فهرس الكتاب

الصفحة 5350 من 5777

من وصايا الرسول

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة, الفتن

فريح بن محمد الفريح

الذيبية

جامع بلدة السمار

1-نعمة بعثة الرسول. 2- هداية النبي أمته لكل خير. 3- حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه. 4- الوصية بتقوى الله تعالى. 5- الوصية بالسمع والطاعة ولزوم الجماعة. 6- التحذير من سالك الفئة الضالة الخارجة عن الجماعة.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما من به عليكم، إذ بعث فيكم رسولًا من أنفسكم يتلو عليكم آياته، ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، فحققوا هذه النعمة باتباع سنة رسولكم والوقوف عند هديه وشريعته والبعد عما أحدثه أهل الأهواء والبدع مما لم ينزل الله به من سلطان.

عباد الله، لقد أرسل الله رسوله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويدلهم على الصراط المستقيم، فأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده منذ بعثته إلى أن توفاه الله عز وجل، لم يترك خيرًا إلا دلنا عليه، ولا شرًا إلا حذرنا منه، فصلوات الله وسلامه عليه.

ولقد روى لنا أصحابه رضي الله عنهم من ذلك الشيء الكثير، وتناقله علماء المسلمين نصحًا للأمة وأداء للأمانة، وحفظًا للدين أن تنتهك جوانبه، وحرصًا على الأمة أن يكون عملها وبالًا عليها، أو تبتعد عن شرع الله فيذيقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

وإن من أبلغ ما نقله الصحابة لنا من سيرته صلوات الله وسلامه عليه ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة ) ).

عباد الله، هذه وصية أوصى بها النبي أصحابه، فوعوها وعملوا بها، وهي وصية للأمة جميعًا.

وكانت هذه الوصية في أواخر حياته ، ولهذا أبلغ في الموعظة ما لم يبلغ في غيرها، ففهموا أنها موعظة مودع، فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل، وقد كان النبي يعظ أصحابه كثيرًا امتثالًا لقوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.

ولكنه لا يديم وعظهم، بل يتخولهم به أحيانًا، وكان ابن مسعود يذكر أصحابه كل خميس، فقال له رجل: إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهة أن أملكم، إن رسول الله كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا.

وينبغي للواعظ أن يكون بليغًا فيختار ألفاظه، ويقصر خطبته ويوجزها، فقد كان هذا هو هدي النبي ، ولهذا جمع في هذه الوصية البليغة خير الدنيا والآخرة، فقال: (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ) ).

فأوصاهم بالتقوى، وهي كافلة لسعادة الآخرة لمن تمسك بها، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا. والتقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فيعمل بطاعة الله، ويجتنب معصيته. ولقد أوصى بها النبي في أحاديث كثيرة لا تحصر.

وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معيشتهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما قال علي: (إن الناس لا يصلحهم إلا إمامٌ بر أو فاجر، إن كان فاجرًا عبد المؤمن فيه ربه، وحمل الفاجر فيه إلى أجله) ، وقال الحسن في الأمراء:"هم يلون من أمورنا خمسًا: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن والله طاعتهم لفرض، وإن فرقتهم لكفر".

ثم أخبر صلوات الله وسلامه عليه بما سيقع بعده من الفرقة والأمور المنكرة، ودل أمته على ما ينجيهم من تلك الفتن، وهي اتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين والسير على منهجهم، ومن سنته تقوى الله وطاعة أولي الأمر ما لم يأمروا بمعصية، وأوصى بالعض عليها بالنواجذ وهي الأضراس؛ كناية عن شدة التمسك بالسنة.

فاتقوا الله عباد الله، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الحمد لله رب العالمين، جعل أمة محمد خير العالمين، وأرسل إليهم سيد ولد آدم أجمعين، وجعله خاتم النبيين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله وأطيعوه، فإن طاعته أقوم وأهدى، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ، واحذروا أسباب سخط الجبار، فإن أجسادكم على النار لا تقوى، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

عباد الله، لئن كانت وصية النبي لأمته في آخر حياته بتقوى الله والسمع والطاعة واجبة على كل مسلم، فإن مما ينبغي على المسلم الحذر منه سلوك سبيل المغرضين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فقتلُ الآمنين المعصومين وترويع الناس والإفساد في الأرض بتدمير المباني وإضاعة الأموال ليس من سنة رسول الله ولا هدي السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، وقد قال: (( لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا ) ).

نفعني الله وإياكم بهدي القرآن الكريم وسنة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت