الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
قضايا الأسرة, محاسن الشريعة
مهران ماهر عثمان نوري
الخرطوم
خالد بن الوليد
1-حرمة المسلم. 2- لا جاهلية في الإسلام. 3- الوصية بالنساء وشيء من حقوق الزوجين. 4- سفينة النجاة. 5- سؤال الله للرسل وقومهم.
أما بعد: ففي مثل هذا اليوم في حجة الوادع التي ودّع فيها نبي الهدى أمته خطبهم بكلام بليغ وجيز فقال: (( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ـ كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل ـ ، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة، وإنَّ لكم عليهنَّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن غير مبرِّح، ولهنَّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ ) )قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت رسالات ربك وأديت ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: (( اللهم اشهد، اللهم اشهد ) ) [1] .
أولُ وقفة مع قوله: (( إنَّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ) ).
حقوق العباد ـ أيها المؤمنون ـ مبنية على المشاحّة، وهو بهذه الكلمات يحذر من التهاون فيها ويحذر من الظلم.
عن رجل من العرب قال: زحمت رسول الله يوم حنين وفي رجلي نعل كثيفة، فوَطِئْتُ على رجل رسول الله ، فنفحني نفحة بسوط في يده وقال: (( بسم الله، أوجعتني ) )، قال: فبتُّ لنفسي لائمًا أقول: أوجعتُ رسول ، فبت بليلة كما يعلم الله، فلما أصبحنا إذا رجل يقول: أين فلان؟ قال: قلت: هذا والله الذي كان مني بالأمس، قال: فانطلقت وأنا متخوِّف، فقال لي رسول الله: (( إنك وطئت بنعلك على رجلي بالأمس، فأوجعتني، فنفحتك نفحة بالسوط، فهذه ثمانون نعجةً فخذها بها ) )رواه الدارِمي (1/48) وصححه الألباني في السلسلة (3043) ، ثمانون نعجةً ـ يا نبي الله ـ لنفحةِ سوطٍ! فماذا يفعل الذين يأكلون أموال الناس ظلمًا ويقعون في أعراضهم صباح مساء؟!
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ إياس بن ثعلبة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (( مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) )، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ) )رواه مسلم.
ثم حذر النبي من سنن الجاهلية ومسائلها فقال: (( ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع ) )؛ لأنّ من أحيا سنة جاهليةً فهو بغيض إلى الله، بل إنه من أبغض العباد إليه، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: (( أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ ) )رواه البخاري.
وقد كان من هديه أن يخالفهم في كل شيء، فلو أخذنا حجة الوداع نموذجًا اتضح لنا ذلك من خلال الأمثلة التالية:
في التلبية كان الجاهليون يقولون:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، فأهلّ نبي الله بالتوحيد فقال: (( لبيك لا شريك لك لبيك ) ).
في الطواف كانوا يطوفون عراةً إن لم يجدوا ثيابًا جديدةً ولم يُعِرهم قرشي ثوبًا، وكذلك المرأة عندهم، فخالفهم النبي ونزلت الآية: يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: 31] .
من أهلّ منهم لمناة لم يسع بين الصفا والمروة، فجعله النبي ركنًا من أركان الحج.
من القبائح عندهم العمرة في أشهر الحج، فقرن رسول الله ، وأمر بالتمتع، وأعمر عائشة رضي الله عنها، واعتمر أربع مرات، كانت كلها في أشهر الحج.
كانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب، ومن مزدلفة بعد الشروق إذا كانت الشمس على الجبال كعمائم الرجال، فخالفهم نبينا في الأمرين، فأفاض من عرفة بعد الغروب، ودفع إلى منى قبل الإشراق.
وهنا ذكر أمرين من أمور الجاهلية:
الأول: دماء الجاهلية، فقال: (( ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ) )، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل.
(( موضوعة ) )أي: متروكة لا قِصَاص فيها وَلا دِيَة وَلا كَفَّارَة، فقد كان الجاهليون يأخذون بالثأر، فربما قتلوا من قبيلة القاتل أضعافًا، وربما قتلوا غير قاتله، فأبطل ذلك نبينا حقنًا لدماء المسلمين، فحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة المشرفة.
قال أسامة بن زيدِ بْنِ حَارِثَةَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيَّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَقَالَ لِي: (( يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ؟ ) )قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: (( أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ؟ ) )فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. رواه البخاري ومسلم.
ثم قال: (( وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ) ).
المقصود الزيادة على رأس المال، وإنما وضعه لأن من أخذه فقد حارب الله، ومن يقوى على ذلك؟! عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( الرِّبَا سَبْعُونَ حُوبًا، أَيْسَرُهَا أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ ) )رواه ابن ماجه، وقال: (( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية ) )رواه أحمد والطبراني في الكبير.
ثم وقف نبينا وقفة أخرى من شأنها أن تصلح أمورَنا الأسرية وشؤوننا البيتية فقال: (( فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإنَّ لكم عليهنَّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن غير مُبَرِّح، ولهنَّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) ).
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم (4/312) :"وَالْمُخْتَار أَنَّ مَعْنَاهُ أَن لا يَأْذَنَّ لأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ فِي دُخُول بُيُوتكُمْ وَالْجُلُوس فِي مَنَازِلكُمْ، سَوَاء كَانَ الْمَأْذُون لَهُ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا أَوْ اِمْرَأَة أَوْ أَحَدًا مِنْ مَحَارِم الزَّوْجَة، فَالنَّهْي يَتَنَاوَل جَمِيع ذَلِكَ. وَهَذَا حُكْم الْمَسْأَلَة عِنْد الْفُقَهَاء؛ أَنَّهَا لا يَحِلّ لَهَا أَنْ تَأْذَن لِرَجُلٍ أَوْ اِمْرَأَة وَلا مَحْرَم وَلا غَيْره فِي دُخُول مَنْزِل الزَّوْج إِلا مَنْ عَلِمَتْ أَوْ ظَنَّتْ أَنَّ الزَّوْج لا يَكْرَههُ".
عباد الله، شرع في بيان حقوق الزوجين لأنّ الحياة لن يستقيم أمرها وسفينة الزوجية لن تَرْفَأَ في برِّ الأمان ولن تقوى على مقارعة أمواج الحياة العاتية فتتخطاها بسلام إلا بحفظ كل واحد لحق صاحبه. ثلاثة أحاديث أذكّركم بها أيها المؤمنون:
الأولُ أذكر به الزوجة: عن أنس بن مالك قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يَسنون عليه ـ أي: يستقون ـ، وإنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وإن الأنصار جاؤوا إلى رسول الله فقالوا: إنه كان لنا جمل نَسني عليه، وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال لأصحابه: (( قوموا ) )، فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته فمشى النبي نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب نخاف عليك صولته، قال: (( ليس عليَّ منه بأس ) )، فلما نظر الجمل إلى رسول الله أقبل نحوه حتى خر ساجدًا بين يديه، فأخذ رسول الله بناصيته أذلّ ما كانت قطّ حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذا بهيمة لا يعقل يسجد لك ونحن نعقل فنحن أحقّ أن نسجد لك، قال: (( لا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ مِنْ قَدَمِهِ إِلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ قُرْحَة تَنْبَجِسُ بِالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْهُ فَلَحَسَتْهُ مَا أَدَّتْ حَقَّهُ ) )رواه أحمد.
وأما الحديث الثاني فأذكِّر به الزوج: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم ) )رواه الترمذي، ولمسلم: (( إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها ) ). قال النووي في شرح مسلم (5/207) :"وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُلاطَفَة النِّسَاء وَالإِحْسَان إِلَيْهِنَّ وَالصَّبْر عَلَى عِوَج أَخْلاقهنَّ وَاحْتِمَال ضَعْف عُقُولهنَّ وَكَرَاهَة طَلاقهنَّ بِلا سَبَب وَأَنَّهُ لا يَطْمَع بِاسْتِقَامَتِهَا، وَاَللَّه أَعْلَم".
وتأمل ـ يا عبد الله ـ هذه الرواية: عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله: (( إن المرأة خلقت من ضلع، فإن أقمتها كسرتها، فدارها تعش بها ) )رواه ابن حبان. سبحان الله! (( دارها تعش بها ) )، لا بد من المداراة، لا بد من أن تلومَ حينًا وأن تتغاضى أحيانًا، عاتب مرّة واسكت مرات ومرات، أما إذا توقّفنا في حياتنا مع زوجاتنا في كل أمر، في الصغير والكبير، فإن الطلاق لا بد أن يقع، لا بد من التجاوز حتى تستمرّ الحياة ونهنأ بالعيش، لئلاّ يكون البيت جحيمًا لا يُطاق، لا بد أن نعوّد أنفسنا على ذلك، هذا رسول الله دعا أبا بكر فاستعذره من عائشة، فبيناهما عنده قالت: إنك لتقول: إنك لنبيّ! فقام إليها أبو بكر فضرب خدّها، فقال النبي: (( مه يا أبا بكر، ما لهذا دعوناك ) )رواه عبد الرزاق.
ثم أذكّر الزوجين بهذا الحديث: عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهُ فَيَلْتَزِمُهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ ) )رواه مسلم.
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا وإياكم بما فيه من آيات وذكر حكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين، فاستغفروه إنه غفور رحيم.
[1] مجموعة روايات الحديث كما رتبها الألباني رحمه الله في حجة النبي.
أما بعد: فنقف مع آخر جملتين من هذه الخطبة المباركة:
(( وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله ) )، هذه الجملة فيها منطوق ومفهوم:
أما منطوقها: لن يضلّ من تمسك بالكتاب الكريم، وكيف يضل وهو إنما يتبع ما رسمه خالقه الذي هو أعرف بنفسه من نفسه؟! أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14] .
وأما المفهوم: فأنّ الضلال مكتوب على من لا يتبع الكتاب الكريم.
وقد جاء هذا المفهوم وذاك المنطوق في منطوق آيتين في سورة طه حيث يقول سبحانه: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 123، 124] . فمن أراد النجاة فلا سبيل إلى تحقيقها إلا باتباع الكتاب والسنة، أما اتباع غيرهما من آراء الرجال وأفكارهم وأهواء نفوسنا فهذا لا يحقق لنا إلا الضلال المبين.
ثم قال: (( وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ ) )قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت رسالات ربك وأديت ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: (( اللهم اشهد، اللهم اشهد ) ). قال تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: 67] ، يُسأل الناس عما أجابوا، والمرسلون عما بلَّغوا.
وبما شهد به الصحابة إنا لقائلون، وعلى دربهم سائرون، نشهد ـ يا نبي الله ـ أنك قد بلغت وأديت، ما تركت أمرًا يقرب من جنة الله إلا وأرشدتنا إليه، وما تركت جرمًا يبعدنا عن الله إلا وحذرتنا منه، لمَّا قال المشركون لسلمان: عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ! قَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ. رواه مسلم. وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: تَرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاءِ إِلا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا، قَالَ: فَقَالَ:: (( مَا بَقِيَ شَيْءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ ويُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ إِلا وَقَدْ بُيِّنَ لَكُم ) )رواه الطبراني في المعجم الكبير.
اللهم اجمعنا بنبيك عند حوضه واسقنا منه شربة هنيئة لا ظمأ يعقبها...