العلم والدعوة والجهاد
المسلمون في العالم
عبد الرحمن بن الصادق القايدي
جدة
جامع الأنصار
1-ثبات السابقين على دينهم ومبادئهم. 2- ضعف المسلمين في هذا العصر وتأثرهم بأعدائهم. 3- مقومات حياة الأمة.
أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، واستمسكوا بهدي نبيكم محمد ، وتأملوا في أحوالكم، اعتبروا بالماضي، وتأملوا في الواقع الذي نعيشه اليوم، ما أحوج المسلمين إلى التأمل والتفكر الصادق، كيف المسير؟ وإلى أين المصير.
أيها الإخوة، مرت بديار المسلمين في تاريخها الطويل أزمات وأزمات، وحلت بها بلايا ونكبات، وزلزلت الأرض زلزالها، وسقطت دول وانهارت حضارات، وقامت دويلاتٌ ونشبت نزاعات، نعم لقد مرت أزماتٌ حادة وفتنٌ مدلهمة سيطرت فيها الأهواء والشهوات على العقل والإدراك، وإن الناظر في تلك العهود الأولى يدرك يقينًا أنه على الرغم من هذا الخلل والاضطرابات التي أدت إلى هذه الفتن لم يكن المسلمون في تلكم العهود يشكون في عقائدهم وصحة مبادئ الإسلام التي يتبعونها إيمانًا بالله وتصديقًا برسالة محمد ويقينًا بما في كتاب الله من الحق؛ من أجل ذلك كتب الله لهم البقاء طيلة هذه القرون على الرغم مما حصل لهم من ضعف وابتعاد جزئيًا عن المنهج القويم، وكان يكفي أن يأتي قائدٌ مخلصٌ وإمامٌ راسخ كصلاح الدين والإمام ابن تيمية ليحرك حرارة الإيمان في القلوب، فتتّقد وتتحرك، فيتنزل نصر الله كما وعد سبحانه: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: 7] ، فيصلح الناس وتصفو عقائدهم ويطهرون من الانحرافات، علمًا أن مظاهر هذا الضعف والهزائم لم تورث في نفوسهم شكًا في دينهم، ولم تجبرهم وتدفعهم إلى التطلع إلى ما عند أعدائهم من نظم أو مبادئ أو سلوك؛ لأنهم يعتقدون جازمين أن الحق كل الحق في دين الله عقيدة وسلوكًا ونظام حياة، لم يستكينوا ولم ينهاروا ويسلّموا للأعداء كما حدث للبعثيين في العراق، بمجرد سقوط بعض المدن استسلموا واحدًا تلو الآخر ولم يثبتوا، والسبب فساد العقيدة؛ لأنهم لم يجتمعوا على كتاب الله وسنة رسوله، بل اتحدوا على نظم ومواثيق مخالفة لدين الله.
انظروا إلى المؤمنين بالكتاب والسنة حينما تدلهم الدنيا عليهم بمصائبها، قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146] ، وماذا قالوا بعد ذلك؟ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 147] . الله أكبر! علموا أن هذه المصائب والنكبات بسبب ذنوبهم وبعدهم عن الله، وليس بسبب ميزان القوى، فاستغفروا الله وطلبوا منه الثبات والنصر على الأعداء، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحبّ المحسنين، ثواب الدنيا بالنصر على الأعداء، وثواب الآخرة بجنةٍ عرضها السماوات والأرض. ما يحلّ بالأمّة من هزائم وما يقع من نكبات ما هو إلا من سنن الله في الابتلاء والتمحيص كما قال تعالى: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 141] ، كل هذا ابتلاء لتعودَ الأمة إلى دينها وتعمل بمقتضاه وتردّ كيد الأعداء في نحورهم؛ لأن الله سبحانه قادر على القضاء على الكفرة والملحدين كما قال: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد: 4] . هذه هي عقيدتهم في النصر والهزيمة، وهذا هو حالهم في السراء والضراء، يشعرون بازدراء واحتقار للكفر وأهله، ويعلمون أن هؤلاء الكفار يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم، وأنهم كالأنعام بل هم أضل.
أما في الواقع المعاصر فقد اختلّ التصوّر وانعكست الموازيين نحو الكفار، والسبب أن العدوّ عرف سرَّ قوة المسلمين ومصدر عزتهم، فعمل بكل الوسائل من مرئيةٍ ومسموعة ومقروءةٍ على تغيير المفاهيم وإفساد التصورات لدى المسلمين، فاختل الميزان، فوجد مع الأسف من المسلمين ـ أو قل: المتمسلمين ـ من يشكُّ في صلاحية الإسلام عقيدةً وشريعةً في هذه الأيام ويطعن في عدم مواكبته للتغيرات... إلخ، ووجد أيضًا من يوالي أعداء الله وأعداء رسوله الموالاة المحرمة والتي تعتبر ناقضةً للإسلام ووجد... إلخ، إلى أن أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وقلدوا كل ناعق.
فيا أمّة محمد ، إن التخلّي عن هذا الدين أو التشكُّكَ فيه ومحاولة الانفصال عنه خسارةٌ ما بعدها خسارة، إنها القاصمة والحالقة والمدمرة، ولا يعوض عنها شيء أبدًا، إنه التلاشي والذوبان في المجتمعات الكافرة، ثم الدمار والفناء والهلاك والانقراض.
لقد خرج المسلمون الفاتحون مرقعي الثياب ومخصوفي النعال، حكموا العالم بحسن سيرتهم وصدق سريرتهم، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المجادلة: 22] . إن الحياة والعزة والقوة في الصلة بالله والسير على نور من الله والانقياد لأوامره والسمع والطاعة لما يقوله سبحانه وتعالى: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران: 193] . إن نور الإيمان في القلوب يجعل المؤمن يميز بين الخير والشر والنفع والضَّر والمعروف والمنكر، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: 40] .
أمة الإسلام، إن المسلمين اليوم أحوج ما يكونون إلى ما يردّ عليهم اعتزازهم بإيمانهم وثقتهم بأنفسهم بأن تكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر وكلمة الذين كفروا هي السفلى، يجب على المسلمين أن يستشعروا مسؤوليتهم وأن عليهم هداية هذه القطعان الضالة؛ هدايتها إلى الدين القويم والصراط المستقيم، وأول ما يجب أن يُصْلَح ويُصحّح هي العقيدة وتنقى من المفاهيم المغلوطة والتصورات الفاسدة، عندئذ تتحرك حرارة الإيمان فتنبت العزة وتتولد الثقة والطمأنينة، والله غالب على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 137-139] . إذا، شروط العزة والتمكين هو الإيمان والتقوى.
نفعني الله وإياكم بالقرآن والسنة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر، وأشكره على إنعامه وإفضاله وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيّدنا ونبينا محمد عبده ورسوله سيد البشر والشافع المشفع في المحشر، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فاتقوا الله أيها الإخوة المؤمنون، واعلموا أنه لا حياة لأمة الإسلام إلا بالإسلام، بقاؤها مرهونٌ بالمحافظة عليه، وفناؤها راجعٌ إلى التفريط فيه، إنه دستورُها ونظامها وهو مصدر فخرها وعزِّها وهو خلاصة الأديان وخاتمتها، ونبيُّ الإسلام محمد خاتم النبيين وأفضل المرسلين، تمت به النعمة وانجلت به الظلمة وكشفت به الغمة، لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران: 164] ، لم يكن لأمةٍ من الأمم مثله ، أتباعه خير أمة أخرجت للناس، لقد رضيه الله فلن يسخط عليه أبدًا، أتم به نعمة الدارين، وحقَّق به سعادة الحياتين، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة: 3] ، من حقِّ هذه الأمة أن تفاخر بدينها وتعتزَّ بشريعتها، ألم تتوحّد به الصفوف وتأتلف به القلوب؟! أنقذ الله به البشرية من الردى والذل والعبودية إلى العزة والكرامة.
أيها الأحبة في الله، إن حقيقة هذا الدين نورٌ في البصائر وصلاحٌ في الباطن والظاهر وصدق مع الله وصدقٌ مع الناس، عقيدة صافية وإيمان عميق لا يترك للخرافة أو البدعة مكان، لا خير إلا دلنا عليه ، ولا شر إلا حذرنا منه، ولقد أخبر بما كان وما يكون إلى يوم القيامة، يقول أبو ذر: لقد قام فينا رسول الله وما طائرٌ يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا.
واعلموا أن علة العلل في عالم اليوم الرضا بالحياة الدنيا والركون إليها والاطمئنان بها وتحقيق كل ما يوصل إلى شهواتها والغفلة عن آيات الله وسنته. إن على المسلمين الرجوع السريع إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم محمد ، فهي مصدر القوة والرجوع إلى التربية النبوية وكيف ربى أهله وأصحابه وأخذ القدوة الحسنة من السيرة العطرة، ويجب أن يعلم أن ما أصاب أمة الإسلام من ضعفٍ وانحطاط لم يكن وليدَ شهر أو سنه، فلسطين العزيزة وأفغانستان الكريمة وأخيرًا العراق الأبية لم ينتزعها البغاة الأعداء في يوم وليلة، ولكنه استغرق عقودًا من السنين تخطيطًا وتآمرًا، وذلك تربية لأجيالهم وإفسادًا لأجيالنا، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: 11] ، فلا بد من عودةٍ صادقة وعمل دائبٍ وروح جادةٍ. إن الشجيرات الصغيرة من أجل أن تنمو وتثمر تحتاج إلى وقتٍ وتعاهد، فكيف بتربية أنفسنا وأولادنا على المنهج الصحيح لكي تنبعث الأمة من جديد؟! وإذا صحت العزائم وصدقت النوايا وسارت القافلة على الطريق الصحيح فلا بد بإذن الله من بلوغ القصد.
واعلموا أن الله صلى وسلم على نبيه قديما، فقال تعالى ولم يزل قائمًا عليمًا وآمرًا حكيمًا تنبيهًا لكم وتعليمًا وتشريفًا لقدر وتعظيمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
لبيك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر من نصر الدين...