سيرة وتاريخ
تراجم
مراد وعمارة
باب الوادي
التقوى
1-نسب معاذ وصفته رضي الله عنه. 2- من فضائل معاذ رضي الله عنه. 3- زهده رضي الله عنه. 4- من أقواله ومواعظه رضي الله عنه. 5- وفاته رضي الله عنه.
ما زلت أحدِّثكم عن حكماء الأمَّة، نبتغي منهم الحكمة البليغة والموعظة الحسنة، وذلكم هو القصد من حضوركم الجمعة، وقد حدَّثتكم في الخطبة الماضية عن أحد العاقلين أبي الدرداء رضي الله عنه، وأحدِّثكم اليوم عن الآخر وهو معاذ بن جبل رضي الله عنه، وهما العاقلان اللذان كان ابن عمر يستحب أن يحدَّث بأخبارهما، وإذا كان الصحابة يتحدَّثون بحكمة عقلائهم لينتفعوا بها فلنحن أولى وأحقُّ أن نستفيد منهم الحكمة والموعظة، بل وأذكر أيضًا في هذه المرَّة شيئًا من هديه وسمته ودلِّه ليكون ذلك مدعاة لنا على الاقتداء به.
معاذ بن جبل، ومن معاذ بن جبل؟ إنَّه السيد الإمام أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي المدني البدري. شهد العقبة شابا أمرد، مقدام العلماء وإمام الحكماء، القارئ القانت، المحب الثابت.
وصفه الأخباريُّون أنَّه كان طويلا حسنا جميلا حسن الثغر عظيم العينين أبيض، وهو رابع أربعة أمر رسول الله أن يؤخذ عنهم القرآن، فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: (( خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود وأبيّ ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة ) )رواه أحمد.
وعن عاصم بن حميد السكوني أنَّ معاذ بن جبل لمَّا بعثه النبيُّ إلى اليمن خرج يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته، فلما فرغ، قال: (( يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلَّك أن تمرَّ بمسجدي وقبري ) )، فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله، قال: (( لا تبك يا معاذ، ـ أو: ـ إن البكاء من الشيطان ) ).
وعن الصنابحي عن معاذ قال: لقيني النبي فقال: (( يا معاذ، إنِّي لأحبُّك في الله ) )، قلت: وأنا والله ـ يا رسول الله ـ أحبُّك في الله، قال: (( أفلا أعلِّمك كلمات تقولهنَّ دبر كلِّ صلاة؟! ربِّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) ).
وذكره ابن مسعود يومًا فقال: إنَّ معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، نسيتها؟! إنَّما قال الله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [النحل:120] ، قال: لا، ولكنا كنا نشبهه بإبراهيم، ثم قال: أتدري ما الأمَّة؟ إن الأمَّة هو معلِّم الناسِ الخيرَ، والقانت المطيع، وإن معاذ بن جبل كان يعلِّم الناس الخير، وكان مطيعًا لله ورسوله.
وعن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله ثلاثة من المهاجرين: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت.
وخطب عمر الناس بالجابية فقال: (من أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل) والأثر صححه الحاكم.
وعن شهر قال:"كان أصحاب محمد إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له".
وعن أبي مسلم الخولاني قال: دخلت مسجد حمص فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلا من الصحابة، فإذا فيهم شاب أكحل العينين، براق الثنايا ساكت، فإذا اختلف القوم أقبلوا عليه فسألوه ليفصل بينهم فيما اختلفوا فيه ويزيل الإشكال فيما أشكل عليهم، قال: فقلت: من هذا؟ قيل: معاذ بن جبل، قال: فوقعت محبته في قلبي.
وعن أبي بحرية قال: دخلت مسجد حمص فإذا بفتى حوله الناس، جعد قطط، إذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ، فقلت: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل.
قال يحيى بن بكير: سمعت مالكا يقول: هو أمام العلماء رتوة.
وعن مالك الدار أن عمر رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فقال لغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة، ثم تلهَّ ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب الغلام قال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل، وتلهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه قال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: ونحن ـ والله ـ مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران، فدحا بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.
هذا هو معاذ بن جبل، وهو في العلم جبل، وفي الحكمة جبل، وفي الزهد والورع جبل، فهل من قاصد للتأسي به؟! وهل من راغب في الاقتداء به واقتفاء أثره؟! وهل من مبتغ لسماع حِكَمه ومواعظه؟
فمن مواعظه المنثورة وحكمه المأثورة ما روى أيوب عن أبي قلابة وغيره أن فلانا مر به أصحاب النبي ، فقال: أوصوني، فجعلوا يوصونه، وكان معاذ بن جبل في آخر القوم، فقال: أوصني يرحمك الله، قال: قد أوصوك فلم يألوا، وإني سأجمع لك أمرك: (اعلم أنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك إلى الآخرة أفقر، فابدأ بنصيبك من الآخرة، فإنه سيمر بك على نصيبك من الدنيا فينتظمه، ثم يزول معك أينما زلت) .
وعن ابن شهاب أن أبا إدريس الخولاني أخبره أن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل قال: كان لا يجلس مجلسا إلا قال: (الله حكم قسط تبارك اسمه، هلك المرتابون، إنَّ من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن، حتَّى يأخذه الرجل والمرأة والحرُّ والعبد والصغير والكبير، فيوشك أنَّ الرجل يقرأ القرآن فيقول: قد قرأت القرآن فما بال الناس لا يتَّبعوني، وقد قرأت القرآن، ثمَّ يقول: ما هم بمتَّبعيَّ حتَّى أبتدع لهم غيره، فإيَّاكم وما ابتدع، فإنَّ ما ابتدع ضلالة، واتَّقوا زيغة الحكيم، فإنَّ الشيطان يلقي على في الحكيم كلمةَ الضلالة) ، فقلت لمعاذ: ما يدريني أن الحكيم يقول كلمة الضلالة؟ قال: (بلى، اجتنب من كلام الحكيم كلَّ متشابه، الذي إذا سمعته قلت: ما هذا، ولا ينأى بك ذلك عنه، فإنَّه لعلَّه يراجع، وتلقَّ الحقَّ إذا سمعته، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق، فإنَّ على الحقِّ نورًا) رواه ابن بطَّة وأبو نعيم.
وعن أبي إدريس الخولاني قال: قال معاذ: (إنك تجالس قوما لا محالة يخوضون في الحديث، فإذا رأيتهم غفلوا فارغب إلى ربك عند ذلك رغبات) .
وعن أبي بحرية عن معاذ قال: (ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله) ، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] ) .
وعن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل: علمني، قال: وهل أنت مطيعي؟ قال: إني على طاعتك لحريص، قال: (صم وأفطر، وصل ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم) .
وعن معاوية بن قرة قال: قال معاذ بن جبل لابنه: (يا بني، إذا صليت فصل صلاة مودّع لا تظن أنك تعود إليها أبدا، واعلم ـ يا بني ـ أن المؤمن يموت بين حسنتين: حسنة قدمها وحسنة أخرها) .
وعن محمد بن سيرين قال: أتى رجل معاذ بن جبل ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه، فقال: (إني موصيك بأمرين إن حفظتهما حُفظت: إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه لك انتظاما فتزول به معك أينما زلت) .
وعن الأسود بن هلال قال: كنا نمشي مع معاذ فقال: (اجلسوا بنا نؤمن ساعة) .
وعن أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل قال: (ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسوَّرْن الذهبَ ولبسْن رياط الشام وعُصْب اليمن، فأتعَبْنَ الغنيَّ وكلَّفن الفقير ما لا يجد) .
لم يزل الناس ينتفعون بمعاذ بن جبل في حياته، مع أنَّه لم يعش طويلا، بل مات شابًّا شهيدًا بالطاعون، حين أصاب مدينة عمواس بالشام، لكنه وحتى في مماته نصح ووعظ.
قال عبد الله بن رافع وغيره: لما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل، واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز، فقال: (إنه ليس برجز، ولكنه دعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم. أيها الناس، أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها) ، قالوا: وما هن؟ قال: (يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل: والله، لا أدري على ما أنا، لا يعيش على بصيرة، ولا يموت على بصيرة، ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة) ، فما أمسى حتى طعن ابنه عبد الرحمن بكرُه الذي كان الغرماء به وأحب الخلق إليه، فرجع من المسجد فوجده مكروبا فقال: (يا عبد الرحمن، كيف أنت؟) فقال: يا أبة، الحق من ربك فلا تكن من الممترين، فقال معاذ: (وأنا إن شاء الله ستجدني من الصابرين، فأمسكه ليلته ثم دفنه من الغد) . ثم طعنت امرأتاه فهلكتا، وطعن هو في إبهامه فجعل يمسها بفيه ويقول: (اللهم إنها صغيرة فبارك فيها، فإنك تبارك في الصغيرة) ، ويقول: (هي أحب إلي من حمْر النَّعم) .
وحين حضره الموت جعل بعض التابعين يبكي، فرآه معاذ فقال: (ما يبكيك؟) قال: ما أبكي على دنيا كنت أصبتها منك، ولكن أبكي على العلم الذي كنت أصيبه منك، قال: (ولا تبكه؛ فإن إبراهيم صلوات الله عليه كان في الأرض وليس بها علم، فآتاه الله علما، فإن أنا مت فاطلب العلم عند أربعة: عبد الله بن مسعود وسلمان الفارسي وعبد الله بن سلام وعويمر أبي الدرداء) .
وحين اشتد به نزع الموت فنزع نزعا لم ينزعه أحد، وكان كلما أفاق من غمرة فتح عينيه ثم قال: (رب، اخنقني خنقك. فوعزَّتك، إنك لتعلم أن قلبي يحبّك) حتَّى مات رحمه الله ورضي الله عنه.
قال سعيد بن المسيب:"رفع عيسى بن مريم عليه السلام وهو ابن ثلاث وثلاثين، ومات معاذ بن جبل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة".
وأنت أيُّها الكهل، يا من بلغت الأربعين، ويا من جاوزت الخمسين، ويا من أوفيت الستين، إلى متى هذه الغفلة؟! ومتى تنجع فيك مواعظ الواعظين؟!