فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 5777

الأسوة

قضايا في الاعتقاد

الاتباع

عاصم بن لقمان يونس الحكيم

جدة

جامع جعفر الطيار

1-التأسي بالغير جبلة بشرية

2-نعى الله على الكفار تقليدهم الآباء والأجداد

3-الأمر بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم

4-النبي القدوة صلى الله عليه وسلم

5-دور الأب القدوة في تربية ابنائه

إن من أجلِّ وأعظم نعم الله علينا نعمة الإسلام، والله تعالى أنزل القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بالإقتداء به والانصياع لأوامره، ولو شاء الله تعالى لاكتفى بإنزال القرآن وحده، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت أن ينزل كتابه على خير خلقه ليكون مثالا يُحتذى وأسوة يُقتدى، قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا ، والأسوة عباد الله هي القدوة، والأسوة ما يُتأسى به أي يُتعزى به، فيُقتدى به في جميع أفعاله، ويُتعزى به في جميع أحواله، والأسوة قد تكون حسنة وقد تكون سيئة، لذلك قال تعالى أسوة حسنة.

واعلموا عباد الله أن اتخاذ القدوة وتقليده، أمر فطري، جُبل عليه الناس، مسلمهم وكافرهم، لأن الإنسان ضعيف، يحتاج إلى ما يقوي به نقصه وضعفه، فيلجأ إلى تقليد من هو فوقه وأعلى منه، وذلك كان حال الكفار عندما دعتهم أنبيائهم فقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، أو كما في الآية الأخرى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، فالذي أردى المشركين وأهلكهم أنهم رفضوا ترك ما توارثوه عن آبائهم من الشرك، وأبوا اتباع الأنبياء واتخاذهم قدوة.

أما نحن معشر المسلمين، فنقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، ونحمد الله تعالى أن أرسل لنا خير خلقه لنقتفي أثره ونتبع سنته ونتخذه إماما، وكما أمرنا الله تعالى أن نتأسى ونقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد أمرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) )، وقال: (( خذوا عني مناسككم ) ).

ولقد ضرب لنا نبينا صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في كل خلق فضيل، وحري بالمسلم أن يقتدي به، فهو أشجع الناس في الحرب، وأثبتهم عند اللقاء، كان الصحابة - كما يقول علي - إذا حمي الوطيس واشتد الأمر يحتمون خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وفي غزوة حنين عندما فاجأ المشركون المسلمين في كمين مباغت، فر المسلون وانجفلوا، لم يبق إلا النبي صلى الله عليه وسلم على بغلته وعمه العباس وابن عمه أبو سفيان ابن الحارث، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقبل على المشركين وهو يصيح فيهم (( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب )

وهو القدوة في الزهد والصبر على الجوع وشظف العيش، فقد كان يربط على بطنه حجرا من الجوع، وكان ثوبه عليه الصلاة والسلام إلى نصف ساقه، وقال لأحد أصحابه بعد أن أمره برفع ثوبه الذي جاوز الكعبين (( أليس لك فيّ أسوة؟ ) ).

ولقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي خُلوف يخالفون سنته وهديه، وحث المسلمين على جهادهم، فاحذر يا عبد الله أن تكون منهم، قال عليه الصلاة والسلام: (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلُف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُأمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) )، أقول قولي واستغفر الله.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، إن المسلم لا يكتفي بأن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين، بل هو يطمع في أن يكون قدوة لغيره في الخير لكي ينال أجر من يتبعه، ولذلك فسر الإمام البخاري في صحيحه قول الله تعالى: واجعلنا للمتقين إمامًا ، قال أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا.

وأول من يقتدي الطفل حين تتفتح عيناه بأبويه، فيجب على الأب أن يكون قدوة لأبنائه، والابن في الغالب مرآة لبيته، فيجب على الآباء أن يحسنوا تربية أبنائهم وذلك بأن يكونوا هم القدوة الحسنة لهم، وأن لا يقولوا ما لا يفعلون، يقول تعالى حاكيا عن شعيب: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، وهذا لا يعني أن الأب الذي يشرب الدخان لا ينهى أبناءه عن ذلك، بل ينهاهم ويمتنع هو عن التدخين.

والناظر في أحوال الطلاب - ونحن على أبواب الاختبارات-، يرى أن كثيرًا من الطلاب لم يربهم أهلوهم التربية الإسلامية الصحيحة، ولم يكونوا قدوات في الخير لهم، بل إن منهم من كان قدوة سيئة لولده، فالوالد الذي يختلس من شركته أو عمله بحجة أنه يأخذ من بيت المال، وذلك الذي يكذب وأبناؤه يعرفون أنه يكذب، والآخر الذي لا يصلي مع الجماعة في المسجد، وربما لا يصلي مطلقا إلا الجمعة، وذلك الذي يكثر السباب والشتم أمام أبنائه، ويرمي القاذورات من نافذة سيارته ويقطع الإشارة مهددا أرواح الناس ومخالفا الأوامر والقوانين، فهذا العينة من الناس وغيرها كثير، يكونون قدوات سيئة لأبنائهم، فينتج عن ذلك ما نراه من غش في الاختبارات، وأخلاق سيئة، وتصرفات لا تنم عن إسلام ولا عن تربية سليمة.

و هنا يبدأ الولد في البحث عن بديل للقدوة الفاسدة التي عنده، فإن هداه الله تعالى، اتخذ من أحد الصالحين المتبعين للنبي صلى الله عليه وسلم قدوة، وإلا قلد الكفار والفساق، وكل منا مسئول في بيته ورعيته، ونحن إن لم نعمل على تغير الوضع لن نفلح أبدا، ولن تقوم لمجتمعنا قائمة بين الأمم ولو أنفقنا كنوز الأرض.

فاتقوا الله عباد الله واتبعوا نبيكم صلى الله عليه وسلم، وكونوا القدوات الحسنة لأبنائكم، وقديما قيل:

فتشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت