فهرس الكتاب

الصفحة 4044 من 5777

بروا بآبائكم تبركم أبناؤكم

الأسرة والمجتمع

الوالدان

داود بن أحمد العلواني

جدة

الأمير منصور

1-عظم حق الوالدين. 2- حق الوالد المشرك. 3- ثبات سعد بن أبي وقاص. 4- عقوبة عقوق الوالدين. 5- من صور بر الوالدين.

أما بعد: عباد الله، إن نفوس بني آدم جبلت على حبّ من أحسن إليها، وليس أعظم إحسانًا وتفضلًا بعد الله تبارك وتعالى من الوالدين: الأم والأب، ومن أجل هذا نجد في القرآن الكريم الربط المباشر بين بر الوالدين وعبادة الله جل شأنه، وذلك إعلانًا لقيمة هذا البر وعلو قدره وضخامة عظمه ومكانته عند الله، فقال الله تبارك وتعالى: وَ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?نًا [النساء:36] .

فأمر بالعبادة له وحده دون سواه، وخص الوالدين بالوصية بالإحسان إليهما والبر بهما، وذلك أن رابطة الأبوة والبنوة هي أول رابطة بعد رابطة الإيمان في القوة والرفعة والأهمية والتأدب، فهي وصية قائمة على أساس قول الله تبارك وتعالى: هَلْ جَزَاء ?لإِحْسَـ?نِ إِلاَّ ?لإِحْسَـ?نُ [الرحمن:60] ، فصفة الأبوة تقتضي هذا الإحسان بذاتها مطلقة من كل شرط وقيد، حتى في حالة الاختلاف في العقيدة، فإن الأمر بعدم طاعة الوالدين في هذه الحالة لا يسقِط حقَّ الوالدين في المعاملة الطيبة والصحبة الكريمة وبرهما والتودّد إليهما والإحسان إليهما ومعاملتهما بالرفق واللين والملاطفة وخفض جناح الذل من الرحمة لهما وتقديمهما على من سواهما من الأقارب والدعاء لهما، قال الله جل وعلا: وَإِن جَـ?هَدَاكَ عَلَى? أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَـ?حِبْهُمَا فِى ?لدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15] .

فالصلة في الله جل وعلا هي الصلة الأولى، والرابطة في الله تبارك وتعالى هي العروة الوثقى، فإن كان الوالدان مشركين فلهما الإحسان والدعوة إلى الدخول في الإسلام والرعاية، وأما الطاعة فتنصرف إلى الله صاحب الحق الأول في الطاعة، فقد روى الترمذي عند تفسير قول الله تعالى: وَوَصَّيْنَا ?لإِنْسَـ?نَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَـ?هَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:8] ، فقال: إنها نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ـ وأمه حمنة بنت أبي سفيان ـ وكان بارًا بأمه، فقالت له: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله، لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت، فتعيَّر بذلك أبد الدهر، يقال: يا قاتل أمه. ثم إنها مكثت يومًا وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني، فكلي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله هذه الآية آمرًا بالبر والإحسان إليهما وعدم طاعتهما في الشرك [1] .

هكذا الالتزام بالدين والاعتصام بالله الذي ارتضى لنا هذا الدين، فالمؤمن لا يتنازل ولا يتراجع عن دينه ولا شيء منه مهما كانت الأحوال والظروف ولو مع أمه أو أبيه، اللهم ثبتنا على دينك.

عباد الله، لقد حرم الله عقوق الوالدين، واعتبر ذلك من أكبر الكبائر المهلكة الموصلة إلى النار والعياذ بالله، ففي الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله فقال: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ) )قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (( الإشراك بالله وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور وقول الزور ) )، وكان متكئًا وجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت [2] . كفى بالزور من إثم وضعة وخِسة ودناءة وهوان.

فاتقوا الله عباد الله، وأحسنوا إلى الوالدين ما أمكن لكم ذلك بكل صنوف الإحسان، وإياكم أن تظنوا أنكم تستطيعون مكافأتهم مهما أحسنتم أو خدمتم أو بذلتم لهم من المال وحسن الأدب والاحترام والتأدب والتلطف والاحترام والتوقير.

وما عليكم ـ عباد الله ـ إلا أن تذكروا تلك التضحيات الكبار التي بذلها الوالدان من رعاية وعناية ومتابعة حتى أصبحتم في أحسن تقويم، وصرتم إلى ما صرتم عليه الآن من فتوة ونعمة ومال وجاه وسلطان، فقد قضى الحق تبارك وتعالى وأمر ـ وقضاء الله لا رادّ له ولا مفرّ منه ولا محيد عنه ـ بالإحسان إلى الوالدين حتى قرن حقهما بحقه جل وعلا.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَقَضَى? رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـ?هُ وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?نًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ?لْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَ?خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ?لذُّلّ مِنَ ?لرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ?رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا [الإسراء:23، 24] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] رواه مسلم في فضائل الصحابة، باب: فضل سعد رضي الله عنه (1748) .

[2] رواه البخاري في الأدب، باب: حقوق الوالدين من الكبائر (8/70) ، ومسلم في الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها (87) .

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد. قابل التوب غافر الذنب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، جاء بالهدى ودين الحق، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى في الوالدين، وقوموا بحقهما، فكما تدين تدان، فإنه يقال: ما من عمل إلا قد يؤجل عقوبته إلا عقوق الوالدين، فإنه يكون في الدنيا والآخرة. نسأل الله السلامة والعافية.

لقد صح من حديث رسول الله أنه قال: (( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن للخمر، والمنان بما أعطى ) ) [1] .

فاسمعوا ـ يا عباد الله ـ كلام الله وكلام رسوله، وإياكم أن تشغلكم الأموال والزوجات والأولاد عن بر الوالدين، وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون، فإنه من تاب وآمن عمل صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، فضلًا من الله تعالى ومنّة حسنة وتكرمًا ورحمة.

واعلموا ـ عباد الله ـ أن من بر الوالدين النفقة عليهما؛ إذ ليس من الإحسان ولا من المصاحبة بالمعروف أن يحتاجا إلى مأكل أو مشرب أو ملبس والولد موسر ثم يبخل عليهما أو لا يقوم بذلك لهما.

ومن برهما أيضًا توقيرهما واحترامهما، فلا يدعو الابن والده باسمه، ولا يمشي أمامه، ولا يجلسه خلفه، ولا يقاطعه في حديث، ولا يقدم أحدًا عليه.

ومن برهما دعوتهما إلى الله عز وجل، فهما ألصق الناس وأحق الناس وأقرب الناس إليه، فلا بد أن يحب لهما ما أحب لنفسه من الفوز بالجنة والخلاص من النار، أجارنا الله وعامة المسلمين الموحدين منها.

ومن برهما الاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعدهما وقضاء وتسديد دينهما ووفاء نذرهما، لما صح من الأحاديث الكثيرة في ذلك.

ومن بر الوالدين ـ عباد الله ـ صلة أهل ودّهما، ففي الصحيح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي ) ) [2] أي: بعد موته.

جعلني الله وإياكم من البررة، وجنبنا العقوق وسبيل الفجرة، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.

[1] رواه أحمد (5/148) ، والنسائي في الزكاة، باب: المنان بما أعطى (5/80) ، والحاكم (4/147) وقال:"هذا حديث صحيح"، ووافقه الذهبي.

[2] رواه مسلم في البر والصلة، باب: فضل صلة أصدقاء الوالد (2552) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت