فهرس الكتاب

الصفحة 727 من 5777

اللعن والملعونون

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

إسماعيل الخطيب

تطوان

الحسن الثاني

1-معنى اللعن وبعض الأعمال التي لُعِن فاعلها 2- تحريم الشرع

للعن والسب وإشارة إلى عظمة حرمة سب الدين ولعنه

أما بعد: يقول ربنا عز وجل: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون [البقرة:159] .

عباد الله: إن الله تعالى يعاقب أقواما في الدنيا والآخرة بلعنهم، واللعن هو الطرد والإبعاد فالملعون مطرود من رحمة الله، لا يقبل الله دعاءه، بل هو في سخط الله إلى أن يتوب من جرمه الذي استحق بسببه اللعن، وقد ذكر ربنا في كتابه الحكيم طائفة من الملعونين، قال تعالى: إن الله لعن الكافرين. وقال عن بني إسرائيل: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم. وقال في حق من يتهم مؤمنة بالفاحشة: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة. وقال عن فرعون وجنوده: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين. وقال: فمن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيه وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما.

وأخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام عن طائفة من الملعونين استحقوا اللعن بسبب فساد عقيدتهم أو معاملاتهم، فقال: (( لعن الله من ذبح لغير الله ) )والمشركون كانوا يعبدون غير الله ويذبحون القرابين يتقربون بذبحها لمعبوداتهم، فأمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم بأنه لا يصلي إلا لله، ولا يتقرب بالذبح إلا إلى الله، قال تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. وإن من أعمال الجاهلية الذبح على عتبة الدار بعد بنائها خوفا من الجن أو الذبح تقربا لأصحاب القبور.

ولقد نهانا ربنا عن تقديم الرشوة للحكام، فقال تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام. أي لا تعطوا المال للحكام على سبيل الرشوة ليغيروا الحكم لكم، وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: (( لعنة الله على الراشي والمرتشي ) ).

والخمر، التي تفاقم شرها، والتي هي مفتاح كل شر، والتي هي أم الخبائث، وهي رجس من عمل الشيطان والتي قال النبي في حق شاربها: (( لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) )، والتي تقضي على الأخلاق وتشجع على الفساد، هذه الخمر ومنها المخدرات، ذلك أن الخمر اسم جامع لكل ما غطى العقل - ملعون كل من له يد في رواجها، فقد (( لعن النبي في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له ) ).

ولا شك أن الزنا فساد وأي فساد، وللزنا أسباب تشجع عليه منها الاختلاط والعري، ومنها امتناع الزوجة من معاشرة زوجها، والإسلام حريص على حسن معاشرة الزوجين، قال تعالى: وعاشروهن بالمعروف ، وكما أن للزوجة حقوقا على زوجها منها النفقة، والإحسان في المعاملة، كذلك للزوج حقوق على زوجته، فعليها أن تعمل على استرضاء زوجها، وأن تحذر من الامتناع عن معاشرته في فراشهما فإن فعلت استوجبت اللعن، قال: (( إذا باتت المرأة هاجر لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع ) ).

عباد الله: إذا كان الله تعالى قد لعن في كتابه الحكيم وعلى لسان نبيه الرحيم طائفة من الذين يستحقون اللعن، فإن في ذلك الإخبار دعوة للتوبة وتحذير من الوقوع فيما يسخط الله، ولذلك كان من أدب الإسلام عدم اللعن، فالنبي عليه الصلاة والسلام - كما جاء في حديث أنس الصحيح: (( لم يكن فاحشا ولا لعانا ولا سبابا ) )فليس من أخلاق الإسلام اللعن، وهو الدعاء بالإبعاد من رحمة الله تعالى وقد اعتبر النبي عليه الصلاة والسلام: (( لعن المؤمن كقتله ) )، لأنه إذا لعنه فكأنما دعا عليه بالهلاك، فلا ينبغي لعن أحد ولو كان عاصيا، قال العلماء: لا ينبغي تعيين أهل المعاصي ومواجهتهم باللعن، وإنما ينبغي أن يلعن في الجملة من فعل ذلك ليكون ردعا لهم، بل إن المتأدب بأدب الإسلام يعوّد لسانه على أن لا يقول إلا خيرا، فلا يلعن إنسانا ولا حيوانا.

إذا علم هذا علمنا ما يقع فيه أولئك الذين لا تربية عندهم ولا أخلاق ولا أدب بل أولئك الذين لا دين لهم، فلو كان عندهم دين ما سبوا الدين فلعن الدين وسبه هو مما يخرج من الملة، وقد اتفق علماء الإسلام على أن من سب الله أو الرسول أو الدين يقتل ولا يستتاب وقد سأل الرشيد مالكا في رجل شتم النبي وذكر أن فقهاء العراق افتوه بجلده فغضب مالك وقال: ما بقاء الأمة بعد شتم نبيها، من شتم الأنبياء قتل، ونقول: ما بقاء الأمة بعد سب دينها، وما جدوى حياتنا إذا سب ديننا من طرف أراذلنا، ما شرفنا إذا أهين الدين ووصلت الإهانة إلى سبه، أيعقل أن يغار أحدنا لنفسه إذا سب هو، ولا يغار لدينه وهو يسمع سبه وإهانته.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت