنس البشري وليس لديهم أدنى غَيْرَةٍ أو حياء لتلك الممارسات التي تُنشر هنا وهناك؟! بل هو ينشرها ويشيعها في المجتمع بأساليب مختلفة.
وأعظمهم جُرْمًا مَنْ يُنْشِئُ قنوات فضائية فضائحية تدعو للفواحش من قريب أو بعيد، ومع أنها تكلفه الملايين ويتحمل إضلال الناس وما يترتب على ذلك من عواقب سيئة إلا أن ذلك الإنفاق أحلى من العسل على نفسه، وفي المقابل ليس له سهم في نشر الفضيلة وتعاليم الإسلام السمحة، وما ذلك إلا من الحرمان والضلال المبين الذي لم يجد من يخرجه وينقذه من تلك الأوحال وذلك الخزي والعار الذي سوف يجد جزاءه وعقابه في الآخرة إن لم يَتُبْ ويرجع إلى الله التواب الرحيم، والله يتوب على من تاب ولو ارتكب أعظم الآثام.
أعود للقول بأن القرآن يصرح بأن أولئك جميعًا من الجناة، سوف ينالون عقابهم في الدنيا قبل الآخرة، فالذين يحبون شيوع الفاحشة في مجتمعات المسلمين ويروجون لها بأي وسيلة كانت لو وجدوا العقاب الرادع والوقفة الحازمة الصادقة التي تحارب الرذيلة ووسائلها المختلفة لرأينا واقعًا غير الذي تعيشه مجتمعات المسلمين اليوم حيث وصلت إلى حال يُرثى لها، وإن لم يقم عليهم العقاب من البشر في الدنيا فإن الله سوف يذيقهم العذاب بشتى ألوانه في الدنيا قبل الآخرة.
ومع ذلك فيجب على المسلم أن يبتعد عن رمي النساء الصالحات الغافلات الأغرار اللائي لا خبرة لهن بالفاحشة وقلوبهن طاهرة، وإلا فقد أَوْبَقَ نفسه وأوقعها في العذاب العظيم، كما أنه يجب على المرأة المسلمة أيضًا أن تبتعد عن القذف بالفاحشة للرجال أو النساء، وليس النهي عن الرمي والقذف مختصًا بالرجال، قال رسول الله: (( اجتنبوا السبع الموبقات ) )ثم عدَّدهن وذكر من بينها: (( قذف المحصنات ) )، وورد في الأثر: (( قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة ) )، قال الله تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ يَرْمُونَ ?لْمُحْصَنَـ?تِ ?لْغَ?فِلَ?تِ ?لْمُؤْمِنـ?تِ لُعِنُواْ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ ?للَّهُ دِينَهُمُ ?لْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْحَقُّ ?لْمُبِينُ [النور: 23-25] .
فالأمر إذًا في غاية الخطورة، فليتنبه كل مسلم، وليحذر من الوقوع في ذلك، وليتذكر دائمًا هاتين الآيتين الكريمتين وغيرهما، وخاصة الآية السابقة التي بدايتها: إِنَّ ?لَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ?لْفَـ?حِشَةُ فِى ?لَّذِينَ ءامَنُواْ [النور: 19] .
وكما أشرت سابقًا فإن على المسلم أن يفرق بين حب إشاعة الفاحشة بأي أسلوب كان ونقل الأخبار الكاذبة ونقل التهم على الأبرياء وإلصاقها بهم في المنتديات والمجالس أيًّا كانت وبين الذي يراه المسلم من أشخاص يمارسون المنكر والفاحشة بحيث يرى ويشاهد الدخول والخروج على أماكن مشبوهة على نساء غير محمودات السيرة أو ركوبهن في سيارات آخر الليل أو في أي وقت مع أناس ليسوا بمحارم، ففي هذا الحال يجب على المسلم إخبار الجهات المعنية والمسؤولة لتقوم بواجبها نحو تغيير المنكر والوقوف ضد استشرائه وشيوعه في المجتمع، وفرق بين هذا وذاك، بين المنكر الظاهر ووجوب عدم السكوت عليه، وبين الحالة الأولى الممنوعة من حيث الإشاعة والظن السيئ والاتهام وقذف ورمي المحصنين والمحصنات، فالفرق واضح ولله الحمد والمنة، ولننتبه لهذا، وليقُم كل بواجبه في أي موقع كان.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله...