فهرس الكتاب

الصفحة 4533 من 5777

دفاعًا عن محمد

الإيمان, العلم والدعوة والجهاد

الإعلام, الإيمان بالرسل

عادل بن أحمد باناعمة

جدة

محمد الفاتح

1-الغفلة عن متابعة جريمة الاستهزاء بالنبي. 2- أحداث هذه الجريمة النكراء. 3- رفض الحكومة الدانماركية الاعتذار مما وقع. 4- فضل النبي. 5- قانون معاداة السامية. 6- النفوذ الصهيوني. 7- انتقام الله تعالى لرسوله. 8- واجب المسلمين تجاه هذا الحدث.

وبعد: فإن الله أمر بالتقوى في السر والجهر والخفاء والعلن؛ لأنه سبحانه يسمع النجوى، ويعلم السر وأخفى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70، 71] .

اللهم إنا نعوذ بك من أن نقول كلمة لا ترضاها، ونبرأ إليك من كل زلة غفل عنها القلب أو طاش بها الرأي، ونضرع إليك أن تجعل حياتنا كلها وأوقاتنا كلها وأعمارنا كلها خدمة لك ولدينك ولكتابك.

وبعد:"أن تجيءَ متأخرًا خيرٌ من أن لا تجيء"، كان هذا ما انقدح في ذهني وأنا أقلّب النظر في هذا الموضوع الخطير. كنت أمرُّ بحالةٍ غريبةٍ من الذهولِ الفكريّ والجمودِ الروحيِّ، ألهتْني عن متابعةِ الحدثِ في وقتِهِ والتعليقِ عليه في إبّانِهِ. غيبوبةٌ هي، إلا أنَّ صاحبها يتحرّك ويمشي ويتكلّمُ ويناقشُ، وانفصالٌ عن الحياةِ تبقى معه الحياةُ، موتٌ كلاَ موتٍ، أو حياةٌ كلا حياةٍ. لا فرقَ، فالأمرُ كما قالَ الشاعرُ:

نهضَ الموتى هوى من لم يمت كالنّعاس الموت لا شيء خرافهْ

ولعلي لم أكنْ وحدي، فقد كان ثمّةَ ذهولٌ عميقٌ يلفُّ العالم الإسلاميّ من أقصاهُ إلى أقصاهُ ، ذهولٌ بدتْ معه كل ردود الفعلِ أشبه بفرقعةٍ خافتةٍ في جوف قبوٍ هائلٍ مظلمٍ، ذهولٌ يشبهُ حالةَ بائسٍ مسكينٍ تخبّطه الضياعُ في متاهةٍ عقيمةٍ، فآنسَ من جانب الجدارِ بابًا ظنّ فيه نجاتَهُ، فلما جاءهُ وجده أشدّ شيءٍ ظلمةً ووحشةً، فانكفأ يلوكُ بين شدقيهِ عبارة:"إلى متى؟!".

ثلاثةُ أشهرٍ وعشرونَ يومًا مرّت منذ أن تجرّأت صحيفةُ"جيلاندز بوستن"الدانمركيّة على الإساءةِ لنبيّنا أشرفِ مخلوقٍ وأطهرِ إنسانِ وأرفع من خطا على هذه البسيطةِ. فهذه مائةٌ وعشرةُ أيامٍ أو ألفانِ وستمائةٍ وأربعون ساعةً تصرَّمتْ على هذه الفعلةِ الشنيعةِ، ثم أجيءُ أنا اليومَ بعد كلّ هذا الوقت لأتكلّم عنها!! تبًّا، أيُّ غفلةٍ هذه؟! وتبًّا مرةً أخرى، فأنا لم أكن الغافلَ وحدي، كانت عيناي طوال هذا الوقتِ تعبرُ الوجوهَ، وأذناي تلتقطُ الكلماتِ، وبصري يلتهم السطورَ، فلم أرَ سوى نَأَماتٍ هنا وهناك تنادي بصوتٍ مخنوقٍ يوشك أن يضيعَ وسط هدير الحياةِ الداوي.

في عامِ اثنين وتسعمائةٍ وألفٍ للميلادِ تجرّأ السياسيّ والمؤرّخُ الفرنسيُّ هانوتو على القولِ بأنّه لا دواءَ للتعصّب الإسلاميِّ إلا نسفُ قبرِ النبيِّ محمد. يومها مادَتِ الدّنيا وارتجّتِ الأرضُ، وكان الأمر على ما وصف أحمد محرّم:

غضب الْحماةُ لدينِ أحمدَ غضبةً نُصِرَ الإله بها وعزَّ الْمصحفُ

هاج الْحماةُ فهاجَ كلُّ مشيعٍ عجلِ الوقائعِ بالفوارسِ يعصفُ

ضجت شعوب الْمسلمين وراعهم ظلمُ الأُلى لولا السياسةُ أنصفوا

واضطرَّ هذا الوقح لأن يرجع عن رأيه في خطابٍِ رسميٍّ ألقاهُ من بعدُ.

وها نحنُ اليومَ نرى التطاولَ على ذاتِ النبيِّ ، لا على قبرِهِ فحسبُ، فما الذي حدث؟! لم تتراجعِ الدانمارك، بل أقدمت مجلّة نرويجيةٌ على إعادة نشر الصورِ ذاتِها بعد مائةِ يومٍ وفي يوم عيد الأضحى مشفوعًا بتعليقٍ لرئيس التحرير يقول فيه:"إنّ حريّة التعبير في منطقتنا مهدّدةٌ من دين ليس غريبًا عليه اللّجوء إلى العنف". ألم أقلْ لكم: إنّها حالةُ ذهولٍ غريبةٍ لم أكنْ فيها وحدي؟!

دعوني بعد موجةِ الارتباكِ هذه ألَملِم أطرافَ الموضوعِ وأروي لكم الحكايةَ من أولها:"في الثلاثين من شهر سبتمبر أيلول الماضي الموافق للسادس والعشرين من شعبان من هذا العام الهجريّ نشرت صحيفة"يولاندز بوسطن"ـ وهي من أوسع الصحف اليوميّة انتشارًا في الدنمارك ـ اثني عشرَ رسمًا ساخرًا كاريكاتوريًا للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، أقلُّ ما توصفُ بها أنها بذيئةٌ ومنحطّة إلى أبعد الحدود، ومع الرسوم نشرت الصحيفة تعليقًا لرئيس تحريرها عبّر فيه عن دهشته واستنكاره إزاء القداسة التي يحيط بها المسلمون نبيَّهم، الأمر الذي اعتبره ضربًا من الهراء الكامن وراء جنون العظمة، ودعا الرجل في تعليقه إلى ممارسة الجرأة في كسر ذلك"التابو"، عن طريق فضح ما أسماه:"التاريخ المظلم"لنبيِّ الإسلام ـ أظلمَ الله عينيكَ يا دعيّ ـ، وتقديمِهِ إلى الرأي العام في صورته الحقيقية التي عبّرت عنها الرسوم المنشورة".

أحد هذه الرسومُ ـ وقد رأيتُها بنفسي ـ يظهرُ فيه النبيُّ وعلى رأسه عمامةٌ ملفوفةٌ حول قنبلةٍ مشتعلة الفتيل، والآخرُ صُوّر فيها النبيّ رجلًا بربريًا يحمل خنجرًا ضخمًا ووراءه امرأتان تلفّعتا بالسوادِ في إشارةٍ بذيئةٍ لساديّةٍ مقيتةٍ، ويظهرُ في الرسمِ الثالثِ راعيًا بليدًا وراءَه غنمةٌ واحدةٌ لا يحسن تدبير أمرها.

وحين قدّم المسلمون في الدانمارك ـ مواطنين ومقيمين ودبلوماسيين ـ احتجاجًا إلى رئيس الوزراء رفض مقابلتهم بدَوره، وأبلغهم من مكتبه بأنّ الأمر يتعلق بحرية التعبير التي لا تتدخّل فيها الحكومة، وقيل لهم: إن بوسعهم اللّجوء إلى القضاء إذا أرادوا.

كتب الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي خطابات عديدة لحكومة الدانمارك وللاتحاد الأوروبي، وكان الجوابُ ولا سيما من الجانب الدانماركي أن قضية حرية التعبير تمثل ركنًا أساسيًّا في الديمقراطية الدنماركية، الأمر الذي اعتبر رفضًا لاتخاذ موقف إزاء الحملة.

أسفر اجتماع القمّةِ الأخيرِ في مكةَ عن توصيةٍ تشير إلى القلق إزاء الحملات الإعلاميّة المسيئة إلى الإسلام ونبي المسلمين، وقرّرت منظمة المؤتمر الإسلامي إعلان مقاطعتها لمشروع دنماركي، يتمثّل في إقامة معرض كبير تحت عنوان:"انطباعات عن الشرق الأوسط".

تحركت وفود شعبية من الدانمارك وطافت بلدان العالم الإسلاميّ، أصدر الأزهر وغيره من المؤسسات الإسلامية الكبرى بيانات تدين ما حدث.

وفي النهايةِ كان غايةُ ما تفضّل به رئيس الحكومة الدانماركية أن أشار في كلام مقتضب إلى أن حكومته تدين أيّ تصرف يسيء إلى مشاعر جماعة من الناس.

وهكذا بكل استخفاف ظنّ سيادتُهُ أن الموضوعَ قد سُوِّيَ، وأنّ الجرح الغائر الذي فتقَته مجلةُ"جيلاندز بوستن"ونكأته مجلة"ماغازينت"قد شُفي، ونسي أو تناسى أن هذه الرسومات ما هي إلا جزء من"الحملة الدانماركية"ضد الإسلام، بدءًا من التصريح الذي نقل على لسان ملكة الدانمرك"ماجريت الثانية"، والذي قالت فيه:"إن الإسلام يمثّل تهديدًا على المستويَين العالمي والمحلّي". وخلطت فيه الملكة بين المتطرفين وبين الإسلام، وحثّت حكومتها إلى عدم إظهار التسامح تجاه الأقلية المسلمة، وانتهاءً بمواقع الإنترنت التي يطلقها دانمركيون أفرادًا ومؤسّساتٍ خاصةً تحذر من السائقين المسلمين لأنهم إرهابيون وقتلة، ومرورًا بقول النائب الدانماركيّ:"إن الإسلام منذ بداياته كان عبارة عن شبكة إرهابية"، وبالحملة العامّة في الصحف ومحطة التلفاز العامة التي أعلنت الحرب ضد الإسلام والمسلمين.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، يا أشرف الخلائقِ، ما أهونَ من ينالُ منك، وما أشرفكَ أنتَ.

أتهجوه ولست له بكفءٍ؟! فشرّكما لخيركما الفداءُ

يا من هو أولى بنا منّا، النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ [الأحزاب:6] . يا من جعلك الله خاتم النبيين، مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب:40] . يا من جعلك الله أسوة للعالمين، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] . يا من بعثك ربك رحمةً للبشرِ أجمعين، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [الأعراف:157] . يا من توعّد اللهُ من آذاك بالعذاب المبين: والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:61] . يا من أُمِرْنا بتقديم حبه على كل محبوبٍ: قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ وإخْوَانُكُمْ وأَزْوَاجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ومَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ [التوبة:24] ، (( ثلاثٌ من كن فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما... ) )روه الشيخان، ألم تقل لنا يا أحبَّ الناسِ: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) )؟! ألم تقل: (( أحبّوا الله لما يَغذوكم من نعمه، وأحبوني لحبّ الله إياي ) )رواه الترمذي وقال:"حسن غريب"؟!

صلى عليكَ اللهُ يا علمَ الْهدى

يا نورًا أشرقَ ذاتَ مساء

يا نبعًا باغت عطشَ الصحراءِ

فأيقظها خفقُ حياةٍ أنطقَ صمتَ الأحشاء

يا أملًا كحّل عين الفجرِ فرأرأ مبهورًا

يبصرُ كيف الليلُ يجرُّ ثيابَ الخزيِ يفرُّ بلا إبطاء

يا أحمدُ، يا خفقةَ روحٍ في زمنٍ نسيَ الإنسانُ به معنى الإنسانْ

يا نفحةَ عطرٍ تحملُ طُهرَ الوحيِ إلى كل مكانْ

يا رايةَ عدلٍ حينَ أقالَ الظلمُ العدلَ بحجّةَ أنَّ الظّلم إذا عمَّ تساوى فيه الناسُ فقامَ العدلُ بلا ميزانْ

صلى عليك الله ما صحب الدجى حادٍ وحنّت في الفلا وجناءُ

بك بشر الله السماء فزينت وتضوعت مسكًا بك الغبراءُ

المصلحون أصابعٌ جَمعت يدًا هي أنت بل أنت اليد البيضاءُ

اللهم صل وسلم على نبيك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبِهِ أجمعين.

هذا هو نبينا نحبُّهُ كأنفسِنا، بل فوق أنفسنا، فقد جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن هشامٍ قال عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال: (( لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك ) )، فقال عمر: فأنت الآن والله أحبّ إليّ من نفسي، فقال: (( الآن يا عمر ) ).

هذا هو نبيّنا الذي تطاول عليه الأرذلونَ جهلًا أو حماقةً أو صلفًا. أنا أعلمُ أن الغيظ الآن يغلي في قلوبكم كما يغلي في قلبي، وأعلمُ أنّ شعورًا حارقًا يجري في أوردتكم كما يجري في أوردتي، وأعلمُ كذلك مقدار الوجعِ الذي ينطوي عليه كل قلبِ صادقٍ منكم، أعلمُ ذلك لأنني أعلمُ مكانةَ النبيِّ في قلوبكم، لكنني سأطلبُ منكم مكرهًا أن تضعوا هذه المشاعر كلها في ثلاجةٍ لبعضِ الوقتِ، لبعضِ الوقتِ فقط، واعذروني على هذا الطلبِ المجنونِ، فقد بدأت الحديثَ ذاهلًا، وسأبقى فيما يبدو ذاهلًا. أريدُ أن نفيقَ قليلًا من هولِ الصدمةِ ـ وما أهولها ـ لندرسَ بعض آثارِها ونقتبسَ بعضَ عبرها.

هل سمعتُمْ من قبلُ عن قانون"معاداة السامية"؟! إنه القانون الذي وقّعه بوش قبل انتخابه الثاني عام 2004م بضغطٍ من اللوبي اليهوديّ، ويقضي بوجوب منعِ كل نشاطٍ معادٍ للساميّةِ، والسامية هنا اليهودُ أو الصهيونية أو إسرائيل. بموجبِ هذا القانون تصبحُ الدولُ كلها ملزمةً برصدِ أي نشاطٍ تشمّ منه رائحة المعاداة للسامية، ومن ثمّ تقديم صاحبِهِ للعدالةِ لينال جزاءه، وسيكونُ من معايير الولايات المتحدة في تعاملها مع دول العالم مدى التزامها بهذا القانون الغريب. وبالمختصر المفيد تتحول أمريكا بموجب هذا القانون إلى شرطي عالميّ لإسرائيل.

وأقرأ عليكم هذا النصّ من تقرير معاداة السامية المنشور في الموقع الرسمي للخارجية الأمريكية بقليل من التصرف في عبارة الترجمة:"اللاسامية هي بُغض اليهود كأفراد أو كمجموعة، بشكل يمكن عزوه إلى بغض الديانة اليهودية أو الإثنية اليهودية... فتصوير إسرائيل على أنها شبه شيطان والحطّ من قدر الزعماء الإسرائيليّين وتشويه سمعتهم أحيانًا من خلال مقارنتهم بالزعماء النازيين ومن خلال استخدام الرموز النازية لتصويرهم بشكل كاريكاتوري يشير إلى وجود تعصّب ضد السامية لا إلى انتقاد صحيح مشروع لسياسة تتعلّق بقضية مثيرة للجدل".

هل فغرتم أفواهكم عجبًا؟! افغروها زيادةً وأنتم تقرؤون الفقرة التالية من التقرير عن معاداة السامية في المملكة بلدِ الحرمينِ:"كانت هناك حوادث متكرّرة قام فيها الخطباء في الجوامع الذين تدفع الحكومة مرتباتهم باستخدام عبارات شديدة المعاداة لليهود في خطبهم، وفي حين أن وتيرة تكرر هذه التعابير تقلصت منذ هجمات أيار مايو 2003م في الرياض، إلا أنه استمر وقوع حوادث ابتهل فيها خطباء الجوامع من أجل موت اليهود، بما في ذلك الجامع الكبير في مكّة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة".

حسنًا أعلمُ يقينًا أن هذا القانون سارٍ تمامًا في الدانمارك والنرويجِ وفي أوروبا كلها دون أن يكون في تطبيقه تأثير على حرية التعبير التي لا تتدخل فيها الحكومة كما قال رئيس الوزراء الدانماركي جوابًا على احتجاجات المحتجّين على الإساءةِ لنبيّنا.

مزيدًا من الدهشةِ أيها السادة، أعودُ بكم إلى الوراء، إلى أكثر من ستين سنةً مضت حين حاول مؤرخٌ وصحفيٌّ بكل حياديةٍ مهنية وأدبٍ خطابيّ أن يقدّما للعالم الدليل الواضح على بطلانِ خرافة المحرقة النازيّة لليهودِ. ما الذي حصل لهما؟! أما الأول فقد اختفى كتابه واختفى هو كلّيّا من الحياة العامةِ ودفنه النسيان حيًّا، وأما الآخرُ فقد جُرَّ جرًا وضُرب ضربًا مبرّحًا وهو يتناول إفطاره في أحدِ المطاعم الشهيرة في لندن.

وأوشكَ حزبٌ كاملٌ أن يخرج من الحياة السياسية الألمانية لأنّه قبل في عضويّتِهِ رجلًا قال:"إن الأساليب التي يتّبعها الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة تشبه الأساليب النازية". أما رئيس الحزبِ المسكينِ فقد خسر كل فرصةٍ له في تولي منصبٍ وزاريٍّ حتى لو فاز حزبُهُ.

ويكتبُ جارودي المفكّر الفرنسي المسلم المشهورُ في صدرِ كتابه عن أساطير إسرائيل (ص13) :"بعدما يربو على نصف قرن صدرت خلاله مؤلفاتي عن كبريات دور النشر الفرنسية أجدني مضطرّا اليوم لأن أصدر هذا الكتاب على نفقتي لأنني أقدمت على انتهاك حرمة أحد المقدسات، ألا وهو انتقاد السياسة الإسرائيلية".

وبعد هذا كله لن تتعجب إذا علمتَ أن أشدَّ الأوروبيين عداوةً لطغيانِ إسرائيلَ وفي أكثر الدول الغربية ديمقراطية يُضطرُّ لأن يلامس بشفتيه أذنَ صاحبِهِ إذا أراد أن يبوح ببعض أفكارِهِ.

هكذا إذًا أفلح اليهودُ في جعل رموزهم ومقدّساتهم وحتى أساطيرهم تحت حمايةٍ عالميّةٍ رهيبةٍ لا يجرؤ أحد على مسّها إلا بعد تفكير طويل، طويلٍ جدًا.

سامحوني إذا أثقلت عليكم بالأسماء الأعجميةِ والحكايات وخرجت بكم عن نفس الخطبة المعتاد، ولكنني فعلًا أكادُ أجنُّ من هذه الهيبةِ التي فرضها اليهودُ لهم ولكل ما يتعلّق بهم، على حين أننا اليوم نئنّ من الطعنِ في أشرفِ البشرِ أجمعينَ، ولا يكادُ يستمع إلينا أحدٌ؛ لذلك قلت لكم: لنضع مشاعرنا بعض الوقت في ثلاجةٍ في محاولةٍ للفهمِ.

إنَّ ما يزدادُ عندي رسوخًا على مرّ الأيامِ أنَّ القوةَ هي التي صنعتْ لليهودِ كلّ هذا. وحتى لا يطير بها فرِحٌ عجلانُ يبغي الوقعيةَ أو متهيّجٌ متميّزٌ غيظًا يبغي الإذن بالفتكِ أبيّن أن مقصودي بالقوةِ هنا القوة الشاملة: الحضورَ العالمي الفاعل، صناعةَ الحياةِ.

دائمًا نتهمُ أمريكا بأنها تقف مع اليهودِ، لكننا لم نسأل أنفسنا قطُّ: كيف استطاع اليهودُ أن يجعلوا أمريكا تقف معهم؟ كيف حوّلوا هذا الوحش الجبارَ ليكون أداة طيعةً في أيديهم؟ هنا سرّ اللعبة اليهوديةِ التي أُديرتْ بنجاحٍ.

استطاعَ اليهودُ أن يمسكوا بزمامِ التجارةِ والصناعةِ والإعلامِ والسياسةِ فصنعوا ما صنعوا، ولو ذهبتُ أحدثكم هنا عن نفوذ اليهودِ في هذه المجالات وما يمتلكونه لأمسى المساءُ وما انتهينا. لقد خرج اليهودُ بعد الحرب العالميةِ محطّمين منبوذين مكسورين، ولكنهم واجهوا واقعهم، تحمّلوا، صبروا، تشتّتوا، تمرّسوا، فصنعوا ما صنعوا.

أجِل بصرك الآن في الواقع الحضاري للأمةِ ماذا ترى؟ كيف نريدُ لأمّةٍ لا تمسكُ بأي مفصل من مفاصل الحضارةِ أن تفرض احترامها على الآخرين؟! صدقوني، حتى الجهادُ وحده لن يحلَّ المشكلةَ، أن يتناثر شهداؤنا في كلّ أرضٍ بعد إثخانٍ في العدوِّ لا يعني أننا ربحنا كل شيءٍ، وإن كنّا ربحنا أشياءً.

إننا نخوضُ مع عدوّنا معركة الحياةِ تمامًا كما نخوض معه معركةَ الموتِ، وحينما يتناسقُ نغمُ صناعِ الموتِ الكريم مع نغم صناعِ الحياةِ الكريمةِ نستطيعُ أن نقولَ: لا، فيلتفت العالمُ مضطرًا باحثًا عن سبيلٍ لإرضائنا.

هذا أولُ درسٍ عميقٍ يجبُ أن نتعلّمه مما جرى، وبنهايتِهِ يتوجّبُ عليَّ أن أقفَ فقد امتدَّ بي الحديثُ.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

أيها الأحبةُ، رغمَ كل ما أسلفتُ إلا أنني أبشركم ببشارةٍ ربانيّةٍ كريمة: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:3] . قال ابن كثير:"أي: إن مبغضك ـ يا محمد ـ ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأقل الأذل المنقطع".

إنها شهادةُ حمايةٍ ربانيةٍ، وانتقام من الله لكل من آذى نبيه ، قال ابن تيمية رحمه الله:"إنَّ الله منتقمٌ لرسوله ممن طعن عليه وسَبَّه، ومُظْهِرٌ لِدِينِهِ ولِكَذِبِ الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحدّ. ونظير هذا ما حَدَّثَنَاه أعدادٌ من المسلمين العُدُول أهل الفقه والخبرة عمَّا جرّبوه مراتٍ متعددةٍ في حَصْرِ الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نَحْصُرُ الحِصْنَ أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنعٌ علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرّض أهلُهُ لِسَبِّ رسولِ الله والوقيعةِ في عرضِه تَعَجَّلنا فتحه وتيَسَّر، ولم يكد يتأخّر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لَنَتَبَاشَرُ بتعجيل الفتحِ إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظًا عليهم بما قالوا فيه. وقد شاهدنا أثر هذه الحمايةِ الربانيةِ في السيرة النبوية، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( ألا ترونَ كيف يَصْرِفُ الله عنِّي شَتْمَ قريشٍ ولعنَهم؟! يشتمون مُذَمَّمًا، ويلعنون مُذَمَّمًا، وأنا مُحَمَّدٌ ) ). فنَزَّه الله اسمَه ونَعْتَه عن الأذى، وصرف ذلك إلى من هو مُذَمَّم، وإن كان المؤذِي إنما قصد عينه".

ومن شاهد الرسوم المقصودةَ أدرك أنها لا تمتُّ لنبيّنا بشيء لا شكلًا ولا سمتًا ولا هيئةً ولا رمزًا، فكان ذلك كشتم المشركين لمذمَّمٍ، أذًى أصابَ غير المراد.

أيها الأحبةُ، لستُ متوجّهًا هنا إلى التفصيل في بيانِ عظمةِ النبيِّ وانتفاءِ تلك التهم الحقيرةِ عنه؛ لأنني أخاطب مسلمين يعرفون قدر نبيّهم ، ويدركون جوانبَ عظمتِهِ وإنسانيّتِهِ، ويفهمون جيدًا مقدار ما أحدثه عليه الصلاة والسلام في حياة البشرية من تغييرٍ، ولكنني أتساءلُ: إلى أي مدى أفلحنا في نقل هذه الصورةِ العظيمة لنبيّنا إلى العالم؟!

إنني رغم كل ما أسلفتُ أومنُ أن البشرَ لا يكونون شيئًا واحدًا، وأن هذا المزيج البشريّ المعقّد في الدانمارك وغيرها من دول العالم لا يمكنُ أن يكون كلّه مطبقًا على تعمد الإساءة، يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ [يونس:31] . لا شكّ أن هناك عقولًا مضلَّلة تحتاج فقط إلى من يبصّرُها.

ومشكلتنا أننا لم نكن في كثير من الأحيانِ سفراءَ خير لديننا ونبيّنا، حملنا صورةً مشوّهةً عبر مسلكَين متباينَين: مسلك الشهوانيّين الذين لا يرى منهم الآخرُ إلا العربدةَ والفجور والكذب والغش والخداع، ومسلك المغالين الذين لا يرى منهم الآخرُ إلا التفجير والتدمير والترويع أو على أقلّ تقدير العبوس المطلق والفظاظة. وبين هذين خسرنا قلوبًا كان يمكنُ أن تكون مسلمةً، أو على الأقل نصيرةً للإسلامِ.

فهل نجدد هنا النظر بشيء من التأمل لقوله تعالى: ولا تَسُبُّوا الَذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:108] ؟!

أرجو أن لا يسردَ لي أحدٌ قائمةً طويلةً بجرائم الآخر، فنحن نعلمُها جميعًا، لكننا نبحثُ هنا عما يجب أن نفعله نحن، لا عما يجبُ أن يفعله غيرنا. وما دمنا في سياق الواجب الذاتي فلنختم حديثنا بتركيز معانيه، ما واجبك أيها المسلم؟

أولا: التحرق والتألمُ لما أصاب نبيّك من عدوانٍ مقيتٍ.

ثانيا: الدعاءُ على الظالمين المعتدينَ.

ثالثا: الإسهامُ في تحريك القضيةِ بكتابةٍ في صحيفة أو موقعٍ، أو بنشر رسالة جوالٍ، أو بإلقاءِ كلمةٍ في جامعٍ أو مجلسٍ خاص أو عام، أو على الأقل بتحديث أولادكَ بما فعله أولئك المجرمونَ.

رابعًا: اغتنام الفرصةِ لتربيةِ الأبناء والتلاميذ بل والمجتمع على حبّ النبيّ ، وتذكر كيفية حب الصحابة له وافتدائهم إياه بأرواحهم رضي الله عنه.

خامسًا: المقاطعةُ، ببساطةٍ شديدةٍ اترك كل شيء يسعك تركُهُ مما أنتِج في ذينك البلدينِ حتى يعتذرا، ولك سندٌ شرعيٌّ من فعل النبيّ ، ثمّ سندٌ سياسيٌّ من فعل منظمة المؤتمر الإسلاميّ. لن أسمّي شيئًا من المنتجاتِ خشية الخطأ، ولكن بلد المنشأ لكلّ منتجٍ معروفٌ. احتسب ما وسعك والله يأجرك.

سادسًا: الاجتهادُ في مراسلةِ الخارجية الدانماركية والنرويجية والجهات المسؤولة في الاتحاد الأوروبي، وكذا الصحافة الدانماركية والنرويجية، وستجدُ عبر الشبكة العنكبوتية طرقًا عديدةً لذلك.

وسامحوني على الإطالة، لكن أقلُّ ما نفعلُهُ دفاعًا عن نبينا أن نتكلم ونسمعَ، وأمَلي أن لا يكون هذا نهاية المطافِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت