الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الكبائر والمعاصي, اللباس والزينة, قضايا المجتمع
ناصر بن عمر العمر
المدينة المنورة
جامع جابر الأحمدي
1-الأصل في اللباس. 2- النهي عن الإسبال في اللباس. 3- تربية النبي لأصحابه الكرام على اجتناب الإسبال. 4- آثار عن السلف الصالح في النهي عن الإسبال. 5- أنواع الإسبال.
أيها المسلمون، نواصل حديثنا عن اللباس والزينة، ونحن نتحدث عن جملة ما حرمه الشارع الحكيم في اللباس، وإلا فإن الأصل في اللباس هو التمتع به، قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. هذا هو الأصل في اللباس، ولكن يستثنى من هذا الأصل ما أتى الشارع الحكيم بتحريمه أو كراهته أو هو خلاف الأولى والأفضل، وقد مر معنا باب عظيم في التحريم، وهو باب التشبه في اللباس بلباس غير المسلمين، وسقنا في ذلك الآيات والأحاديث والآثار الدالة على تحريم التشبه، وجماع ذلك كله هو المحافظة على الشخصية الإسلامية في كل شيء؛ في العقائد والعبادات والمعاملات وفي الأخلاق والسلوك والعادات، ومن ضمن ذلك باب اللباس والزينة الذي هو باب واسع وظاهر للأمم في المحافظة على هويتها وأن لا تنسلخ الأمة من جلدها للبس جلد غيرها.
أيها المسلمون، ومما حرمه الإسلام في باب اللباس الإسبال، بل جاءت النصوص بالوعيد الشديد لمن خالف أمر الله ورسوله في هذا الباب، والإسبال هو إرخاء الرجل لباسه ثوبًا كان أو إزارا أو عباءة أو سراويل بحيث يتجاوز الحد الذي حده الشارع الحكيم وهو الكعبان.
يقول: (( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) )، ويقول عليه الصلاة والسلام: (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) )، يقولها ثلاثًا، قال أبو ذر راوي الحديث: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: (( المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ) ). وأخبرنا نبينا عن رجل كان يمشي وهو يجر إزاره من الخيلاء، فخسف الله به، فهو يتجلجل بهذا الثوب في الأرض إلى يوم القيامة. نعوذ بالله من سوء العذاب، نستجير بالله من عذابه وسخطه.
فهذه الأحاديث تدل على عظيم وشناعة الإسبال إذا كان هذا الإسبال عن خيلاء وكبر، ذلك لأن الكبر لا يكون للعبد ولا ينبغي له، يقول الله في الحديث القدسي: (( والعظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار ) ). ولهذا كانت شناعة العقوبة يوم القيامة بأن الله لا يكلمه ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله بعدها عذاب أليم. إن هذا الوعيد مما تقشعرّ له الأبدان ويقف له شعر الرأس خوفا وفرقًا من هول هذا العذاب.
أيها المسلمون، وإسبال الإزار هو مظنة المخيلة والكبر وسبب فيه، ورفع الثوب من السمع والطاعة للخالق ومن العبد لسيده ومولاه، والإسبال هو صفة المتكبرين ورسول الله يقول: (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) )، ويقول: (( ارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة ) ). فهذا القول من النبي يفهم منه أن الإسبال سبب للخيلاء والكبر، وهو لا ينطق عن الهوى.
ولقد أدب النبي أصحابه على هذا ورباهم عليه، فلا تجد أحدًا منهم مسبلًا، يدل على ذلك حرصه عليه الصلاة والسلام في كل مناسبة على إيضاح الأمر للصحابة وتنبيه الجاهل منهم. من ذلك أنه لقي رجلًا مسبلًا اسمه عمرو بن زرارة رضي الله عنه وقد أسبل إزاره لعيب في ساقيه يظنه هو، فقال له النبي: (( يا عمرو بن زرارة، إن الله تعالى أحسن كل شيء خلقه ) )؛ تعليمًا له حين استحى من ساقيه، ثم قال: (( يا عمرو، إن الله لا يحب المسبل ) ).
فاتق الله أيها المسلم، أتعلم أن الله لا يحب المسبل ثم تصر بعد هذا على الإسبال؟! فلا تظلم نفسك، واستحي من الله حق الحياء، وارفع إزارك؛ فإن هذا هو ما يحبه الله ورسوله.
ويكرر الرسول هذه العبارة مع صحابي أخر فيقول: (( يا سفيان بن سهل، لا تسبل إزارك؛ فإن الله لا يحب المسبلين ) ). والحديث التالي يدل على شديد حرص النبي على مسألة الإسبال، فقد أبصر رسول الله رجلًا يجز إزاره فأسرع إليه أو هرول فقال: (( ارفع إزارك، واتق الله ) ). فعلى أي شيء يدل هذا؟! قال له الرجل: إني أحنف تصطك ركبتاي، فقال: (( ارفع إزارك؛ فإن كل خلق الله عز وجل حسن ) )، فما رئي بعد ذلك الرجل إلا إزاره أنصاف ساقيه. هؤلاء هم الذين إذا ذُكِّروا تذكّروا، وإذا سمعوا القول اتبعوا أحسنه، وإذا جاءهم الأمر من الله ورسوله قالوا: سمعنا وأطعنا.
يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: دخلت على النبي وعلي إزار يتقعقع، فقال الرسول الله: (( من هذا؟ ) )قلت: عبد الله بن عمر، قال: (( إن كنت عبد الله فارفع إزارك ) )، فرفعت إزاري إلى نصف الساقين، فلم يزل لباس ابن عمر حتى مات. ونحن نعظ المبتلَين بالإسبال اليوم بما وعظ به رسول الله هذا الصحابي الجليل: إذا كنتم عبيدًا لله حقًا وصدقًا فارفعوا ثيابكم.
وذكر عند رسول الله خريم الأسدي فقال عنه: (( نِعم الرجل خريم الأسدي، لولا طول جمّته وإسبال إزاره ) )، فلما بلغ ذلك خريم قص شعره ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه. ونحن نقول لبعض المسبلين: نِعمَ الرجال أنتم؛ ففيكم الكثير من الصفات الحسنة الطيبة لولا هذه الصفة السيئة.
عباد الله، لما سمعت أم سلمة حديث النبي في الإسبال شق ذلك عليها وعلى معاشر النساء، وأشكل عليها فهم كلامه، فالنساء مأمورات بالستر والمرأة كلها عورة، فقالت: يا رسول الله، كيف يصنع النساء بذيولهن؟ فقال: (( يرخين شبرًا ) )، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن! قال: (( فيرخينه ذراعًا، لا يزدن عليه ) ).
رحم الله نساء الصحابة ورجال الصحابة، ما أحرصهم على الخير، وما أحرصهم على الفهم، وما أحرصهم على التطبيق العملي لكلام الله ورسوله. فالإسبال من صفات النساء، والرجل من صفته رفع الثوب والإزار فوق كعبيه.
مر فتى من عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أسبل إزاره، فدعاه فقال له كلمة قوية، وبعض الناس يحتاج أحيانًا لكلمة قوية تهزه وتنبهه، قال له: أحائض أنت؟ قال: يا أمير المؤمنين، وهل يحيض الرجل؟! قال: فما بالك قد أسبلت إزارك إلى قدميك؟!
لقد أصبحنا نعيش في زمن التناقضات، فهذا الرجل يسبل ثيابه، وهذه المرأة تكشف عن عورتها، فنسأل الله أن يبصر المسلمين بدينهم ويرزقهم تقواه ومخافته.
أيها المسلمون، ويخشى على الذي يسبل ثوبه من عدم قبول صلاته، كيف وقد روي أن النبي رأى رجلًا مسبلًا إزاره فقال له: (( اذهب فتوضأ ) )، ثم جاء فقال: (( اذهب فتوضأ ) )، فقال له رجل آخر: يا رسول الله، ما لك أمرته أن يتوضأ؟! قال: (( إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل ) ).
فاحذروا ـ أيها المسلمون ـ من الإسبال؛ فإنه وبال على المسلم، فالمسبل يمشي أوقاتًا طويلة وهو مسبل، يظل كل هذه الأوقات وهو في غضب من الله وسخط. يقول ابن مسعود: (المسبل إزاره في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام) ، وعن ابن عباس قوله: (لا ينظر الله إلى مسبل) ، وعن مجاهد قوله:"من مس إزاره كعبه لم يقبل الله له صلاة"، وعن ذر بن عبد الله رحمه الله قوله:"من جر ثيابه لم تقبل له صلاة".
عباد الله، في مرض موت عمر بن الخطاب لما طعن وجرحه يثعب دمًا جاء الناس يعودونه ويبشرونه بحسن العاقبة ويذكرونه، فكان من جملة من دخل عليه من الناس شاب مسبل دخل وسلم على عمر وبشره بصحبته لرسول الله وجهاده وأن عاقبته خير، فلما قام من عنده فإذا بعمر يرى هذا الشاب وقد أسبل ثوبه فقال له ناصحًا: (يا ابن أخي، ارفع ثوبك؛ فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك) . الله أكبر يا عمر، ما أعظمك من رجل، لم يمنعه ما هو فيه من نزول الموت أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما علمه نبيه.
أيها المسلمون، أزرة المسلم من أنصاف ساقيه إلى الكعبين، وفي روايات إلى عضلة ساقه، ولكن ينبغي أن يعلم أن الإزار ـ وهو مثل ما يلبس في الإحرام ـ فإنه إذا رفع إلى عضلة الساق وهي فوق نصف الساق بقليل أو إذا رفع الإزار إلى أنصاف الساقين يكون شكله مقبولًا، أما الثياب فإن الأفضل للمسلم أن يرخيها فيجعلها فوق الكعبين ودون أنصاف الساقين، فهذا من حسن الهيئة وأستر للعورة من أن تنكشف، ولما في المبالغة في الرفع من الشهرة بين الناس وهو أمر مذموم؛ ولذا على المسلم أن يلبس لبس قومه ما لم يكن فيه أمر محرّم أو مذموم، ولهذا نجد أن من رفع ثوبه كثيرًا وبالغ في ذلك قد عكس أمرًا في قلوب الناس، وهو أمر لا يطيقونه على الثوب، ولهذا لما شق ذلك على بعض الصحابة أن يرفع الثوب إلى أنصاف الساقين رخص النبي إلى ما تحت النصف وحتى الكعبين، ومن تجاوز الكعبين فقد دخل في الحرام.
أقول قولي هذا...
فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ حق تقاته، واعلموا أن الإسبال من كبائر الذنوب، ولعل منكم من يقول: أنا لم أقصد بإسبالي الثوب الكبر والخيلاء، فنحب أن نوضح لكم ـ أيها المسلمون ـ أن الإسبال بالعموم هو من الكبائر المتوعّد عليها بالعذاب، وكل ذنب جاء فيه اللعن أو الوعيد عليه بالعذاب فقد عدّه العلماء من الكبائر، والإسبال قد ورد الوعيد عليه، ولكنه على نوعين: إسبال يكون معه خيلاء وكبر، وهذا الخيلاء والكبر هو من أعمال القلوب، والله عليم بذات الصدور، فهذا النوع جاء فيه الوعيد العظيم الشديد، وهو أشد من النوع الثاني وإن كان بعض العلماء يقول: إن الإسبال لا يكون إلا عن مخيلة وكبر، وإن قال القائل: أنا لم أقصد المخيلة. وعقوبة هذا الإسبال أن الله توعده بأنه لا ينظر إليه يوم القيامة ولا يكلمه ولا يزكيه وله عذاب أليم، فماذا بعد هذا العذاب من عذاب؟! وماذا بعد أن يفقد الإنسان في عرصات القيامة رحمة الله له؟! فالمسبل الذي في قلبه نوع من الكبر والمخيلة ولو قلَّت هو مستحق لهذه العقوبة الشديدة نسأل الله العافية والسلامة.
أما النوع الثاني من الإسبال فهو الإسبال الذي يكون عن مجاراة الناس في عاداتهم القبيحة ومسايرتهم، وهذا أيضًا من كبائر الذنوب، ولكنه أخف من الأول في الوعيد، فإن هذا قال عنه: (( ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار ) ). فهنا العذاب يقع جزئيًا على جزء من الجسم، وهو المقدار الذي أسبل به المسلم إصبعًا أو أقل أو أكثر، فهو متوعد بتعذيب هذا الجزء بالنار يوم القيامة. وأي رجل يعلم أن قدمه ستعذب بنار جهنم ثم يصر معاندًا على الإسبال؟!
أيها المسبل، ها أنا قد ذكرت لك جملة من الآثار عن النبي والصحابة والتابعين، وشرحت وبينت لك الأمر، فماذا بعد؟ هل ستخرج من المسجد كما دخلت إليه؟ إن من صفات المؤمنين أنهم إذا سمعوا القول يتبعون أحسنه، أولئك هم أولو الألباب، وأنا أربأ بك أن تكون من الذين إذا نزل عليهم أمر الله قالوا: سمعنا وعصينا، بل إنك إن شاء الله سوف تبادر بعد الصلاة مباشرة على تبديل ثيابك بثياب على السنة المحمدية، وبعض الناس يكون عنده تردد وأنا أقول: إن الأمر سهل ميسور، وارفع ثوبك ولو بواحد سنتيمتر عن الكعب تنجُ بنفسك من عذاب الله.
إنك إن خرجت وعزمت على ذلك ويرى الله صنيعك بثيابك وسوف يخيط كثير منكم في هذه الأيام ثياب العيد فليجعلها على السنة، السنة المحمدية، سوف يحمد الله لك هذا الصنيع، وسوف ينظر الله إليك بعين الرضا، كيف لا وأنت عبد قد تبت من معصية كنت عليها؟! وبعض الناس يرفض أن يرفع ثوبه حتى يكون ملتزمًا التزامًا كاملًا، وهذا من ضحك الشيطان على الناس، فلأن يخفّ الشر قليلًا قليلًا خير من الاستمرار فيه كله، ولا يدري الإنسان هل يمكّن مستقبلًا من تغيير عمله ومن التوبة.
صلوا وسلموا على خير البرية...