فهرس الكتاب

الصفحة 5482 من 5777

علامات الساعة(5)

الإيمان

أشراط الساعة

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-من علامات الساعة ضياع الأمانة. 2- من علامات الساعة فشو الكتابة وقلة العلم. 3- من علامات الساعة قلة الأخيار والعلماء والصالحين. 4- من علامات الساعة صدق رؤيا المؤمن.

أما بعد: فلقد سبق الحديث في خطب ماضية عن بعض علامات الساعة وأشراطها، وأعود الآن لأذكر بعضها أيضًا لأن الحديث عنها شيّقٌ، وكيف لا يكون اشتياق المؤمنين الصادقين لذلك وهم يجدون أخبار الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام بأمور غيبية من قبل مئات السنين يرون ذلك ويعيشونه واقعًا مشاهدًا أمام أعينهم؟! إنهم يزدادون إيمانًا مع إيمانهم ويقينًا على يقينهم وعملًا صالحًا يتقربون به إلى الله عز وجل فيما بقي من أعمارهم، ويدحضون حجج وشكوك المبطلين والملحدين من أعداء هذا الدين لكي يبلغ الإسلام جميع أقطار الأرض وتقوم الحجة على الخلق أجمعين بإذن الله عز وجل.

ومن تلك العلامات التي أخبر الرسول عن وقوعها في آخر الزمان وهي دلالة واضحة على قرب قيام الساعة ضياع الأمانة، والأمانة ضد الخيانة، وتحل الخيانة مكان الأمانة عند كثير من الناس، وينكرون على الأمين أمانته ويعتبرونه درويشًا مغفلًا، وأيضًا يقلبون عليه الأمور أمام الناس ويصفونه بالخيانة، وعلى العكس من ذلك: الخائن هو الأمين في نظرهم، ويقلبون الحقائق ليبرئوا ساحته ليظهر أنه أمين لا ضَيْرَ عليه. وهذا مصداقٌ لما أخبر عنه الرسول محمد في معرض حديثه: (( ويخوّن الأمين ويؤتمن الخائن ) ). ومن يختلط بالناس عمومًا ويحتكُّ بهم ويأخذ ويعطي هو بنفسه معهم يجد أمورًا غريبة لا يكاد يصدِّق وجودها بين المسلمين فضلًا عن غيرهم لولا الأحاديث الواردة في ذلك التي تورد الطمأنينة على نفسه وتزيد إيمانه ويقينه، أما البعيدون عن الاحتكاك بالناس أو الذين يعيشون في بروج عاجية بعيدًا عن أمر العامة فيظنون أن الأمور في أحسن الأحوال، وينطبق عليهم قول القائل:

إنْ كنتَ تدري فتلك مصيبة وإنْ كنتَ لا تدري فالمصيبة أعظم

فمن مظاهر تضييع الأمانة إسناد أمور الناس أيًا كانت تلك الأمور إلى غير أهلها، ومعلوم أن أهلها هم أهل الأمانة والصدق والتعفّف عن الحرام والإخلاص والوفاء وأداء الأمانة كما ينبغي بعد الخوف من الله عز وجل، فإذا أُسندت مصالح الناس إلى غير أهلها ضاعت الحقوق وحصل الاستخفاف بمصالح العباد وإيغار الصدور وإثارة الفتن وإشاعة الفوضى في المجتمع، وهذا هو حال المجتمعات اليوم، وبهذا يتبين صدق رسول الله ويدل على قرب وقوع القيامة، فحينما يفكر المؤمن ويمعن النظر في واقع البشر اليوم يجد ذلك الخبر واقعًا ومشاهدًا لا يملك إلا أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون وهو حسبنا ونعم الوكيل.

روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما النبي في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله يحدِّثُ، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: (( أين أُراه السائل عن الساعة؟ ) )قال: ها أنا يا رسول الله، قال: (( إذا ضيِّعت الأمانة فانتظر الساعة ) )، قال: كيف إضاعتها؟ قال: (( إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) ). وفي حديث آخر بين الرسول كيف ترفع الأمانة من القلوب وأنه لا يبقى منها في القلب إلا أثرها حتى يصير الرجل خائنًا بعد أن كان أمينًا لمخالطته أهل الخيانة فيقتدي بهم ويفعل فعلهم، جاء في صحيح البخاري رحمه الله من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: (( إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة ) )، وحدثنا عن رفعها قال: (( ينام الرجل النَّوْمة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أَثَر الْوَكْت ـ أي: كالنقطة في الشيء من غير لونه ـ، ثم ينام النَّوْمَةَ فتقبض ويبقى أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه مُنْتَبِرًا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله! ما أظرفه! ما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا رده عليّ الإسلام، وإن كان نصرانيًا رده عليّ ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا ) )، وورد أيضًا: (( أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخرها الصلاة ) ). وها هو التهاون والاستخفاف بالصلاة وشأنِها نعيشه الآن حيث تمتلئ المساجد في الجمع والعيدين وتكون خالية من كثير من المسلمين في الفروض، فأين أولئك الرجال من حضور صلاة الجماعة في المساجد؟! وأين إقامة الصلاة والخشوع وثمرة الصلاة في حياة الناس بالانتهاء عما يغضب الله عز وجلّ؟! مع أن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72] .

