فهرس الكتاب

الصفحة 3606 من 5777

التباشير بأن المستقبل للإسلام

العلم والدعوة والجهاد

قضايا دعوية, محاسن الشريعة

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-وعد الله تعالى عباده المؤمنين بالتمكين في الأرض. 2- بعض الأحاديث المبشرة بانتشار الإسلام. 3- شهادات رجال الغرب بتميّز شريعة الإسلام. 4- بعض تباشير الواقع التي تؤكد أن النصر للإسلام.

قال الله عزَّ وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33] .

أيُّها المسلمون، إنَّه برغم ما يُكاد به دينُ الإسلام فإنَّنا نعتقد جازمين أنَّ المستقبل للإسلام، وأنَّ جميع ما يناقض الإسلام فمصيره إلى الزوال، وأنَّ كلَّ طرح يعارضه فنهايته إلى الاندثار والاضمحلال، لأنَّ سنَّة الله تعالى قضت بأنَّ البقاء للأصلح، والإسلام هو المرشَّح الأصلح لقيادة العالم في المستقبل.

وليس الاعتقاد بأنَّ المستقبل للإسلام مجرَّدَ أمنيَّة نابعة من العاطفة الدينيَّة لدى المسلمين، بل إنَّ ذلك حقيقة ثابتة، بشَّرت بها نصوص من الكتاب والسنَّة، وظهرت بعض تباشيرها في الأفق، وإلى بيان ذلكم أقول: إنَّ الله تبارك وتعالى قد بشَّر أهل الإسلام ووعدهم بأنَّه سيمكِّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأنَّه سيظهره على سائر الأديان، فقال الله عزَّ وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33] ، ففي الآية بشرى عظيمة لأهل الإسلام، بأنَّ الله تعالى سيظهر دينه على سائر الأديان، فتكون الغلبة والنصر والتمكين لأهله.

وهذا الظهور لا شكَّ قد تحقَّق منه جزء بعد وفاة النبيِّ ، في زمن الخلفاء الراشدين، ثمَّ اتَّسعت دائرة الظهور بعدهم، ولكنَّ ذلك لم يتحقَّق بعدُ تامًّا كما وعدت به الآية، لأنَّ عائشة رضي الله عنها أخبرت عن رسول الله أنَّه قال: (( إنَّه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثمَّ يبعث الله ريحًا طيِّبةً فيَتوفَّى كلّ من كان في قلبه مثقالُ حبَّة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم ) )رواه مسلم وغيره.

فدلَّ هذا الحديث على أنَّ ما وعد الله به في الآية من النصر والتمكين كائن منه ما شاء الله إلى قبيل قيام الساعة، ويستفاد من هذا أنَّ الذي تحقَّق منه في عصر الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين من بعدهم على فترات متقطِّعة وفي أماكن متفرِّقة من العالم الإسلامي ليس إلاَّ جزءًا من هذا الوعد الإلهي الصادق.

وإنَّ ممَّا يؤيِّد هذا ويزيده أكثر وضوحًا ودلالةً على استمرارية المدِّ الإسلامي واتِّساعه في المستقبل حديث ثوبان مولى النبيِّ أنَّ النبيِّ قال: (( إنَّ الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنَّ أمَّتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ) )رواه مسلم وغيره.

وقد ورد ما هو أوضحُ من هذا الحديث وأبينُ منه وأشمل، وذلك ما حدَّث به تميم الداري رضي الله عنه عن النبيِّ قال: (( ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلاَّ أدخله الله هذا الدين، بعزِّ عزيز، أو بذلِّ ذليل، عزًّا يعزُّ به الإسلام، وذلًا يذلُّ به الكفر ) )رواه أحمد وغيره بسند صحيح على شرط مسلم.

فهذا يدلُّ على أنَّ الأمَّة الإسلامية سوف تسترجع عزَّتها وقوَّتها وخلافتها حتَّى يظهرها الله على سائر الأمم والملل، وتكونَ هي المسيطرةَ على جميع أهل الأرض، لأنَّ الليل والنهار يحيطان بكرة الأرض كلِّها، ويبلغان مشارقها ومغاربها بأسرها.

وهذا يقتضي أن يكونَ المسلمون قد تخطَّوا مرحلة التخلُّف والهوان والذلِّ، وأتمُّوا بناءهم الحضاري، فيكونون أقوياء في دينهم وأقوياء في مدنيَّتهم، حتَّى يمكِّنهم الله من عدوِّهم، ويظفرهم به، وينصرهم عليه، وهذا ما يبشِّر به حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه أحمد وصحَّحه الحاكم والذهبي، قال: سئل رسول الله: أيُّ المدينتين تفتح أوَّلًا أقسطنطينيَّة ـ أي: إسطنبول ـ أم رومية ـ أي: روما ـ؟ فقال: (( مدينة هرقل تفتح أولا ) )، يعني إسطنبول، وقد تمَّ ذلك على يد محمَّد الفاتح العثماني منذ سبعة قرون، وسوف يتحقَّق ـ ولا شكَّ ـ الجزء الثاني من الحديث كما تحقَّق أوَّله بعد ثمانية قرون من الإخبار عنه، وذلك من معجزاته الدَّالة على صدق نبوَّته.

وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المسلمين إنَّما يفتحون مدينة روما باستنفار الخليفة، وهذا يبشِّر بعودة الخلافة التي هي رمز الوحدة الإسلامية.

نعم قد بشَّر بذلك صراحةً حديث حذيفة بن اليمان عن النبيِّ قال: (( تكون النبوَّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثمَّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثمَّ تكون خلافة على منهاج النبوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمَّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثمَّ تكون ملكًا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثمَّ يرفعها الله إذا شاء الله أن يرفعها، ثمَّ تكون ملكًا جبريًّا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمَّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثمَّ تكون خلافة على منهاج النبوَّة ) )، ثمَّ سكت. رواه أحمد وغيره بسند جيد.

ففي الحديث تصريح بعودة الخلافة على منهاج النبوَّة في آخر الأمر كما كانت في أوَّله، وأنَّ ذلك يكون في مستقبل التاريخ ونهايته، لأنَّه لمَّا يتحقَّق.

فيا أيُّها المسلمون، بشراكم بشراكم، فهذه النصوص تكشف لكم بجلاء أنَّ المستقبل لدينكم، وقد وعد الله بذلك فقال عزَّ وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ [النور:55] .

وإنَّ هذا الوعد الإلهي بتمكين الإسلام واستخلاف أهله لا شكَّ في صحَّته وصدقه، ومن أصدق من الله قيلا؟! ولكنَّه مشروط هنا وفي نصوص أخرى بإصلاح الناس ما بأنفسهم، فهل أصلحنا ـ يا عباد الله ـ ما بأنفسنا؟! هل نحن مؤهَّلون لهذا الوعد الإلهي الكريم؟! فلينظر العاقل إلى نفسه، هل حقَّق شرط الله عزَّ وجل من عقائد الإيمان والأعمال الصالحات؟!

إذًا فردُّ الإسلام إلى منصَّة الحكم وتمكين الدين لأهله لا يتحقَّق بمجرَّد السعي السياسي، بل السعي السياسي الرشيد يقتضي أن يكون البدء بإصلاح ما بنا وتدارك الخلل في عقائدنا وأعمالنا، وإذا نحن لم نفعل فسيذهب الله بنا ويأتي بقوم آخرين، فيصلحون ما بأنفسهم ويوفِّي لهم بوعده.

إذا ثبت من جهة النصوص أنَّ المستقبل للإسلام فإنَّ الواقع يشهد أيضًا بهذه الحقيقة، فنهاية التاريخ للإسلام ولا ريب، وكلُّ التنبُّؤات المخالفة لهذا لا تقوم على أساس علمي، سواء في ذلك الشيوعيون أصحاب نظرية المادِّية الجدليَّة الماركسية أو العلمانيون اللائكيون وأنصار الفكر الغربي والحضارة الغربيَّة.

وقد تنبَّه كثير من مفكِّري الغرب وزعمائه السياسيين بأنَّ الحضارة الغربية تسير نحو الزوال، وأنَّ الألفيَّة الثالثة هي ألفيَّة صراع الأديان، وأنَّ الإسلام هو أحظى الأديان المرشَّحة للظهور والهيمنة في المستقبل. ولا أطيل بنقل شهاداتهم بذلك، وقد شهد بهذا أيضًا مفكِّرو المسلمين.

ويؤكِّد هذه الحقيقة صدور الاعترافات الرسميَّة العالميَّة بصلاحيَّة شريعة الإسلام للعصر الحديث، وتميُّزها عن سائر الشرائع الوضعيَّة بما يبوِّئها المكانة العليا على جميع الشرائع البشريَّة التي عرفها العالم الحديث، وأنَّها في طليعة المصادر الصالحة لسدِّ حاجات التشريع الحديث.

ولا أريد أن أطيل هنا بنقل شهادات الفقيه القانوني الألماني كوهلر ( Kohler ) والأستاذ الإيطالي ديلفيشيو ( (Delvechio والعميد الأمريكي ويكمور( Wigmore ) والأستاذ الفرنسي لامبير ( Lambert ) والأستاذ الكبير الفرنسي دونيديو دو فابر ( Donnidieu de vabres ) ، ولكن لا أغفل المقام من ذكر ما يلي:

يقول العلامة القانوني سانتيلانا:"إنَّ في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين في تشريعهم المدني، إن لم نقل إنَّ فيه ما يكفي الإنسانيَّة كلَّها".

وفي شهر جمادى الآخرة من سنة 1356هـ الموافق لسنة 1937 م انعقد مؤتمر القانون المقارن بمدينة لاهاي، فسجَّل المؤتمرون قرارًا بالإجماع على أنَّ الشريعة الإسلاميَّة حيَّةٌ وقابلة للتطوُّر، وأنَّها مستقلَّة قائمة بذاتها غير مأخوذة من تشريع آخر. وقد كان ذلك قرارًا تاريخيًّا بالنسبة لرجال التشريع الأوربي.

ثمَّ نحن لا نزال نسمع بعض المنافقين في بلادنا وغيرها من بلاد الإسلام ينادون بفصل الشريعة عن الحياة وفصل الدين عن الدولة، لتكون لائكيَّة علمانيَّة لا حظَّ فيها لشريعة الإسلام من قرار واشتراع.

ومن التباشير التي لا تزال تلوح في الأفق وتبرهن بوضوح على استمراريَّة المدِّ الإسلامي وسيره سيرًا طبيعيًّا نحو الاستحواذ والهيمنة على جميع الكرة الأرضية ما يُرى من الدخول المتزايد في الدين الإسلامي، باستمرار دون انقطاع، وفي مغارب الأرض ومشارقها، في شتَّى مواقع العالم، سواء في ذلك النخبة العلميَّة والطبقات المثقَّفة أو الطبقات العاملة.

وإلى جانب هذا المدِّ الإسلامي خارج ديار المسلمين يلاحظ أيضًا العودة الجماعيَّة إلى الدين في ديار المسلمين، والصحوة المباركة التي يشهدها العالم الإسلامي في مطلع القرن الخامس عشر، والتي ألجأت كثيرًا من الأنظمة إلى إعادة النظر في كثير من توجُّهاتها وخياراتها، ومهما كان ذلك ساذجًا أو بطيئًا إلاَّ أنَّه بلا شكّ يسير في الاتجاه الحسن. وهذه إن شئنا قلنا: هي إرهاصات تنبئ بعهد جديد ينتظره العالم، وسيفاجأ به يومًا ما.

وإذا كانت هذه حقيقةً ثابتة فإنَّ ذلك لا يعني التواكل حتَّى يكون الله هو الذي يغيِّر، فإنَّ الله قد جرت سنَّته أنَّه لا يغيِّر ما بقوم حتَّى يغيِّروا ما بأنفسهم، فما ترشد إليه النصوص المتقدِّمة إنَّما الغرض منه تحفيز النفوس وتحريك الضمائر وشحذ الهمم للعمل على جعل المستقبل للإسلام، والنهوض بأعباء ذلك، والاضطلاع بشؤون الدعوة إلى الله، وذلك ما نبيّنه في خطبة لاحقة إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت