الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
أحاديث مشروحة, مكارم الأخلاق
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-من جوامع كلمه. 2- الوصية الأولى: الأمر بالتقوى. 3- حقيقة التقوى. 4- أهمية التقوى. 5- تقوى الله لازمة في كل شيء وفي كل حال. 6- التقوى حلية المؤمن. 7- الوصية الثانية: عمل الحسنة بعد السيئة. 8- الحسنات تمحو السيئات وتخففها. 9- الوصية الثالثة: مخالقة الناس بالخلق الحسن. 10- حسن خلق النبي وصبره وعفوه وحلمه. 11- من فضائل عمر رضي الله عنه. 12- راحة صاحب الخلق الحسن.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، روى الإمام أحمد رحمه الله عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي قال: (( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخلق حسن ) ) [1] .
كلماتٌ جامعة، وصيةٌ نافعة، منهجٌ للمسلم يسير عليه في حياته؛ ليقوم بحق الله الواجب عليه، وليعرفَ قدرَ نفسه، ويعرفَ كيف يتعامل مع عباد الله.
إنها كلماتٌ جامعة ممن أعطي جوامعَ الكلم صلوات الله وسلامه عليه، وصايا ثلاث جامعةٌ لخيرَي الدنيا والآخرة، لمن تدبّر وتأمّل وتعقّل.
فأول تلك الوصايا قوله: (( اتق الله حيثما كنت ) )، أوصاه بتقوى الله حيثما كان، وتقوى الله وصية الله للخلق أجمعين، أولهم وآخرهم: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـ?كُمْ أَنِ ?تَّقُواْ ?للَّهَ [النساء:131] .
تقوى الله حقيقتُها أن يكون بينك وبين عذاب الله وقايةٌ بامتثال أوامره، والبعد عن نواهيه، تلك حقيقة التقوى.
التقوى ـ أيها المسلم ـ ليست كلماتٍ تُقال وليس لها رسوم، ولكن حقيقتها الإيمانُ القوي في القلب، الذي ظهرت آثارُه على الجوارح والسلوك.
أيها المسلم، إن المتدبِّر لكتاب الله يرى للتقوى شأنًا عظيمًا في كتاب الله، فيأمر الله بها عباده حثًّا لهم على التمسك بالإسلام والاستقامة عليه: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، ويأمرهم بالتقوى ويحثُّهم على التزوّد لمعادهم: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] ، ويأمرهم بالتقوى ويحثهم على القول الصائب السديد: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـ?لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب70، 71] ، ويوصي بها الناس عُموما: ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمُ ?لَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ و?حِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1] ، ويأمر بها أكملَ خلقه وأفضلَهم: ي?أَيُّهَا ?لنَّبِىّ ?تَّقِ ?للَّهَ [الأحزاب:1] ، ويذمّ تعالى من أُمر بالتقوى وتمرَّد وأبى، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ ?تَّقِ ?للَّهَ أَخَذَتْهُ ?لْعِزَّةُ بِ?لإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ?لْمِهَادُ [البقرة:206] .
أيها المسلم، (( اتق الله حيثما كنت ) )، تلك التقوى تلزمك في كلِّ أحوالك، إن هذه الكلمة، أعني: كلمة التقوى هي صفات أولياء الرحمن، فأولياء الله حقًا هم المتقون، فلا ينال ولاية الله إلا المتقون، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ?للَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس:62، 63] ، فلما اتقوا الله تقوى حقيقة ظاهرة وباطنة نالوا بذلك ولاية الله، ما نالوها بالدعوى، وما نالوها بالتسمّي، ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل.
أيها المسلم، (( اتق الله حيثما كنت ) )، كلمةٌ من رسول الله ، يوجِّهها لك أيها المسلم، (( اتق الله حيثما كنت ) )، في أي زمان، وفي أي مكان، وعلى أي حال، فيجب أن يكون تقوى الله نصبَ عينيك، فيما تأتي وتذر، تقوى الله في كل أحوالك لتكون من المؤمنين حقًا.
إن هذه الكلمة لا تتحقق إلا ممن أدَّى واجبات الإسلام وفرائض الإسلام، وأتى بالواجبات والمستحبات، لَّيْسَ ?لْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ?لْمَشْرِقِ وَ?لْمَغْرِبِ وَلَـ?كِنَّ ?لْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لآخِرِ وَ?لْمَلَئِكَةِ وَ?لْكِتَـ?بِ وَ?لنَّبِيّينَ وَءاتَى ?لْمَالَ عَلَى? حُبّهِ ذَوِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ وَ?بْنَ ?لسَّبِيلِ وَ?لسَّائِلِينَ وَفِي ?لرّقَابِ وَأَقَامَ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَى ?لزَّكَو?ةَ وَ?لْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـ?هَدُواْ وَ?لصَّابِرِينَ فِى ?لْبَأْسَاء و?لضَّرَّاء وَحِينَ ?لْبَأْسِ أُولَئِكَ ?لَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ ?لْمُتَّقُونَ [البقرة:177] ، أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، وأولئك هم المتقون حقًا، فما نالوا هذا الوصفَ إلا لما سبَّقوا الأعمالَ الصالحة، أدَّوا الواجبات، نفَّذوا الفرائض، قاموا بالمستحبات، فاستحقّوا أن يكونوا من المتقين، وَسَارِعُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ?لَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَ?لضَّرَّاء وَ?لْكَـ?ظِمِينَ ?لْغَيْظَ وَ?لْعَـ?فِينَ عَنِ ?لنَّاسِ وَ?للَّهُ يُحِبُّ ?لْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133، 134] .
أيها المسلم، اتق الله حيث كنت، في سرك وعلانيتك، في نجواك وفي إعلانك، وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ?لْبرِ وَ?لتَّقْوَى? وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ?لإِثْمِ وَ?لْعُدْوَانِ [المائدة:2] ، هكذا يأمر الله عباده أن تكون نجواهم إذا تناجوا بالبر والتقوى، لا تناجيًا بالباطل ومخالفة الحق وكراهية الناس.
أيها المسلم، اتق الله في حبِّك لشخص أو بغضك له، فلتكن المحبة ملازمةً لتقوى الله، أو البغض ملازمًا لتقوى الله، فتحبُّ من يحب الله، وتبغض من يبغضه الله. اتق الله في إخلاصك في أعمالك، فلا ينجيك إلا عملٌ أخلصته لله، وأردت به وجه الله والدار الآخرة، مَن كَانَ يُرِيدُ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ ?لَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ?لآخِرَةِ إِلاَّ ?لنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود:15، 16] ، فلا يقبل الله إلا عملًا أخلصه عاملُه لله، وابتغى به وجه الله والدارَ الآخرة.
أيها المسلم، اتق الله في صلاتك، اتق الله في وضوئك قبل ذلك، فأحسن الوضوء وأسبعه الإسباغ الشرعي، واتق الله في صلاتك في أدائها في وقتها، في المحافظة على الوقت، وأدائها على الوجه المرضي من غير إخلال بالأركان والواجبات؛ لتكون من المصلين حقًا. اتق الله في محافظتك عليها، ?لَّذِينَ هُمْ عَلَى? صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23] . واتق الله في زكاة أموالك، فإحصاؤها وعدُّها والتأكّد من إخراجها وإيصالها لمستحقيها من تقوى الله. واتق الله في صيامك، في حفظه وصيانته وقضاء ما عليك من قضاء. واتق الله في حجك، واتق الله في الأبوين برًا وإحسانًا ورفقًا وخدمة، واتق الله في الأولاد تربيةً وتوجيهًا، واتق الله في الأرحام صلةً وإكرامًا، واتق الله في الجار، بذلَ معروفٍ وكفّ أذى، واتق الله في الإخوة والزملاء والأصحاب تعاملًا بالحسنى وبُعدًا عن كل ما يوقع العداوة والبغضاء، من غيبة ونميمة، ورمي بالبهتان، وقدح في الأعراض بلا سبب. اتق الله في بيعك وشراك، فكنْ متقيًا لله فيما تعرضه، من مبيع، بعيدًا عن الغش والخداع، صادقًا فيها تعرضه، بعيدًا عن الإضرار بالناس. واتق الله في أيمانك، فلا توقعها إلا وأنت على يقين من صحَّة ما تحلف عليه، واتق الله فيها اؤتُمنت عليه من أعمال، فأدِّها على الوجه المرضي، من غير محاباة وظلم لأحد، واتق الله في الزوجة توجيهًا ورعاية، ونفقة ومعاشرة بالمعروف، ومراقبةً وقيامًا بالواجب، واتق الله في أمورك كلها، اتق الله في شهادتك، فلا تشهد إلا بحق، ولا تشهد زورًا وظلمًا. اتق الله فيما اؤتمنت عليه من أموال، فراع الأمانة وأدِّها على الوجه المطلوب، اتق الله في كل أحوالك، فتقوى الله يصحب المسلمَ في كل أموره، على فراشه، وفي يقظته ومنامه، وفي كل حركاته وسكناته، اتق الله في سمعك وبصرك وفؤادك وفرجك، واتق الله في كل أحوالك.
إن التقوى حلية المؤمن، يتخلق بها خوفًا من الله، ورجاءً لثواب الله، محبةً لله وخوفًا منه، ورجاءً لثوابه. فتقوى الله يصحبك في أي مكان أنت، في بيتك وفي مسجدك، في سوقك وفي مكتبك، وفي كل تصرفاتك وأحوالك، تلك التي ارتقت بالسلف الأوَّل، حتى نالوا الخير الكثير، قال بعض السلف:"والله ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بإيمان وقر في قلبه"، ذلك الإيمان الصادق الذي جعله بتوفيق من الله خيرَ الخليقة بعد الأنبياء والمرسلين، إيمانٌ صادقٌ ويقين جازم، ظهرت آثار ذلك الإيمان عندما ارتدَّ العرب عن الإسلام، فجاهدهم وجالدهم حتى أعاد الحقَّ إلى نصابه، رضي الله عنه وأرضاه وعن سائر أصحاب نبينا أجمعين.
إن تقوى الله حلية المؤمن، خلقُ المؤمن في أحواله، في كلامه وسكوته، وفي حلمه وغضبه، وفي كل تحركاته، إنما يقف عند همومه ومراده، فما كان لله مضى فيه، وما كان لغيره أبعد عنه، قال الحسن البصري رحمه الله:"إنما خفت موازين من خفت موازينه لأقوام وقفوا عند همومهم ومرادهم، فما كان لله مضوا فيه، وما كان لغيره أمسكوا، وإنما يثقل الحساب غدًا على الذين جازفوا بالأمور، فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذَّرِّ" [2] .
اتق الله في تعاملك، اتق الله في المال الذي يصل إليك، وحقق وصولَه ونفقته، وهل مصدره حلال أم حرام؟ فإن من ابتغى الله في أموره كلِّها جعل الله له من كل همٍّ فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] ، وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4] ، وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـ?تِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5] .
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتقين، في سرنا وعلانيتنا، إنه على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه الترمذي في البر (1987) ، والدارمي في الرقاق (2791) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، ثم أخرجه عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ به. وقال:"قال محمود: والصحيح حديث أبي ذر". وهذا الاختلاف من سفيان الثوري، فقد أخرجه أحمد في المسند (5/153) عن وكيع، عن سفيان، وقال في آخره:"قال وكيع: وقال سفيان مرة: عن معاذ، فوجدت في كتابي: عن أبي ذر، وهو السماع الأول". وروي من وجه آخر مرسلًا، ورجحه الدارقطني كما في جامع العلوم والحكم (1/395) . ثم قال ابن رجب:"وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه فبعيد، ولكن الحاكم خرجه وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو وهم من وجهين"، ثم ذكرهما رحمه الله. فالحديث حسن، وقد حسنه الألباني في صحيح الترغيب (2650، 3160) .
[2] أخرجه أحمد في الورع (ص13-14) ، والبيهقي في الشعب (7281) .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، يقول: (( وأتبع السيئة الحسنة تمحُها ) )، العبد لا يخلو من خطأ، ولا يخلو من تقصير وإساءة، فكلُّنا خطاء، وخير الخطائين التوابون، لا بد من زلل في القول والفعل، لا بد من زلل باللسان، ولا بد من زلل بالجوارح، إلا من عصم الله منا، فالأخطاء لا بد من وجودها، إلا لمن عصم الله وقليل منا ذلك، فأوصى المسلم أن يُتبع السيئةَ بالحسنة، فيعقبُ السيئات بفعل الحسنات، وَأَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ طَرَفَىِ ?لنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ?لَّيْلِ إِنَّ ?لْحَسَنَـ?تِ يُذْهِبْنَ ?لسَّيّئَـ?تِ ذ?لِكَ ذِكْرَى? لِلذكِرِينَ [هود:114] .
(( وأتبع السيئة الحسنة تمحها ) )، فالسيئات تمحوها التوبةُ النصوح، فالتوبة تمحو كلَّ الذنوب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، التائب من الذنب مهما عظم الذنب وكثر، فمن تاب إلى الله من ذنوبه تاب الله عليه، إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـ?لِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ ?للَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـ?تٍ وَكَانَ ?للَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـ?لِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ?للَّهِ مَتابًا [الفرقان:70، 71] .
الأعمال الصالحة إذا كثرت أضعفت جانب السيئات، (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ) ) [1] ، (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ) ) [2] ، كل تلك الأعمال الصالحة إذا كثرت وتعدّدت أضعف الله بها جانبَ السيئات، فالتوبة تمحوها، والأعمال الصالحة تخفِّف وطأتها، وتقلِّل من أثرها، فأكثِر من صالح الأعمال، مَن جَاء بِ?لْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160] .
(( وخالق الناس بخلق حسن ) )، أرشده كيف يتعامل مع عباد الله، وأن الخُلُق الحسن هو الذي ينبغي للمسلم أن يتعامل به مع إخوانه المسلمين، خلقٌ حسن، بذلُ المعروف، وكف الأذى، تحمُّل الإساءة من الإخوان، سعة الحلم ورحابة الصدر، تحمُّل الأخطاء والسعي في الإصلاح والتوجيه.
(( خالق الناس بخلق حسن ) )، أعط من منعك، صِل من قطعك، اعفُ عمن ظلمك، وكن متواضعًا لله، محتسبًا ما يصيبك في سبيل الله، وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ?لأُمُورِ [الشورى:43] .
وسيد ولد آدم محمد أعظم الخلق قيامًا بهذا الواجب، فقد خالق الناسَ بأكمل خلق وأفضلِه صلوات الله وسلامه عليه، يستأذنه ملكُ الجبال مرجعَه من الطائف: أيطبقُ على قريش أخشبي مكة؟ لما لقي منهم من الأذى، قال: (( أتأنَّى بهم، لعلَّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا ) ) [3] . يواجه أهلَ مكة يوم الفتح: (( ما تظنون أني صانع فيكم؟ ) )والأمر أمرُه، والقوة بعد قوة الله قوته، فما ينتظرون؟ أجابوه بما يعلمون من صفاته الحميدة وأخلاقه المجيدة وجِبِلته التي جبله الله عليها من الحلم والصفح والعفو، فقالوا له: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: (( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) ) [4] ، فكم صبر على المصائب، وكم تحمَّل الأذى، وكم وسع حلمه الخلقَ صلوات الله وسلامه عليه، وصدق الله: وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] ، وصدق الله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ?للَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ ?لْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] . يأتيه من يطالبه بحق، ويجرُّ رداءه، ويغلظ القول عليه، فيهمّ الصحابة به، فيقول لهم: (( دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا ) ) [5] ، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.
وهكذا المسلم إذا سار في حياته على هذا المنهج القويم، فلن يستخفَّه الشيطان ولا جلساءُ السوء، من كان ذا حلم في أموره وصفح وإعراض وتجاوز، خُذِ ?لْعَفْوَ وَأْمُرْ بِ?لْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ?لْجَـ?هِلِينَ [الأعراف:199] . دخل رجل على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وقال له فيما قال: هِي يا ابن الخطاب، إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فهمَّ به عمر، فقال الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: خُذِ ?لْعَفْوَ وَأْمُرْ بِ?لْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ?لْجَـ?هِلِينَ ، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوز عمر بعدما سمعها، وكان وقافًا عند كتاب الله رضي الله عنه وأرضاه [6] .
فتعاملوا بالأخلاق الحسنة، وتناسوا الضغائنَ والأحقاد، وطهِّروا القلوبَ من غل الحقد والبغضاء والكراهة، فإن من عاش بهذا الخلق عاش طيبَ النفس، قرير العين، مطمئنًا في أحواله كلها، وإنما تشقى النفوس بالأحقاد والبغضاء، ومحاولة الانتقام والانتصار للنفس وهواها، أعاذنا الله وإياكم من تلك الأحوال السيئة، طهَّر قلوبنا وقلوبكم من الرذائل، وملأها خيرًا وعملًا صالحًا، إنه على كل شيء قدير.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمد امتثالًا لأمر ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
[1] أخرجه مسلم في الطهارة (233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] أخرجه البخاري في الصوم (1901) ، ومسلم في صلاة المسافرين (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (3231) ، ومسلم في الجهاد، باب: ما لقي النبي (1795) من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه.
[4] أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية (4/412) فقال:"حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله قام على باب الكعبة فقال:"فذكره في حديث طويل، وهذا سند معضل، وروي عن قتادة السدوسي مرسلًا، أخرجه الطبري في تاريخه (2/161) من طريق ابن إسحاق.
[5] أخرجه البخاري في: الوكالة، باب: الوكالة في قضاء الديون (2306) ، ومسلم في: المساقاة، باب: من استسلف شيئًا فقضى خيرا منه (1601) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[6] هذه القصة أخرجها البخاري في التفسير (4642) عن ابن عباس رضي الله عنهما.