الرقاق والأخلاق والآداب
التوبة
محمد بن عبد الله السبيل
مكة المكرمة
المسجد الحرام
1-من شروط التوبة. 2- الحث على التوبة. 3- الحكمة من الابتلاء بالجدب والقحط. 4- دعاء وابتهال.
أمّا بعد: فاتّقوا اللهَ عبادَ الله، اتّقوه حقَّ تقاتِه، ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون، وأنيبوا إلى ربِّكم وأخلِصوا له العبادة، واستغفِروه وتوبوا إليه، ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى? رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَـ?تِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأَنْهَـ?رُ [التحريم:8] .
عبادَ الله، اعلَموا أنَّ التوبةَ لا تتمّ إلا بالمحافظةِ على الطاعاتِ وكفِّ الجوارحِ عن المحرَّمات والمكرُوهات، يقول الله عز وجل: وَ?لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـ?حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ?للَّهَ فَ?سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ إِلاَّ ?للَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى? مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] ، وَ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود:90] ، ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ ?لسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْو?لٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـ?تٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12] .
قولوا كما قال الأبوان عليهما السلام: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ [الأعراف:23] ، وقولوا كما قال موسى عليه السلام: رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَ?غْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [القصص:16] ، وقولوا كما قال ذو النون عليه السلام: لاَّ إِلَـ?هَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـ?نَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ?لظَّـ?لِمِينَ [الأنبياء:87] .
وفي الحديث القدسي: (( يقول الله تعالى: يَا ابنَ آدم، إنَّك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كانَ مِنك ولا أبالي. يا ابن آدَم، لو بلغَت ذنوبُك عنانَ السماء ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لك ولا أبالي. يا ابنَ آدم، إنَّك لو أتَيتني بقرابِ الأرضِ خطايا ثم لقيتني لا تشركُ بي شيئًا لأتيتُك بقرابِها مغفرةً ) ) [1] .
عبادَ الله، إنَّ اللهَ عزّ وجلّ يبتلِي عبادَه بالجَدب وقلَّة الأمطارِ ليتوبوا إليه ويرجِعوا إليه ويتقرَّبوا بالأعمال الصالحة لديه، فتوبوا ـ عبادَ الله ـ إلى ربّكم توبةً نصوحًا، فقد ذمّ الله مَن لا يستكين له عندَ الشدائِد ولا يلتجِئ إليه في طلبِ جميل العوائد، يقول سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذْنَـ?هُمْ بِ?لْعَذَابِ فَمَا ?سْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون:76] .
ألا فابتهِلوا إلى ربّكم وتضرَّعوا إليه فقَد أمرَكم بذلك ووعدَكم الإجابةَ، يقول سبحانه: ?دْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ?لْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ?لأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـ?حِهَا وَ?دْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ ?للَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ?لْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55، 56] ، ويقول سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ?لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] ، وقال سبحانه: أَمَّن يُجِيبُ ?لْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ?لسُّوء وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء ?لأرْضِ أَءلَـ?هٌ مَّعَ ?للَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل:62] ، ويقول عن نبيِّه هودٍ عليه السلام: وَي?قَوْمِ ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ?لسَّمَاء عَلَيْكُمْ مّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى? قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ [هود:52] ، وقال عن نوحٍ عليه السلام: فَقُلْتُ ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ ?لسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْو?لٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـ?تٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12] .
فتضرَّعوا ـ عبادَ الله ـ إلى ربّكم، وألحُّوا في الدعاء، فإنَّ الله يحبّ الملحِّين في الدّعاء.
اللهمَّ إنَّك أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم إنّك أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغنيّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنّك أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهمَّ أسقِنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا طبَقًا مجلِّلًا سحًّا عامًّا، نافعًا غيرَ ضار، عاجلًا غيرَ آجِل، اللهمَّ تحيي به البلاد، وتغيث به العبادَ، وتجعَله بلاغًا للحاضِر والباد، اللهم سُقيا رحمةٍ لا سقيا عذاب ولا بلاءٍ ولا هدم ولا غرق.
اللهم أسقِ عبادَك وبلادَك، وانشُر رحمتَك، وأحيِ بلدَك الميّت. اللهم أنبِت لنا الزرعَ، وأدرَّ لنا الضّرع، وأنزِل علينا من بركاتِك، واجعَل ما أنزلتَه علينا قوةً لنا ومتاعًا إلى حين. اللهم إنّا خلقٌ من خلقك فلا تمنَع عنّا بذنوبِنا فضلَك، على الله توكلنا، رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ?لْقَوْمِ ?لظَّـ?لِمِينَ [الأعراف:47] ، رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَ?عْفُ عَنَّا وَ?غْفِرْ لَنَا وَ?رْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَـ?نَا فَ?نْصُرْنَا عَلَى ?لْقَوْمِ ?لْكَـ?فِرِينَ [البقرة:286] .
اللهمَّ أعِذنا من مضلات الفِتن، اللهمّ أعِذنا من مضلات الفِتن، يا ذا الجلال والإكرام. اللهمّ اكفِ جميعَ المسلمين شرّ هذه الفتن، وقِهم منها، واجعَل الدائرةَ على أصحابِها.
اللهمَّ يا حيّ يا قيّوم احفَظ بلادَنا وبلادَ الإسلام يا ذا الجلال من كلّ مكروه يا ربَّ العالمين يا حيّ يا قيّوم.
عبادَ الله، إنَّ نبيَّكم حينما استسقى قلَبَ رداءَه [2] ، واستقبَل القبلةَ، ودَعا ربَّه، وأطال الدعَاء، فاقتدوا بِه، وألحّوا في الدعاء، فإنَّ الله يحبّ الملحِّين في الدّعاء، اسألوه أن يغيثَ قلوبَكم بالرجوع إليه، وبلدَكم بإنزال الغَيث عليه، وصلّوا وسلّموا على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
[1] أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: في فضل التوبة والاستغفار (3540) من حديث أنس رضي الله عنه، وقال:"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/400) :"إسناده لا بأس به"، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (127) .
[2] سنّة قلب الرداء أخرجها البخاري في الجمعة (1011) ، ومسلم في الاستسقاء (894) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.
لم ترد.