فهرس الكتاب

الصفحة 1183 من 5777

كسوف الشمس

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

أعمال القلوب, الصلاة

صدّوق الونّاس

برج الكيفان

الرحمة العتيق

1-حال المؤمن إذا شاهد الكسوف. 2- حال الكافر تجاه حادثة الكسوف. 3- حال النبي حين كسفت الشمس. 4- طاعات مسنونة وقت الكسوف.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: إن هذا الحدث الجلل وهو كسوف الشمس، يذكّرنا بقيام الساعة، اليوم كسفت الشمس واسودت على غير عادتها، وغدًا تفاجئنا بالطلوع من مغربها، عن أبي موسى قال: خسفت الشمس فقام النبي فزعا نخشى أن يكون الساعة، فهو يخشى أن يكون الكسوف مقدّمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من مغربها. فلا يبعد أن تظهر بعد الكسوف علامات الساعة.

وتقع متتالية، بعضها إثر بعض، وقد قال الله تعالى: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب.

وتذكّرنا ظلمة الكسوف - يا عباد الله - بظلمة القبر. ولأجل ذلك أرشد النبي أصحابه في خطبة الكسوف أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر، فظلمة النهار بالكسوف تذكر بظلمة النهار بالقبر، نسأل الله تعالى أن ينوّر علينا قلوبنا وسائر المسلمين.

واعلموا - رحمكم الله - أن حقيقة الاتعاظ والادّكار هو في التمسك بما ينجي يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ولهذا لما سئل النبي: متى قيام الساعة؟ قال: للسائل: (( وماذا أعددت لها ) ).

فينبغي أن تكون همّة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمّه في شغله، ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيت النجّار ينظر إلى الأبواب والنوافذ والطاولات والدواليب، والبنّاء إلى الحيطان، والخياط إلى النسيج المخيط والستائر والفرش، وهكذا المؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر. واذا رأى شيئًا مؤلما ذكر العذاب والعقاب. وإذا سمع صوتًا فظيعًا ذكر نفخة الصور، وإذا رأى الناس نيامًا ذكر الموتى في القبور، وإذا رأى لذّة ذكر الجنة وما فيها من الحور والقصور، واللذات والسرور.

عباد الله: ليس هذا الكسوف عند الكفار وأتباعهم إلا ظاهرة طبيعية من جملة المظاهر، ومنظر من أروع وأجمل المناظر، خرج اليوم في أنحاء العالم كل كافر وفاجر، لرؤية هذا المشهد العظيم وكأنهم في نزهة الخاطر، ولم يعلموا أنهم بذلك قدر ركبوا المخاطر.

أما أهل الإسلام والإيمان فإنهم يعرفون أن هذا الكسوف آية من آيات الله الدالة على وحدانيته وانفراده بالخلق والتصوير، والتصرف والتدبير. وعلى عظم قدرته وشدّة سطوته، فخرجوا خائفين من ربهم، تائبين من ذنوبهم، قصدوا أفضل البقاع بيوت الله، والتجؤوا إليه فهو ملجؤهم ومولاهم، ومنجيهم وناصرهم.

وقد وقع الكسوف في عهد النبي فقام فزعًا مستعجلًا يجرّ رداءه حتى دخل المسجد.

أخرج أبو داود في سننه عن حذيفة بن اليمان قال: كان النبي إذا حزبه أمر - أي اشتد عليه وأهمّه - صلّى.

وهكذا المسلم دائمًا يرجع إلى الله تعالى في حال الشدة، فإن لم يفعل فحتما لن يرجع إلى الله في حال الرخاء.

فإذا رأى المسلم من الآيات ما قد يسفر عن العقوبات، أو حلّ به بلاء، وضرب بسياط القضاء. استيقظ من نومته، وأفاق من غفلته، فرجع مسرعًا إلى ربه ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.

نعم، خاف ورجع إلى الله تائبًا منيبًا حتى يرضى الرب، ويكشف الكرب، ويغفر الذنب فتراه يصلي ويدعو ويزكي، ويسبّح ويهلّل ويستغفر، ويتصدق ويعتق.

وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يخوّف بهما عباده ) ) [أخرجه البخاري] . وقال تعالى: وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا.

وعن أبي بكرة أيضًا قال: كنّا عند النبي فانكسفت الشمس فقام النبي يجر رداءه [وفي رواية مستعجلا] حتى دخل المسجد، فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال: (( إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما فصلوا، وادعوا حتى يكشف ما بكم ) ) [أخرجه البخاري] . وفي حديث آخر: (( فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة ) ).

وعن أبي موسى الأشعري قال: خسفت الشمس فقام النبي فزعًا، يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قطّ يفعله، وقال: هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعاءه واستغفاره.

وفي حديث آخر قال في خطبة الكسوف: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا وصلّوا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ) ).

وعن أسماء رضي الله عنها قالت: لقد أمر النبي بالعتاقة في كسوف الشمس، وإن تعذّرت العتاقة لانعدام الرقاب والعبيد، فإنه يقوم مقامها كلمة الإخلاص، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنه، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك ) ) [أخرجه البخاري] .

عباد الله: كل ما ذكر من أنواع الطاعة يرجى من الله تعالى أن يدفع به ما يُخشى من أثر ذلك الكسوف.

لقد أمر النبي في خطبة الكسوف باستدفاع البلاء بالذكر والدعاء والصلاة والصدقة، وزجر عن المعاصي التي هي أسباب جلب البلاء، وخصّ منها الزنا، لأنه من أعظمها في ذلك، فإن من آثار غيرة الله تعالى السخط والانتقام من أهل الفساد والإجرام، قال: (( ولم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يعلنوا بها إلا ظهرت فيهم الأوجاع والأوباء التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ) ).

فاتقوا الله يا عباد الله، وتوبوا إلى الله توبة نصوحًا، وأكثروا من الدعاء بإخلاص وإيقان، وتصدقوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت