الإيمان, التوحيد
الأسماء والصفات, خصال الإيمان
عاصم بن لقمان يونس الحكيم
جدة
جامع جعفر الطيار
1-إثبات صفتي الرضا والسخط لله تعالى. 2- المؤمن يرضى في الدنيا والآخرة. 3- رضا الناس غاية لا تدرك.
أما بعد: إن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يرضى ويسخط، فالرضا ضد السخط، ولذلك جاء في الحديث أن النبي كان يدعو في سجوده فيقول: (( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ) ). ففي هذا الحديث استعاذ نبينا بالشيء من ضده، فالله تعالى يرضى ويسخط، فهو عز وجل يرضى عن عباده المؤمنين المتبعين أوامره، ويسخط على أعدائه وعصاته ومن عادى أولياءه، فالله تعالى رضي لنا هذا الدين فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] ، والله تعالى رضي لنا الشكر والأعمال الصالحة فقال: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7] ، وكل من يعمل عملا صالحا مخلصا فيه لله تعالى فإن الله يرضى عن ذلك العبد، قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:24] ، بل إن العبد إذا تمتع بلذات الحياة المباحة وشكر الله تعالى عليها فإن الله يرضى عنه، قال النبي: (( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأَكْلة أو يشرب الشَرْبة فيحمد الله عليها ) ).
والله تعالى لا يرضى عن القوم الفاسقين، كما لا يرضى عن الأقوال التي تخالف شرعه وهدي نبيه ، وعلى رأس ذلك أقوال المنافقون الذين يعملون لهدم الدين ونشر الإلحاد والفساد، سواء كان ذلك عن طريق قناة فضائية أو صحيفة أو مجلة هدامة، يقول تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ [النساء:108] ، ويقول عن المنافقين في آية أخرى: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة:96] .
ورضا الله تعالى ليس كرضا الخلق؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، فالملائكة ترضى كما قال النبي: (( إن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم ) ). والمؤمن كذلك يرضى، بل إن رضاه في بعض الأحيان يكون سببا لغفران ذنوبه، قال النبي: (( من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمّد رسولا وبالإسلام دينا غُفر له ذنبه ) ).
واعلموا ـ عباد الله ـ أن المؤمن يرضى رضائين، رضا دنيوي ورضا في الآخرة، فأما رضا الدنيا فهو ما يشعر به المؤمن من طمأنينة القلب عند ذكره لله تعالى، وما يتبع ذلك من انشراح الصدر وراحة البال، فهو يرضى وإن كان فقيرا مبتلى؛ لأنه شاهد نعم الله الكثيرة عليه فرضيَ عن ربه ورضي بقضائه، بخلاف الفاسق أو المنافق الذي استحوذ عليه الشيطان، فهو لا يرضى إلا بالدنيا؛ لذا لا يجد طمأنينة لقلبه، إنما هو الضيق في الصدر والران على القلب، فهو أبد الدهر متسخط لا يرضيه شيء، دائم القلق، سريع السآمة من كل شيء، لا يسعد إلا بما يوبق له دنياه وآخرته، وهذا من صفات الكفار والعياذ بالله، يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس:8] . وأما الرضا الذي ينتظر المؤمن في الآخرة فهو كقول الله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة:8] ، أي: بما وعدهم من الكرامة والنعيم المقيم والرضا الذي لا سخط بعده.
أقول قولي وأستغفر الله.
أما بعد: إن رضا الناس غاية لا تُدْرَك؛ لذلك فإن المؤمن العاقل أولوياته في الدنيا طلب رضا الله عز وجل، لأن النبي يقول: (( من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ) ). ثم بعد ذلك يطلب المؤمن إرضاء من أمر الله بإرضائهم في غير معصية كالوالدين، ويُرضي الزوجان كل منهما الآخر، ولا يسخطُ أحدهما الآخر؛ لأن النبي قال: (( لا يفرِكن مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها غيره ) ).
ولا بد للعبد أن يرضى عن ربه، ورضاؤه عن ربه يكون بأن لا يسخط ويتذمر من قضائه وأن يرضى بقدر الله تعالى، كما قال ابن مسعود في قول الله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] ، قال: (هو الذي إذا أصابته مصيبة رضي بها وعرف أنها من الله) .
ورضا العبد بقدر الله لا يعني أن يستسلم ويتواكل ولا يغير واقعه أو يحاول إزالة الضرر، بل يبذل جهده لدرء تلك المصيبة مع رضاه بقدر الله وعدم التسخط أو الجزع، ولذلك قيل: الرضا هو الصبر على البلوى بلا ظهور الشكوى.
ونحن نرى ـ عباد الله ـ أن من بني جلدتنا من يحاول إرضاء الناس على حساب دين الله ولو أدى ذلك إلى إسخاطه تعالى، فمنهم من يطالب بمنع رفع الأذان لكي لا نزعج الكفار فيتهموننا بالتشدد والتطرف، ومنهم من أباح التعاملات البنكية الربوية، وربما أصدر فتوى بجواز أخذ الربا والاقتراض به ولو بصوره المغلفة بالطابع الإسلامي لأن المجتمع يريد ذلك، ومنهم من خضع لضغط الواقع فأجهد نفسه وأتعب غيره إرضاء للشيطان عن قصد أو بغير قصد، فأصبحنا نرى القوانين الوضعية تحكم بين الناس في قضايا الاقتصاد والتجارة وغيرها عوضا عن تحكيم الشريعة، وأصبحنا نسمع من يطالب بنبذ الجهاد علانية، ويدعو إلى سفور النساء وخروجهن للعمل والاختلاط مع الرجال في كل المجالات، إذ غاية ما يتمنى أولئك أن يرضى عنهم الصليبيون والمنافقون بغض النظر عن رضا الله وسخطه، وهل اختفت البطالة بين الشباب الذين يعيلون أسرهم وهم في أمس الحاجة حتى نوظف ونحلَّ مكانهم فتيات يصرفن رواتبهن في الغالب على الثياب والعطور ومتابعة الموضة؟! جاء في سنن الترمذي أن معاوية كتب إلى عائشة أن اكْتُبِي إِلَي كِتَابا تُوصِينِي فيه ولا تُكْثِرِي عَلَيّ، قال: فكتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية: سلام عليك، أَمّا بعد: فإِنّي سمعت رسول الله يقول: (( مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النّاسِ كَفَاهُ الله مُؤْنَةَ النّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رَضَا النّاسِ بِسَخَطِ الله وَكَلَهُ الله إِلَى النّاسِ ) )، وَالسّلامُ عَلَيْكَ. فما أبلغها من وصية وما أقصرها، وما أحوجنا نحن لتطبيقها في حياتنا.
فاتقوا لله عباد الله، واسعوا في طلب رضاه، واحذروا من أولئك الذين يزينون لأهل الباطل باطلهم ويصبغونه بصبغة إسلامية مع مخالفته للكتاب الكريم والسنة المطهرة، ورضي الله عن ابن مسعود إذ قال: (إن كنت مقتديا فاقتد بمن مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة) .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم...