الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الصلاة, فضائل الأزمنة والأمكنة
عبد الحميد بن جعفر داغستاني
مكة المكرمة
ابن حسن
1-اختصاص المسلمين بيوم الجمعة.
2-آداب الجمعة وسننها.
3-الموت في يوم الجمعة.
4-ساعة الإجابة.
5-فوت صلاة الجمعة.
أما بعد:
فإن المسلمين يجتمعون في يوم الجمعة من كل أسبوع لأداء صلاة الجمعة امتثالا لأمر ربهم سبحانه إذ يقول: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله [الجمعة:9] الآية.
فصلاة الجمعة فرض على كل مسلم، ذكر، بالغ، عاقل، مستوطن ببناء ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ (3)
وهذا اليوم شأنه عظيم، إذ فيه كملت جميع الخلائق ، وفيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح.
وهو مدخل جليل فضلت به أمة سيدنا محمد على سائر الأمم أخرج البخاري ومسلم عن النبي: (( أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا الأولون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق ) ) (4)
فيوم الجمعة أفضل الأيام، وهو أول يوم من أيام الأٍسبوع لا آخر يوم كما يظن البعض، وهو يوم عيد المسلمين.
أخرج ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان عنده طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك ) ) (1) .
وللجمعة آداب عدة منها:
أن يستعد لها من يوم الخميس وليلة الجمعة بالتنظيف وغسل ثيابه التي يلبسها فيها ، ويغتسل يوم الجمعة ويتزين لها ، ويقص أظافره وشاربه ، ويتعهد إبطيه وعانته ويستاك ويتطيب ، ويلبس أحسن ثيابه ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن تكون فرجة أو يكون إماما ولا يتكلم أثناء الخطبة.
أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا ) ) (2) .
وأخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو عن النبي قال: (( من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب ثيابه ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا ) ) (3) .
ويستحب التبكير لها أخرج الشيخان: عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة.
فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر )) (4) .
أما إذا دخل والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين ثم جلس للاستماع، ويكره الاحتباء ، والاحتباء هو أن ينصب ساقيه ويجمعهما إلى صدره بيديه.
وسنة الجمعة بعد انقضاء الصلاة في المسجد ركعتان أو أربع أو ست.
ومن خصائص الجمعة قراءة سورة الكهف في يومها أو ليلتها أخرج الحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: (( من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له النور ما بين الجمعتين ) ) (1) .
ومن خصائصها كذلك أن الذي يموت في يومها أو ليلتها لا يفتن في قبره ، لما أخرجه الترمذي والبيهقي عن ابن عمر قال رسول الله: (( ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر ) ) (2) .
وفي يوم الجمعة توجد ساعة الإجابة، روى الشيخان أن رسول الله ذكر يوم الجمعة فقال: (( فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها ) (3) .
وقد أخفاها الله سبحانه وتعالى ليجتهد العبد في سائر اليوم، ويستحب الصلاة والسلام على رسول الله في يوم الجمعة (( فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي ) ) (4) .
وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله: (( أكثروا من الصلاة علي في يوم الجمعة، فمن فعل ذلك كنت شهيدا أو شافعًا له يوم القيامة ) ) (5) .
أقول قولي هذا وأستغفر الله
(3) الفرسخ: ( مسافة معلومة من الأرض ) النهاية في غريب الحديث والأثر 3/429. وهو يساوي ( ثلاثة أميال أو ستة ) لسان العرب 3/44.
(4) صحيح مسلم: كتاب الجمعة 6 / 114.
(1) سنن ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة 1/349.
(2) صحيح مسلم: كتاب الجمعة باب فضل من استمع وأنصت للخطبة 6/146.
(3) سنن أبي داود: كتاب الطهارة باب في الغسل يوم الجمعة 1/96.
(4) صحيح البخاري: كتاب الجمعة باب فضل الجمعة 1/213 وصحيح مسلم كتاب الجمعة 6/135.
(1) السنن الكبرى: كتاب الجمعة باب ما يؤثر به في ليلة الجمعة ويومها 3/249.
(2) سنن الترمذي: كتاب الجنائز باب ما جاء فيمن مات يوم الجمعة 3/386.
(3) صحيح البخاري: كتاب الجمعة باب الساعة التي في الجمعة 1/224وصحيح مسلم: كتاب الجمعة 6/139.
(4) سنن أبي دواد كتاب الصلاة باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة 1/275
(5) الجامع لشعب الإيمان 6/286.
الحمد لله أمرنا بالتزام الجمع والجماعات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرًا أما بعد:
فلقد علمنا في الخطبة الأولى من آداب وفضائل وخصائص الجمعة، وما سمعنا غيض من فيض ، وقليل من كثير ، فلقد عد بعض علماء المسلمين مزايا الجمعة فأوصلها إلى مائة مزية أو تزيد، ومن هنا يتضح لنا عظم خسارة التفريط فيها أو في آداب من آدابها، فذلك الذي لا يأتي إلا بعد أن يبدأ الإمام خطبته دون عذر فقد جزءا من الثواب ، وذلك الذي يتخطى رقاب الناس فيؤذيهم أو يسلم عليهم ويكلمهم والإمام يخطب أو يجلس في مكان خرج صاحبه لحاجة ثم يعود فيأخذ مكانه ، كل فرد من أولئك خسر جزءا كبيرا من الثواب، وبعضهم لغت جمعته وحسبت له ظهرًا.
ونعجب عندما نرى من يخصص يوم الجمعة لسفرة. ألا يعلم هذا أن السفر بعد فجر يوم الجمعة محرم؟!! أو يخصصه لنزهته فيأخذ أولاده وأهله إلى منتزه ويترك صلاة الجمعة.
وكم يخسر الذي يسهر ليلة الجمعة في لهو وغفلة واستماع طرب ورؤية خنا فيفوته فجر يوم الجمعة ، وربما فاتته الجمعة ذاتها ، ولعلك ترى بعض من أكرمه الله بالذرية من الذكور فلا يحملهم على المحافظة على صلاة الجمعة ولا يأمرهم بها ، إن على الأب أن يعود أولاده حتى قبل بلوغهم على المحافظة على صلاة الجمعة بالذات ، لتصبح المحافظة عليها عادة وعبادة تجري في عروقهم مع دمائهم حتى يكبروا فلا يتركونها إلا لعذر شرعى قاهر.
أخرج مسلم عن النبي قوله: (( لينتهين أقوام عن ودعهم(1) الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين )) (2) ، وأخرج الترمذي أن رسول الله قال: (( من ترك الجمعة ثلاثة مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه ) ) (3) .
(1) أي تركهم.
(2) صحيح مسلم: كتاب الجمعة باب التغليظ في ترك الجمعة 6/152.
(3) سنن الترمذي: كتاب الجمعة باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر 2/ 373.