الرقاق والأخلاق والآداب
مكارم الأخلاق
سالم بن عبد الكريم الغميز
حائل
جامع العريمضي
1-أهمية الصبر. 2- أنواع الصبر. 3- الرضا بالقضاء والتضجر منه. 4- صبر الأنبياء عليهم السلام. 5- الصبر على الطاعة وعن المعصية.
أما بعد:
أيها الناس، اتقوا الله تعالى في جميع أحوالكم واصبروا على ما ينالكم، فإن الإنسان في هذه الدنيا يبتلى بالخير والشر، فهو بحاجة إلى الصبر الذي يستطيع به اجتياز مواقف الامتحان، وقد جاء ذكر الصبر في تسعين موضعًا من كتاب الله عز وجل، وهو نصف الإيمان فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر.
وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقٌدار الله المؤلمة. فإذا صبر المبتلى وعمل بقول ربه جل وعلا فقد هانت عليه البلوى وضاع أثرها فاستراح من عذابها في الدنيا وفاز بالآخرة بالجزاء الحسن.
فالفقير الذي لا يذهب بلبه متاع الحياة الدنيا وزينتها ولا يحزئه ما لا يستطيع الوصول إليه من المتاع الفاني فهو سائر على إرشادات القرآن الكريم وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى? مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْو?جًا مّنْهُمْ زَهْرَةَ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى? [طه:131] ، وإذا اشتهت نفسه شيئًا واحدًا وعدها بالخير وصّبرها على حاله، أما الفقير الذي يزين له الشيطان ما في أيدي الناس فيفسد عليه قلبه بالوساوس والأحلام الباطلة ويحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله فهو من أشقى الخلق لأنه بعمله هذا يكون قد خسر دنياه وآخرته، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم اعلموا ـ أيها المسلمون ـ أن إظهار البلوى سواء كانت مرضًا أو فقرًا أو غيرها إما أن يكون لله كما قال أيوب: أَنّى مَسَّنِىَ ?لضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ?لرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] ، فهذا لا يتنافى مع الصبر، وإما أن يكون لغير الله، فإن كان لحاجة كشرح علة لطبيب أو بيان مظلمة لمن يقدر رفعها فإنه لا ينافي الصبر ما دام راضيًا بقضاء الله وقدره.
وأما من أظهره لغير الله ولم يرض بقضاء الله لم يكن من الصابرين ولم يستفد من مصيبته، وسيسأل عن ضجره يوم القيامة خصوصًا إذا كانت عباراته مصحوبة ببعض الألفاظ التي فيها جراءة على الله، لأنه يشكو الإله القادر عند المسكين العاجز الذي لا يغني عنه ولا عن نفسه شيئًا.
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
فالجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو عليه.
رأى بعض السلف رجلًا يشكو إلى رجل فاقته فقال: يا هذا والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك. والعارف إنما يشكو الخلق إلى الخالق، وأعلاها أن تشكو نفسك إلى الله.
ويمنعني شكواي للناس أنني عليلٌ ومن أشكو إليه عليل
ويمنعني شكوي لله أنه عليم بما أشكوه قبل أقٌول
أيها المسلمون، ويكفي في مدح الصبر وشرفه وعلو مكانته أنه لا يناله إلا من وفقه الله عز وجل. إن الصبر طريقة الرسل عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم فانظر إلى آدم عليه السلام وما نزل به من الآلام والأحزان، أخرجه الله من الجنة بفتنة إبليس وأهبطه إلى دار الشقاء والفناء. وانظر إلى أول الرسل نوح ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم ـ لاقى ما لاقى من قومه من السخرية والتكذيب فلبث صامدًا ألف سنة إلا خمسين عامًا، على الرغم من قلة المستجيبين له، وأغرق ابنه أمام ناظريه.
وانظر إلى خليل الرحمن وما لاقاه من الامتحان والابتلاء، ألقي في النار وأُمر بذبح وحيده وفلذة كبده فأقدم على ذلك وهو صابر محتسب حتى أتاه الفرج من علام الغيوب.
وانظر إلى الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل وما لاقاه من الفتن والمحن وهو صابر محتسب، فقد أمه في صغره وألقاه أخوته في غيابة الجب وذاق مرارة العبودية والرق، وراودته امرأة سيده عن نفسها فتصبّر عنها وآثر السجن على ذلك وهو الشاب الغريب، فذاق ألم السجن والوحدة والغربة، ومع ذلك ظل صابرًا محتسبًا. ثم انظر إلى لوط وما لاقاه من قومه المنحرفين الشاذين المستهترين، صبر على أذاهم حتى نصره الله عليهم، وانظروا إلى كل الأنبياء وما لاقوه من التكذيب والعذاب والآلام في سبيل رفع راية الحق، وإنقاذ الناس من ظلام المعاصي إلى نور الطاعات.
ثم انظروا إلى صفوة الخلق محمد صلوات الله وسلامه عليه، وما لاقاه من قومه من التكذيب والاستهزاء والإيذاء في نفسه وفي أتباعه، فهاجر إلى المدينة تاركًا موطنه وعشيرته، فهذا بعض ما لاقاه الأنبياء وهم صفوة خلق الله عز وجل.
ثم هم استقبلوا هذه المتاعب بالصبر والاحتساب ليرسموا مناهج للأمة تسير على خطاهم، وتتحمل في سبيل رفع كلمة الحق المصاعب والآلام.
فحريّ بنا يا عباد الله أن نتصف بالصبر على ما نلاقيه وعلى ما يجري للأمة في هذه الأيام من المحن العظيمة وما يخطط له الأعداء من المخططات الرهيبة التي تسعى لتفريغ المسلمين عن دينهم على مراحل وخطوات، وينبغي لنا أن نقابل هذه المخططات بالحكمة والتعقل والتمسك بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه وأن لا نندفع وراء عواطفنا اندفاعات هوجاء، بل نعالجها بالصبر والحكمة.
أيها المسلمون، ومن مجالات الصبر، الصبر على طاعة الله عز وجل بفعل ما أمر الله عز وجل وتعويد النفس على الطاعة، فمتى اعتادت سهل عليها العمل لله عز وجل، وإن من الناس من يحافظ على الطاعات أوقاتًا كالصلاة مثلًا أو غيرها من العبادات من ذكر وقرآن وصيام ثم هو ينقطع عنها بعد أمدٍ يسير، وما ذلك إلا لفقد الصبر بل ينبغي على المسلم أن يصبر نفسها على طاعة الله عز وجل فإذا كسلت لحظة أو تعاجزت.. تذكر ما أعد الله عز وجل من النعيم واللذات لمن يقيم على طاعة الله عز وجل، وتذكر عقاب من يفرط في أمر الله، ثم هو بعد ذلك يعطي نفسه جرعة منشطة على الطاعات فكلما كسلت نفسه ذكّرها بثواب الله عز وجل وأن هذه الدنيا وملذاتها لا تساوي لحظة من عقاب الله عز وجل.
ومن مجالات الصبر أيضًا.. الصبر عن معصية الله عز وجل فمن يصبر على ضبط لسانه عن الكلام المحرم فلا يغتاب ولا ينم ولا ينافق ولا يكذب ولا يجادل بالباطل، ويحفظ عينه من النظر إلى الحرام وسمعه من استماع المنكرات من الأقوال والأغاني وغيرها، ويمنع رجله من المسير إلى ما يغضب الله عز وجل فهو صابر عن معصية الله عز وجل.
ومما يعين على الصبر عن معصية الله عز وجل عظم عقوبة الله عز وجل وشديد عقابه، وأنه مهما تلذذ بهذه الأعمال فإنها لا تساوي لحظة واحدة من عقاب الله عز وجل.
فاتقوا الله عباد الله وتحلوا بالصبر فإن الصبر ما دخل في شيءٍ إلا زانه.
اللهم اجعلنا عند البلاء من الصابرين وعند النعماء من الشاكرين، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أقول ما تسمعون...
الحمد لله على إحسانه..
أما بعد:
أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى حق التقوى وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى واعلموا أن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، واعلموا أنكم غدًا بين يدي الله موقفون وعن أعمالكم مجزيون وعلى تفريطكم نادمون وعلى رب العزة ستعرضون، واعلموا أنكم اليوم في دار عمل وغدًا في دار الحساب والعقاب، واعلموا أن الدنيا بلذاتها ومباهجها لا تساوي شيئًا من ملذات الآخرة، ولا تستحق لحظة عقاب ينالها المرء يوم القيامة.
فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يؤتى بأنعم الناس يوم القيامة من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في النار صبغة، فيقال: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط ) )رواه مسلم.