وهناك خطبة مستقلة إن شاء الله عن الأمانة وما يتعلق بها، والكلام هنا هو عن إضاعتها وانتشار الخيانة، وكلٌّ لديه كثيرٌ من المعلومات ولا داعي لضرب الأمثلة.

ومن أشراط الساعة كثرة الكتابة وانتشارها وفي الوقت نفسه يُرفع العلم ويُقبض العلماء ويَثبت الجهل ويَفشو ويَنزل في أوساط الناس، وقد يظن شخصٌ بأن في الأحاديث تناقضًا وليس الأمر كذلك، وإنما هو الواقع اليوم كما أخبر رسولنا محمد ، حيث انتشرت الكتابة وفشت حتى صارت دول العالم بأكملها تحارب الأمية كما يقولون، فترى الرجال والنساء الذين فاتهم قطار التعليم والتعلّم في الصغر يسارعون إلى الالتحاق بها حتى تفشو الكتابة وتنتشر ويحصل ما أخبر به الرسول ، لكن ذلك التعلم والتعليم لهم ولغيرهم يكون فيه الجهل أيضًا، علم العلوم الدنيوية وتعلمها يكون كثيرًا، فنحن نرى ونسمع عن تقدم العلوم، ولكن في أي مجال؟ إنه الإقبال على تعلّم علوم الحياة الدنيوية، وفي المقابل الجهل بالعلوم الشرعية؛ لذلك ترى كثيرًا من الناس لا يعرفون كثيرًا مما تدعو إليه الضرورة في دينهم فضلًا عن الأمور الأخرى، وهذا يدل على جهل أكثر المسلمين بدينهم بالرغم من تقدم العلوم في جميع المجالات، ومنها ما يسمونه بالثقافة وأنَّ أكثر أفراد المجتمع مثقفون، نعم إنهم مثقفون في أمور الدنيا، ولكن الجهل محيط بهم ومُخَيِّمٌ عليهم في أمور دينهم، والقرآن الكريم أول تلك العلوم الشرعية التي لا يتقنونها مع أن معظمهم من العرب ويتكلمون بلسان عربي، فمعظم من يعيش في مجتمع المسلمين من العرب لا يعرفون كيف يتلون كتاب الله كما أنزل، فهذا يعتبر من الجهل، كذلك علم الفرائض التي ورد فيها عن رسول الله أنه قال: (( تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن هذا العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما ) )، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ) )، وقال: (( إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل ويرفع العلم ) )، وقال رسولنا محمد: (( يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج ) )أي: القتل.

وقد وقع ما أخبر به الرسول ولا يزال إلى أن تقوم الساعة حتى يُسْرَى بالقرآن لا يبقى منه في الصدور ولا في السطور آية من كتاب الله. فتقارب الزمان حاصل حيث أن السنة تمر علينا كالشهر والشهر كالأسبوع والأسبوع كاليوم واليوم كالساعة والساعة كالدقيقة، قال رسول الله: (( لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة ) ). ولم يعد في الأوقات بركة، وها هي السنون تطوينا طيًا وعلم الدين الصحيح في طريقه من سنوات مضت وذلك بقبض العلماء المتقين لله الذين هم ورثة الأنبياء ويحيون السنة ويميتون البدع ويحذرون منها، فيظهر على العكس من يميت السنة ويحيي البدعة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) ). فتبين من هذا الحديث المتفق على صحته أن العلم المراد بالجهل فيه هو علم الدين، وجهل الناس هو الجهل بأمور الإسلام لدرجة أنهم يتخذون الجهال مفتين لهم، فتكون الفتوى بغير علم، فيضل السائل والمسؤول، وهذا هو الحاصل خاصة بين الشباب وفي الأحزاب والجماعات الإسلامية المختلفة.

وأما عن كثرة الكتابة وانتشارها فيقول رسولنا محمد: (( إن بين يدي الساعة ظهور القلم ) )، وفي حديث آخر: (( إن من أشراط الساعة أن يكثر التجار ويظهر العلم ) ). وقد كثرت الكتابة وانتشرت بتوفر آلات الطباعة والتصوير التي سهلت انتشار الكتابة في أسرع وقت، وأصبحنا نشاهد طباعة الجرائد والمجلات وغيرها من الأوراق الأخرى وتبادل المعلومات على بُعْد آلاف الكيلومترات في المخترعات الحديثة التي سهلت نشر الكتابة وانتشارها خلال دقائق بل ثوانٍٍ مع الحاسبات الآلية والشبكة العنكبوتية شبكة المعلومات العالمية المسماة بالإنترنت وغيرها.

فمن أخبر رسولنا محمدًا وأعطاه جوامع الكلم ليتحدث بها عن أمور غيبية تقع بعده بمئات السنين؟! إنه الله عز وجل الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فتبارك الله رب العالمين. قال رسول الله: (( يُدرس الإسلام كما يُدْرس وَشْيُ الثوب حتى لا يُدْرَى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويُسْرَى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة يقولون: لا إله إلا الله، فنحن نقولها ) ). وهذا والله أعلم في آخر الزمان عند قرب القيامة، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لينزعن القرآن من بين أظهركم يُسْرَى عليه ليلًا فيذهب من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيء) .

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [الكهف: 1-3] ، أحمده سبحانه وأشكره وأؤمن به وأتوكل عليه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.

أما بعد: فإن من علامات الساعة وأماراتها التماس العلم عند الأصاغر أي: أهل البدع والأهواء، وعندها يتفرق الناس وتتعدد المذاهب وتكثر الأحزاب والأهواء ويُعْجَبُ كلُّ ذي رأي برأيه ويتمسك به ويناصره ويبغض ويعادي مخالفيه من أجل الانتصار لرأيه وما هو عليه ويعتقد أنه على الحق وغيره على الباطل، وعندها تكون الهلكة. قال رسول الله: (( إن من أشراط الساعة ثلاثًا، إحداهن: أن يُلتمس العلم عند الأصاغر ) )، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ومن أكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا) ، وسئل عبد الله بن المبارك رحمه الله عن الأصاغر فقال:"الذين يقولون برأيهم، فأما صغير يروي عنه كبير فليس بصغير"، وقال أيضًا:"إنهم أهل البدع". وقد يقال كما هو مشاهد الآن وكما هو ظاهر في الوسائل الإعلامية المختلفة بأن المبتدئين في طلب العلم والذين يحبون الشهرة والمتحمسين للدعوة أيضًا وغيرهم ممن يظهر على الشاشات وأمام اللاقطات وعلى صفحات الجرائد والمجلات ويفتون الناس بعلم في جوانب قليلة وبغير علم في كثير من الأمور ويُترك العلماء والراسخون في العلم ويُبعدون عن الظهور لأي سبب من الأسباب فعندها يُؤْخذ العلمُ من الأصاغر فعلًا ويُترك الأكابر، والله أعلم.

ومن العلامات ذهاب الصالحين وقلة الأخيار والمتقين وكثرة الأشرار وازديادهم حتى تقوم الساعة على شرار الخلق، قال رسول الله: (( لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته ـ أي: أهل الخير والصلاح من أهل الدين ـ من أهل الأرض فيبقى فيها عجاجة ـ أي: الغوغاء والأراذل ومن لا خير فيه ـ لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا ) )، وقال: (( يأتي على الناس زمان يُغربلون فيه غربلة يبقى منهم حُثَالة قد مَرَجَتْ عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا ) )وشبك بين أصابعه.

ومنها ارتفاع أسافل الناس على خيارهم، فتكون أمور الناس ومصالحهم بين سفهائهم وأراذلهم الذين هم أسعد الناس في هذا الزمن. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إنها ستأتي على الناس سنون خداعة؛ يصدَّق فيها الكاذب ويكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة ) )، قيل: وما الرويبضة؟ قال: (( السفيه يتكلم في أمر العامة ) )، وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي قال: (( لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لُكَع بن لكع ) ).

ومنها صدق رؤيا المؤمن في آخر الزمان، فهي تقع كما رآها في المنام ولا تحتاج إلى تعبير وتأويل تسليةً للمؤمن الصادق وإكرامًا له وإعانةً وإيناسًا له بالرؤيا الصادقة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت