فهرس الكتاب

الصفحة 5540 من 5777

صيام التطوّع

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الصوم, فضائل الأعمال

حسين بن عبد العزيز آل الشيخ

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-السعادة في الدنيا. 2- فضل الصيام. 3- وصية النبي أصحابه بالإكثار من الصيام. 4- صيام النافلة. 5- الحث على قيام الليل.

أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، أوصيكم ونَفسي بتقوَى الله جلَّ وعلا، فمن اتَّقاه وقاه أسعَدَه وما أشقاه.

أيّها المسلِم، السعادةُ في هذه الدّنيا هي في مُداوَمَة ما يقرِّبك من الرحمن والتزوُّدِ بما يُدخلك الجنان، فالشهور والأعوامُ واللّيالي والأيّام مقاديرُ للآجال مَواقيتُ للأعمال.

ليسَ السّعيد الّذي دُنياه تُسعدُهُ إنّ السعيد الذي ينجو من النارِ

فيا أيّها المسلم، اجعلْ من عُمرك ظرفًا للطّاعات، تتقرّب فيه بالصَّالحات، فوا أسَفاه على زمانٍ يضيع في غير طاعَتِه سبحانه! ووا حسرتاه على وقتٍ يفوت في غير مرضاتِه جلّ وعلا! وقد قال العلماءُ: ما أحسَنَ الحسنةَ بعد السَّيِّئة تمحُها! وأحسنُ منها الحسنةُ بعدَ الحسنةِ تتلوها، وما أَقبحَ السّيِّئةَ بعد الحسنة تمحقُها! نسأل الله تعالى الثباتَ على الطاعاتِ، ونعوذ به من الموبِقات والسيِّئات.

إخوةَ الإسلام، من أفضل الأعمال التي يتقرّب بها العبد إلى مولاه جلّ وعلا عبادةُ الصيام فرضًا ونفلًا، فقد ذكر الله جلّ وعلا في أوصافِ من أعدّ لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ [الأحزاب: 35] ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ قال: (( كلُّ عملِ ابنِ آدم له؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصيام، فإنّه لي، وأنا أجزي به ) ). قال أهل العلم: وقوله: (( إلا الصيام، فإنّه لي، وأنا أجزي به ) )يتضمّن أنّ الصيامَ لا ينحصر تضعيفُ أجره، بل يضاعفه الله أضعافًا كثيرة بغير حصرِ عدَدٍ؛ فإنّ الصيامَ من الصبر وقد قال الله جلّ وعلا: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] .

أخي المسلم، الصومُ فضلُه عظيم وثوابُه كبيرٌ، في الصحيحين عن النبيّ أنّه قال: (( إنَّ في الجنّة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون، لا يدخل منه غيرُهم ) )، وفي روايةٍ: (( فإذا دخلوا أُغلِق ) )، وفي روايةٍ: (( من دخل منه شرِب، ومن شَرِب منه لم يظمَأ أبدًا ) ). ورسولُنا يقول أيضًا: (( الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النومَ بالليل فشفِّعني فيه، فيُشفَّعان ) )رواه أحمد بإسناد صحيح.

ومن هنا كان النبي يوصي أصحابَه بالصوم والإكثار منه، فقد قال له أبو أمامةَ رضي الله عنه حينما قال: يا رسول الله، مُرني بعملٍ، قال: (( عليك بالصوم؛ فإنّه لا عِدلَ له ) )، وفي رواية ابن حبان: قال: قلتُ: يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ أدخل به الجنّة، قال: (( عليك بالصوم؛ فإنّه لا مثيلَ له ) )، وكان أبو أمامةَ وأهلُه يصومون، فإذ رُئي في بيتهم دخانٌ بالنهار عُلِم أنّه قد نزل بهم ضيفٌ.

إخوةَ الإسلام، وقد تضمّنت سنّة حبيبنا ونبيّنا محمد الترغيبَ في نوافل الصوم، نشير إلى بعضٍ من ذلك في الوقفات التالية:

الوقفة الأولى: استحبابُ صيام يوم الاثنين والخميس، فكان يتحرّى صومَهما ويقول: (( تُعرض الأعمال فيهما، فأحبّ أن يُعرض عملي وأنا صائمٌ ) ). قال ابن رجب:"وكان أسامةُ ـ وهو راوي بعض هذه الأحاديث ـ يصومهما حضرًا وسفرًا".

الوقفة الثانية: استحباب صيام ستّة أيّام من شوّال، ففي صحيح مسلم من حديث أبي أيوب رضي الله عنه عن النبيّ قال: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر ) )، وفي حديث ثوبان عن النبي قال: (( صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستّة أيام بشهرين، فذلك صيام سنة ) )أخرجه الإمام أحمد والنسائي وصححه الرازي.

إخوةَ الإسلام، وقد استحبّ بعض العلماء أن تُصام هذه الأيام على وجهِ التّتابع، ولكن لا حرجَ في تفريقها في أثناء هذا الشهر، كما أنّ أكثرَ العلماء على أنه لا يُكره صيامُ ثاني يوم الفطر لما دلَّ عليه حديث عمران عن النبيّ أنه قال لرجل: (( إذا أفطرتَ فصُم ) ).

الوقفة الثالثة: تأكُّد استحباب صيامِ ثلاثةِ أيّامٍ من كلِّ شهرٍ، فعن عبد الله بن عمرو بنِ العاص رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ: (( صَومُ ثلاثةِ أيَّام مِن كلِّ شَهر صومُ الدّهر كلِّه ) )متفق عليه، وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي بثلاثٍ: صيامِ ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وركعتي الضحى، وأن أوترَ قبل أن أنامَ. وعن أبي الدرداء قال: أوصاني حبيبي بثلاثٍ، لن أدعَهنّ ما عشتُ: صيامِ ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنامَ حتى أوترَ. رواه مسلم.

والأفضلُ ـ يا عباد الله ـ صومُ هذه الثلاثة في الأيام البيض، وهي الثالثَ عشر والرابعَ عشر والخامسَ عشر، لما رواه النسائي والترمذيّ وقال:"حسن"عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: [قال رسول الله:] (( يا أبا ذرّ، إذا صمتَ من الشهر ثلاثةً فصم ثلاث عشرةَ وأربع عشرة وخمس عشرةَ ) )، وقال: (( هي كصيام الدهر ) ). وعن ملحان القيسيّ رضي الله عنه قال: كان رسول الله يأمرنا بصيام البيض: ثلاث عشرةَ وأربع عشرة وخمس عشرةَ. رواه أبو داود. وروى النسائي بإسناد حسن كما قاله النووي عن ابن عباس قال: كان رسول الله لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفرٍ، ولكن ضعفه بعض أهل العلم.

أخي المسلم، ومَن عليه قضاءٌ من رمضان فالصّحيح من قولَي أهلِ العلم أنه لا يتَطوّع قبل صيام المفروض، ويَتأكّد هذا في حَقّ صيامِ ستّة أيام من شوال، فإنّ صريحَ الحديث يدلّ على أنها لا تكون إلا لمن أكمل عدّةَ رمضان، ومن أصول الشريعة أنّ الفرضَ مقدّمٌ على النفل.

بارَكَ الله لي ولكم في القرآنِ، ونَفَعَنا بما فيهِ مِنَ الآياتِ والبيان، أقول هذَا القول، وأستَغفِر اللهَ لي ولَكم ولسائِرِ المسلمين مِن كلِّ ذنب، فاستَغفروه إنَّه هو الغفورُ الرّحيم.

الحمدُ لله علَى إِحسانِه، والشّكرُ له علَى تَوفيقِهِ وامتِنانِه، وأَشهَد أن لاَ إلهَ إلاّ الله وَحدَه لا شَريكَ لَه تعظيمًا لشَأنِه، وأَشهَد أنَّ سيّدنا ونَبيَّنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه الداعِي إلى رِضوانِه، اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك عَلَيه وعلى آلِه وأصحابِه.

أمّا بعد: فيا أيّها المسلِمونَ، أوصيكم ونَفسي بِتقوَى الله جَلّ وعلا، فَهِيَ وَصِيَّة الله للأوَّلين والآخِرين.

أيّها المسلم، ولئن كنتَ في رمضانَ مجتهدًا في صلاةِ الليل فاعلَم أنّ فضلَ الله عظيمٌ في سائرِ الشهور والأعوام، وقد وعَد عبادَه المتهجِّدين في اللَّيل بالأجرِ العظيم والثَّواب الجزيل، ووصفهم بقوله: كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات: 17] ، ورسولنا يقول: (( أفضلُ الصيامِ بعد رمضانَ شهرُ الله المحرَّم، وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضة قِيامُ اللّيل ) )رواه مسلم. تقول عائشةُ رضي الله عنها لرجلٍ: لا تدَع قيام الليل، فإنّ رسول الله كان لا يدعه، وكان إذا مرض صلّى قاعدًا. أخرجه أبو داود بسند صحيح.

فحافظوا ـ رحمكم الله ـ على صلاة الليل؛ ففيها تكفير السيئات ورفعُ الدرجات، فالنبي يوصي بذلك فيقول: (( عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم وقُربةٌ إلى ربّكم وتكفير للسيئات ومنهاة عن الإثم ومطردةٌ للداء عن الجسد ) )أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما هو حديث حسن.

فيا من يطمع في الجنان ونيل رضا الرحمن، سارع إلى تحصيل أسباب الرضوان، فنبينا يقول: (( يا أيّها الناس، أطعِموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخُلوا الجنّة بسلام ) )حديث صحيح.

ثمّ إنَّ مِن أفضل الأعمال وأزكاها عند ربِّنا جلّ وعلا الإكثارَ مِنَ الصلاةِ والسلام على النبيّ الكريم.

اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّدنا ونبيِّنا محمّد، وارضَ اللّهمَّ عَن الخلفاءِ الرّاشدِين والأئمّة المهديِّين أبي بكر وعمَرَ وعثمان وعليّ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت