سيرة وتاريخ
تراجم
محمد بن سليمان المهوس
الدمام
جامع الحمادي
1-مكانة الطفيل بن عمرو في قومه. 2- حرص قريش على تنفير الطفيل عن رسول الله. 3- إسلام الطفيل بعدما حكّم عقله وأبى الانقياد للباطل. 4- اجتهاد الطفيل في دعوة قومه إلى الإسلام. 5- موت الطفيل رضي الله عنه شهيدًا.
أيها الناس، عندما يدخل الإيمانُ في قلوب أهله يصوغهم صياغةً جميلة، في سِيرَهم مرآة صادقة، يتمثل فيها عمقُ الإيمان بالله تعالى، وعمق التسليم بما جاء به رسول الله. وإذا تأملنا حالَ الصحابة رضوان الله عليهم نجدهُم خيرَ البشر على الإطلاق بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، أسلموا فحسن إسلامُهم، وابتلوا بالسراء والضراء والشدة والرخاء، حتى كانوا خيرَ المؤمنين الذين حَمَلوا لواءَ الدعوة إلى الله بكل صدق وإخلاص وأمانة، تسابقٌ بالاتباع، وتنافس بالدعوة والجهاد، قدموا أنفسهم وأولادهم وأموالهم لله وفي مرضاته، ضربوا أروعَ الأمثلة في التضحية والفداء.
ومن هؤلاء ـ عباد الله ـ صحابيٌ جليلٌ وداعيةٌ إلى الإسلام عظيمٌ، من أوائل المؤمنين بالله ورسوله الذين حملوا رسالةَ هذا الدين دعوةً وصبرًا وجهادًا وتضحيةً، إنه الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه وأرضاه.
كان الطفيل بن عمرو الدوسي سيدُ قبيلةِ دَوسٍ بزَهْران في الجاهلية، وشريفًا من أشراف العرب المعروفين، وواحدًا من أصحاب المروءات المعدودين، لا ينزل له قِدرٌ عن النار، ولا يوصد له بابٌ أمامَ طارق، يطعم الجائعَ، ويؤمّن الخائف، ويجير المستجير، أديبٌ أريب، شاعر لبيب، مرهف الحس، رقيق الشعور، بصير بحلو البيان ومُرِّه.
شاء الله تعالى أن يكون هذا الرجل من السابقين إلى الإسلام، غادر الطفيل بن عمرو منازلَ قومِه في تِهَامة متوجهًا إلى مكة ورَحَى الصراع دائرة بين الرسول وكفار مكة، كلٌ يريد أن يكسب لنفسه الأنصار ويجتذب لحزبه الأعوان، فالرسول يدعو لربه وسلاحه الإيمان والحق، وكفار مكة يقاومون دعوته بكل سلاح، ويصدون الناس عنه بكل وسيلة، وسلاحُهم الافتراء والكذب والزور.
دخل الطفيل بن عمرو مكةَ فوجد نفسه يدخل معركةً غريبةً لم يقدُم مكة لأجلها. قال الطفيل: قدمت مكة فما إن رآني سادة قريش حتى أقبلوا عليّ، فرحبوا بي أكرم ترحيب، وأنزلوني منهم أعز منزل، ثم اجتمع إليّ سادتهم وكبراؤهم فقالوا: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ قد أفسد أمرنا وفرق شملنا، ونحن إنما نخشى أن يحل بك وبزعامتك في قومك ما قد حل بنا، فلا تُكَلِّمِ الرجل، ولا تسمعْ منه شيئًا، فإن له قولًا كالسحر، يفرق به بين الولد وأبيه وبين الأخ وأخيه وبين الزوج وزوجته.
قال الطفيل: فوالله، ما زالوا بي يقصون عليّ من غرائبَ أخبارِه ويخوفونني على نفسي وقومي بعجائب أفعاله حتى أجمعت أمري على أن لا أقترب منه، ولا أكلمه، أو أسمع منه شيئًا. قال الطفيل: ولما غدوتُ إلى المسجد للطواف بالكعبة والتبرك بأصنامها التي كُنا إليها نحج وإياها نعظم حَشوتُ في أذني قُطنًا خوفًا من أن يلامس سمعي شيء من قول محمد، لكني ما إن دخلتُ المسجدَ حتى وجدته قائمًا يصلي عند الكعبة صلاةً غير صلاتنا، ويتعبّد عبادةً غير عبادتنا، فأَسَرَني منظرُه، وهزّتْني عبادته، ووجدت نفسي تدنو منه، فسمعت كلامًا حسنًا، وقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا طفيل، إنك لرجل لبيب شاعر، وما يخفى عليك الحسنُ من القبيح، فما يمنعك أن تسمع من الرجل ما يقول؟! فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته.
قال الطفيل: ثم مكثت حتى انصرف رسول الله إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل دارَه دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومَك قد قالوا لي عنك كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوّفونني من أمرك حتى سددت أذني بقطن لئلاّ أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يُسمعَني شيئًا منه فوجدته حسنًا، فاعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ أمره، وقرأ لي سورةَ الإخلاص والفلق، فوالله ما سمعت أحسنَ من قوله، ولا رأيتُ أمرًا أعدلَ من أمره، عند ذلك بسطتُ يدي وشَهِدت: أنْ لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
فدخلت الإسلامَ، وأقمت بمكة زمنًا أتعلم أمورَ الإسلام، وأحفظُ ما تيسر لي من القرآن، ولما عزَمْتُ على العودة إلى قومي قلت: يا رسول الله، إني امرؤٌ مطاع في عشيرتي، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا فيما أدعوهم إليه، فقال: (( اللهم اجعل له آية ) ).
خرج الطفيل إلى قومه حتى إذا كان في موضعُ مشرف على منازلهم وقع نورٌ فيما بين عينيه مثل المصباح، فقال: اللهم اجعله في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا أنها عقوبة وقعت في وجهي لمفارقة دينهم، قال: فتحول النورُ فوقع في رأس سوطي، فجعل الناس يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخًا كبيرًا، فعرضت له الإسلام فأسلم، ثم جاءت زوجتي وأسلمت، وعرضت الإسلامَ على أمي ولم تُسلم.
قام الطفيل يدعو قومَه إلى الإسلام ويرغبُهم فيما جاء به محمد ، ولكن دوسًا تعاصت على الطفيل، وتعامت عما يدعوها إليه من الهدى والنور، وشغلهم لهو الحياة ومتاع الدنيا، ولم يستجب له إلا أبو هريرة الدوسي ، فهجر قومه، ثم رجع إلى النبي بعد أن مكث طويلًا في أرض قومه يدعوهم إلى الإسلام.
فلما قدم على النبي قال له: (( ما وراءك يا طفيل؟ ) )فقال: قلوبٌ عليها أكنة وكفر شديدٌ، لقد غلب على دَوسٍ الفسوقُ والعصيان والزنا والربا، فادع الله عليهم، فرفع يديه إلى السماء، فلما رآه أبو هريرة خاف على قومه وقال: هلكت دَوس، واقوماه، ولكن لم يكن ليدعو عليهم، وإنما دعا لهم بقوله: (( اللهم اهد دَوْسًا وائت بها ) )، ثم التفت إلى الطفيل وقال: (( ارجع إلى قومك، وارفق بهم، وادعهم إلى الإسلام ) ).
فخرج الطفيل إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، ولما هاجر الرسول إلى المدينة قدم على رسول الله ومعه ثمانون بيتًا من دوسٍ، أسلموا وحسُن إسلامُهم، فسُر بهم رسولُ الله أعظمَ سرور، وأسهَمَ لهم مع المسلمين في غنائم َخيبر.
وهكذا أنقذ الله قبيلةَ دوس ٍبسبب دعوة الطفيل رضي الله عنه وإصرارِه على اعتناقهم للإسلام.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأعوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: عباد الله، وتمضي الأيام وينتقل المصطفى إلى الرفيق الأعلى، وترتد قبائلُ العرب عن الإسلام، فينفر الطفيل في طليعة جيشِ المسلمين لحرب المرتدين الذين انحازوا إلى مسيلمةَ الكذاب، وبينما هو في الطريق إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو رأى في المنام رؤيا عجيبة غريبة، فقال لأصحابه: إني رأيت أن رأسي قد حُلق، وأن طائرًا خرج من فمي، وأن امرأة أدخلتني في بطنها، وأن ابني عَمرًا جعل يطلبني حثيثًا لكنه حيل بيني وبينه، قالوا: خيرًا إن شاء الله، فقال: أما أنا فقد أولتها، أما حلق رأسي فذلك أنه يقطع، وأما الطائر الذي خرج من فمي فهو روحي، وأما المرأة التي أدخلتني في بطنها فهي الأرض التي أدفن بها، وإني لأرجو أنْ أُقتل شهيدًا، وأما طلب ابني لي فهو أنه يطلب الشهادة.
وفي معركة اليمامة أبلى الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي أعظم البلاء حتى خَرَّ شهيدًا على أرض المعركة رضي الله عنه وأرضاه.
عباد الله، هذه بعض أخبارِ الطفيل سفيرِ رسول الله ، وشهيد معركة حروب الردة على أرض اليمامة.
وإنه لجدير بالمسلمين أن يكون لهم في خبره عظةٌ وفي قصته عبرة، عندما ترك الباطل وعمد إلى الحق يسأل عنه ويبحث عنه.
نبذ أباه وزوجته حتى أسلما، وترك أمه وعشيرته بعد أن كذّبوا ما جاء به من الحق، فصدق اللهَ، وحقق التوحيد في حياته ومسيرته، وطلب الشهادة فنالها.
فرضي الله عنك وأرضاك يا طفيل، وجمعنا بك في مستقر رحمته ودار كرامته.
وصلّ اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين...