فهرس الكتاب

الصفحة 2025 من 5777

ذم مداهنة أهل الباطل

الرقاق والأخلاق والآداب

أعمال القلوب, الكبائر والمعاصي

أسامة بن عبد الله خياط

مكة المكرمة

المسجد الحرام

1 ـ ذم الخوف على الرزق من النقص، والخوف من انقضاء الأجل. 2 ـ الأرزاق والآجال بيد الله وحده. 3 ـ ذم الاطمئنان إلى البشر والتملق لهم والرجاء فيما عندهم. 4 ـ من أرضى الناس بسخط الله.

أما بعد:

فيا عباد الله، اتقوا الله فإن التقوى نهج أولي الألباب، بها السلامة من العِثار، والحظوة بنعيم الجنة والنجاة من النار.

أيها المسلمون:

في إطار المهابط وبين ألوان ضعف النفس، يأتي أمران مؤثران في حياة المرء أبلغ الآثار، يوردانه موارد لا تجمل به، ولا تحل له، ولا تلائم ما جعل الله له من مقام عليٍّ ومبوَّأ كريم حين كرَّمه سبحانه، وفضله على كثير من خلقه، إنهما الخوف على الرزق من النقص أو الحجب، والخوف على الأجل أن ينقضي أو يُنْتقَص منه.

ولقد كان من فضائل هذا الدين ومحامده المعالجة الدقيقة الشافية لهذه العلة حتى لا تستبد بالمسلم فتتركه نهبًا لكل أثر مرذول من آثار ضعف اليقين وانحصار التوكل ونقص الإيمان، وذلك حين بث سبحانه الطمأنينة في قلوب عباده، ورفع عنها الأسباب الباعثة على هاتين المخافتين، بأن جعلهما بيده وحده، ولم يجعل فيهما حظًا لأحد سواه؛ ليعلق العباد آمالهم فيه، ولتتجه قلوبهم إليه، ولينزلوا حوائجهم به، فيكون لهم من اليقين ما يقطعون به أشواط الحياة في مأمن لا يخشون إلا الله، فتسمو النفوس، فلا تذل لغير الله، وترتفع الهامات، فلا تنحني إلا له.

ففي مضمار الرزق يقول سبحانه مطمئنًا عباده بالقول المؤكد والعهد الصادق الوثيق والوعد الحق، يقول سبحانه: وَفِى ?لسَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبّ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات: 22، 23] ، ويقول أيضًا في مجال تعداد نعمه على عباده، وبيان أنه وحده الخالق الرازق، المحيي المميت: ?للَّهُ ?لَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء سُبْحَـ?نَهُ وَتَعَـ?لَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم: 40] ، وهذا يقتضي ابتغاء الرزق عنده وعبادته والشكر له، كما قال سبحانه: فَ?بْتَغُواْ عِندَ ?للَّهِ ?لرّزْقَ وَ?عْبُدُوهُ وَ?شْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: 17] .

وبين رسول الهدى في وصيته المشهورة لابن عمه عبد الله بن العباس رضي الله عنهما أنَّ مقالد الأمور نفعًا وضرًا بيد الله وحده فقال: (( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بما كتب الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصحف ) )أخرجه أحمد والترمذي والحاكم بإسناد صحيح [1] .

وفي مضمار الأجل يبين تعالى ذكره أنه مقدَّر مكتوب عنده في كتاب، لا يزيد فيه طول السلامة، وخفض العيش، والتقلب في أعطاف النعيم، والإحجام عما يقبح الإحجام عنه، ولا ينقصه أيضًا الإقدام على ما يتعين الإقدام عليه من مواقف الشرف ومواطن العزة ومقامات الجهاد، فقال سبحانه: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَـ?بًا مُّؤَجَّلًا [آل عمران: 145] .

ومع وضوح هذه الحقيقة وصدق هذا الوعد ونصاعة هذا البيان فإن ضعف اليقين الذي ينتاب بعض الخلق كثيرًا ما ينأى بهم عن هذا الموعود، ويباعد بينهم وبين هذا الحق، فيغفلون عن وعد الله أن تصريف الرزق والأجل بيده وحده، لا سلطان لأحد عليه، وإذا أحدهم يتطامن لبشر مثله، ويذل له، ويتملقه، ويكيل له من المديح، ويضفي عليه من الثناء ما قد يرفعه به إلى مرتبة الصديقين ومقامات الصالحين ومنازل المصلحين من غير استحقاق منه لهذه المرتبة، ولا أهلية لذلك المقام. ثم قد يجمع إلى التكلم بكثير من الباطل السكوتَ عن كثير من الحق، فتكون العاقبة وبالًا على هذا العبد، إذ يورثه ذلك غضب ربه وسخطه، كما جاء في الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: (( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس ) )أخرجه الترمذي وغيره بإسناد صحيح وألفاظه متعددة [2] .

فأين الملاذ والملجأ؟ وأين المنجى؟ وأين المفر؟

وإنها ـ يا عباد الله ـ لصفةٌ محقورة، وخلَّة منكورة، وخلق ذميم، يترفع عن التردي في وهدته أولوا الألباب، وينأى عن التلوث به أولوا النهى، لا سيما إذا انضم إلى ذلك ابتناء هذا التلمق على حساب هدم غيره بالوقيعة والسعاية، والطعن واللعن، والرمي بالعظائم.

ألا فاتقوا الله عباد الله، وأحسنوا الثقة بالله، واذكروا أن الرزق والأجل بيد الله، وأنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، وأن النفع والضر من عند الله، وأن الله هو الكافي لعباده، فليس بهم حاجة إلى كفاية أحد سواه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَلَيْسَ ?للَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوّفُونَكَ بِ?لَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ ?للَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: 36] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه أحمد (4/409 ـ 410) (2669) ، والترمذي في صفة القيامة (2516) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/460 ـ 461) :"رُوي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة... وأصح الطرق الطريق التي خرجها الترمذي"، وصححه الألباني في صحيح السنن (2043) .

[2] أخرجه ابن المبارك في الزهد (199) ، ومن طريقه الترمذي في الزهد (2414) عن رجل من أهل المدينة عنها مرفوعًا، وصححه ابن حبان (276) ، والألباني في صحيح الترغيب (2250) ، ثم أخرجه الترمذي عقب المرفوع من طريق آخر عنها موقوفًا، ورجح الوقف أبو حاتم وأبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (2/103) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد: فيا عباد الله، إن المرء ـ كما قال بعض أهل العلم ـ إذا أرضى الله نصره ورزقه، وكفاه مؤونة الناس، وإرضاء الناس بما يسخطه إنما يكون خوفًا منهم، ورجاءً لهم، وذلك من ضعف اليقين، وإذا لم يُقدَّر لك ما تظن أنهم يفعلونه فالأمر في ذلك لله لا إليهم، فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا رب غيره، ولا معبود سواه.

فاتقوا الله عباد الله، وحققوا إيمانكم بالله، وأحسنوا التوكل على الله، وصلوا وسلموا على الحبيب رسول الله، فقد أمرتم بذلك في كتاب الله، حيث قال سبحانه: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم على خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت