الإيمان, قضايا في الاعتقاد
الإيمان بالرسل, الصحابة
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
1-وجوب الإيمان بتمام الدين 2- خَتم الرسالة قبل وفاة النبي 3- اتهام الرسول بالتقصير
في أداء الرسالة كفر 4- الابتداع اتهام للرسول بالتقصير 5- الطعن في الصحابة 6- فضل
الصحابة كما جاء به القرآن والسنة
أما بعد:
فاعلموا أيها المسلمون أنه لا يصح إيمان أحد حتى يعلم أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم قد بلغ رسالات ربه وأدى الأمانة كاملة ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده , كيف وقد شهد له ربه بذلك لما أنزل عليه البشارة بإكمال الدين وبإتمام النعمة وذلك يوم الجمعة يوم عرفة من حجته المشهورة بحجة الوداع أنزل عليه قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا [المائدة:3] بهذه الآية بيان من الرب عز وجل بأن دين الإسلام قد كمل وبأن شريعة الإسلام قد كملت فلا حاجة بعد ذلك إلى زيادة أحد وهي شهادة من الرب عز وجل بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتم مهمته على خير وجه وأحسنه وقد بلغ رسالة ربه.
قال رجل من اليهود للفاروق عمر رضى الله عنه: يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آية لو نزلت علينا نحن معشر يهود لاتخذناها عيدًا. قال: أي آية. قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، فقال عمر رضى الله عنه: إني لأعلم حين نزلت وأين أنزلت وأين كان رسول الله حين أنزلت, يوم عرفة وأنا والله بعرفة [1] . وفي رواية أنه رضي الله عنه قال: أنزلت في يوم عرفة يوم الجمعة وكلاهما بحق الله لنا عيد.
ثم أنزل الله علي نبيه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في هذه المدينة آخر سورة أنزلها إليه سورة الفتح: إذا جاءك نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا [سورة النصر] وكانت هذه السورة إعلانًا من الرب عز وجل بأن رسوله صلى الله عليه وسلم قد أدى واجب الدعوة أتم الأداء وهي إيذان أيضًا بقرب رحيله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وانتقاله إلى الرفيق الأعلى, عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله تعالى سورة الفتح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعيت إلي نفسي ) ). [2] وفي رواية عنه رضي الله عنه: لما أنزل الله: إذا جاءك نصر الله والفتح علم رسول الله أن قد نعيت إليه نفسه, وفي رواية فأخذ صلى الله عليه وسلم بأشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة وذلك استعدادًا لمقابلة ربه عز وجل [3] .
فهل يخطر في بال مؤمن بعد ذلك بعد إعلان الله لخلقه بهذه السورة وتلك الآية بأنه سبحانه قد أكمل الدين وأن رسوله صلى الله عليه وسلم قد أتم البلاغ وأدى الأمانة والرسالة , هل يخطر في بال مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر في أداء الرسالة وترك لأحد من بعده أن يكمل الدين , لو أن هذا قد قال لخرج من الإسلام ولبطل إيمانه ولا ينفعه بعد ذلك صلاة ولا صيام لأنه يكون بذلك قد نقض أحد ركني شهادة الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله, فالركن الأول الذي هو الشهادة لله بتوحيده في العبادة والركن الثاني وهو الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة ومن نقض الركن الثاني فقد نقض الأول كما أن من نقض الأول فقد نقض الثاني, لا يلج على بال مسلم أبدًا أن هناك نقصًا وخللًا في الدين فقد أكمل الله الدين ولا يلج علي بال مسلم أبدًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قصر في أداء الرسالة ولكن الغافل من المسلمين قد ينقض اعتقاده هذا وهو لا يدري وهذه مصيبة من أعظم المصائب أنه قد يخرج الرجل من دائرة الإسلام وينقض إيمانه وهو لا يدري فربما كان يحسب أنه يحسن صنعًا, مضلات الفتن من أعظم المضلات شرًا على المسلمين, قد يخرج المسلم من دائرة الإيمان وقد يفسد إيمانه وهو لا يدري , هاهم الخوارج من أعظم أهل البدع شرًا كفروا وقاتلوا وقتلوا رابع الخلفاء الراشدين أبا السبطين صاحب الراية يوم خيبر الرجل الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وهوعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كفروه وقاتلوه وقتلوه ولأن هؤلاء المساكين كانوا من أهل لا إله إلا الله بل كانوا من أشد أهل لا إله إلا الله عبادة وأكثرهم صلاة وقرآنًا بل وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بقوله: (( تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وقراءتكم إلى قراءتهم ) ), [4] فهل شفع لهم ذلك وهل نفعتهم عبادتهم. لقد حكم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فقال: (( يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية فإذا أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود فمن أدركهم فليقتلهم طوبى لرجل قتلهم أو قتلوه ) ) [5] .
لم تنفعهم لا إله إلا الله ولم تنفعهم عبادتهم لأنهم أتوا بعد ذلك ببدعة عظيمة وفتنة جسيمة نقضت ذلك كله. فاحذر أيها المسلم من الانزلاق في الفتن وتفقد إيمانك واستيقظ لدينك واعلم أن من أكثر ما يصيبك في إيمانك وربما يخرجك من دائرة الإسلام أمران خطيران هما: الطعن في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين والابتداع في الدين فهاتان فتنتان مضلتان مهلكتان وقع فيهما كثير من جهال المسلمين وقد يكونان سببًا لخروج المسلم من دائرة الإسلام ولإفساد الإيمان على المؤمن ولإفساد الدين وأهل الدين فلا ينفعه بعد ذلك لا إله إلا الله ولا تنفعه عبادة ولا صلاة ولا صيام.
أما قضية الابتداع في الدين فقضية شائكة طويلة سنشرع فيها في الجمعة القادمة إن شاء الله وعونه وتوفيقه وأما مسألة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين فمسألة أوضح من الشمس وقد أشرنا فيما مضى من الأيام طرفًا من هذا الموضوع وإننا مؤكدون عليه اليوم, المهم أن نعرف أن الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لم يؤدِ الأمانة علي الوجه المطلوب ولم يبلغ رسالة ربه علي الوجه المطلوب لأنه اتهام لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لم يحسن اختيار أصحابه ولم يحسن اختيار أعوانه وأنصاره الذين يبلغون عنه دين الله إلي الأمة, اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه التهمة الشنيعة التي تنقض الاعتقاد بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم قد أدى الرسالة وأتم البلاغ, إن الطعن في الصحابة الكرام أو في أحد الصحابة الكرام هو اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه التهمة الشنيعة ولذلك فالطعن في الصحابة نفاق من الرجل والطعن في واحد من الصحابة الكرام علامة علي النفاق وثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار ) ) [6] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق, فمن أحب الأنصار أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله ) ) [7] . وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم قد أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) ) [8] , أما عن الطعن في الصحابة عمومًا كما اعتاد بعض أهل البدع المنكرة التي أخرجتهم عن ملة الإسلام فهو طعن في القرآن وتكذيب للآيات من سورة الحشر فقد أثنى الله عز وجل علي المهاجرين من أصحاب نبيه بقوله للفقراء والمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون [الحشر:8] . وأثنى الله تعالى عن الأنصار من أصحاب نبيه بقوله: والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [الحشر:9] الدار والإيمان اسمان من أسماء هذه المدينة المباركة, ثم وصف الله تعالى حال المؤمنين من بعدهم المؤمنون الذين لزموا الجماعة وتمسكوا بالسنة المؤمنون الذين أعظم ما في قلوبهم حب الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين والدعاء للصحابة والاستغفار لهم قال تعالى: والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم [الحشر:10]
[1] رواه البخاري (4407) ومسلم (3017) .
[2] أحمد (1/217) .
[3] ابن كثير (4/563) .
[4] رواه البخاري (ك:استتابة المرتدين والمعاتدين-رقم 6532-6534) .
[5] رواه البخاري (ك: استتابة المرتدين والمعاتدين - رقم 6532 -6534) .
[6] رواه البخاري (ك: الإيمان -رقم 17) .
[7] أحمد (4/283) .
[8] رواه البخاري (ك: فضائل الصحابة -رقم 3470) .
لم ترد.