فهرس الكتاب

الصفحة 1012 من 5777

امتحان الخوف والجوع

سيرة وتاريخ

القصص

عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس

مكة المكرمة

جامع الفرقان

خيرية الأمة وسببها , وأسباب سلبها من بني إسرائيل والتحذير من مشابهتهم - ابتلاء بني

إسرائيل بالخوف والجوع وفشلهم , ونجاح أمة محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك

ابتلاءات الجوع لبني إسرائيل: نهيهم عن الصيد يوم السبت , واعتداؤهم فيه - ابتلاؤهم

بالخوف ورفضهم دخول الأرض المقدسة - ابتلاء أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالمنع من

الصيد حال الإحرام فنجحوا وابتليت بالخوف في بدر فأطاعوا - القيام بالأمر بالمعروف سبب

نجاة الأمة , وعاقبة تركه

عباد الله: اعلموا أن الله جل وعلا جعل الأمة التي أنتم منها خير أمة أخرجت للناس كنتم خير أمة أخرجت للناس , واعلموا أيضًا أن ذلك كان كذلك لأسباب بينها ربنا جل وعلا متى دمنا عليها دامت علينا خيريتها, وإذا نكلنا عنها ونكصنا والعياذ بالله سلبت منا تلك الخيرية, كما سلبت من بني إسرائيل من قبلنا ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين , قال المفسرون رحمة الله عليهم أي على عالم زمانهم, وإلا فليس بنو إسرائيل بأفضل من هذه الأمة فقد كانوا أفضل الناس كما قال جل وعلا وفضلناهم على العالمين ولكن نكلوا عن أوامر الله وعصوا أوامره فسلبت منهم خيريتهم وجعلت في خير أمة أخرجت للناس تلك الأمة التي أنتم منها.

ابتلى الله جل وعلا أمة إسرائيل بالخوف وابتلاهم بالجوع فأخفقوا وفشلوا في كلا الاختبارين وابتلى بهذين الاختبارين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأفلحت أيما فلاح.

أما ابتلاءات الجوع فقد بينها ربنا جل وعلا في كتابه حيث حرم عليهم أن يصطادوا السمك يوم السبت وسلط عليهم القرم وهو شدة شهوة اللحم, وسلط عليهم السمك أكثر ما يكون ظاهرًا باديًا على وجه البحر في يوم السبت فإذا انتهي يوم السبت دخل في البحر لا يستطيعون الوصول إليه ابتلاء من الله لهم واختبارًا وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدوهم في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا ( أي ظاهرة بادية على وجه البحر) ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون , ولكنهم تحايلوا على أوامر الله وانتهكوها, فبدؤا أول ما بدؤا حين اشتدت بهم شهوة اللحم باصطياد السمك عن طريق الحيل فعصوا أمر الله جل وعلا بالحيل وهو يعلم المفسد من المصلح فحفروا لها الحفر بجوار البحر وشقوا لها الأخاديد فيأتي السمك فيها فتنحصر فلا تستطيع الرجوع إلى البحر فيأخذوها في يوم الأحد. ومن حيلهم أنهم يرمون شباكهم يوم الجمعة فينحصر السمك فيها ثم يأخذونها يوم الأحد, وهم بذلك كله يدعون أنهم لم يصطادوا يوم السبت فنهتهم أمة منهم على هذا التحايل على أوامر الله فلم ينتهوا بل استمروا في غيهم وضلالهم حتى بلغ بهم الحال أنهم صاروا يصطادون السمك جهارًا نهارًا في يوم السبت علانية دون خفاء بل ويتبايعونه في أسواقهم فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون , فأخذهم الله عز وجل فمسخهم قردة وبعض العلماء يقول مسخ كبارهم خنازير وشبابهم قردة ,نسأل الله العافية والسلامة.

واختبرهم الله جل وعلا باختبار الخوف ففشلوا أيضًا ولم يفلحوا وذلك هو ما ذكره ربنا جل وعلا بقوله وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا , قال ابن عباس رضي الله عنهما (من ملك دارًا وخادمًا وزوجة فهو ملك) وآتاكم ما لم يؤت أحد من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدًا ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين وهكذا نكلوا عن أوامر الله جل وعلا, يأمرهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة وهي بيت المقدس, فقالوا: إن فيها قومًا جبارين نخشى منهم, مع أن موسى أمرهم بذلك والواجب أن يمتثلوا لأمر نبي الله لأن أمره أمر من الله جل وعلا , ولكنهم نكصوا فقام رجلان منهم يحرضان على القتال ولكن كما قيل:

ولقد أسمعت لو ناديت حيًا ولكن لا حياة لمن تنادى

ولو نارًا نفخت فيها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد

فلم يمتثلوا أمر الله ونكلوا عنه وقعدوا فضرب الله عز وجل عليهم التيه أربعين سنة يتيهون في الأرض, يمشون النهار كله فإذا أمسوا ناموا فإذا أصبحوا فإذا بهم بالمكان الذي فيه أمس.

هذان الاختباران ابتلى الله بهما أمة إسرائيل اختبار الخوف واختبار الجوع ففشلوا وأخفقوا, وقد ابتلى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بهذين الامتحانين فنجحوا وأفلحوا رضي الله عنهم وأرضاهم.

أما الأول: فقد ذكره ربنا جل وعلا بقوله يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم , ذكر أهل التفسير وأهل السير أنهم رضي الله عنهم في صلح الحديبية عام ست من الهجرة وكانوا محرمين عمارًا رضي الله عنهم وأرضاهم نهاهم الله جل وعز عن قتل الصيد وهم محرمون وسلط عليهم الصيد يستطيعون أن ينالوه بأيديهم دون جهد حتى ذكر بعض المفسرين أن الطيور ربما وقعت على ركبهم وأطرافهم, وأن الأرانب ربما مشت بين أيديهم, وكل ذلك امتحان من الله جل وعلا وابتلاء لهم ليعلم من يخافه بالغيب, أي حالة كونه لا يرى الله جل وعلا وهي مرتبة الإحسان. قال أهل التفسير وأهل السير فلم ينقل أن صحابيًا واحدًا اصطاد صيدًا واحدًا, فامتثلوا أمر الله جل وعلا وكفوا عن الصيد على الرغم من شدة حاجتهم إليه وشدة جوعتهم إليه رضي الله عليهم وأرضاهم.

وأما الابتلاء الثاني: وهو ابتلاء الخوف فهو ما ذكره أهل السير حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلًا من أصحابه يريد أن يعترض على قافلة لقريش قوامها عشرون رجلًا, ثم إنهم استطاعوا الفرار من رجال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء النفير لهم من مكة يساندهم في تسعمائة وخمسين رجلًا معهم السلاح الكثير والعتاد الكثير, ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه ليرى هل يقدمون معه على قتال هذا العدد العظيم وهذا السلاح الكثير أم أنهم ينكصون, فقال صلى الله عليه وسلم أشيروا على أيها الناس, فقام أبو بكر الصديق فتكلم فأحسن ثم قام عمر رضي الله عنه فتكلم واحسن , ثم قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه وهو من المهاجرين فقال: يا رسول الله امض إلى ما أمرك الله فو الله لن نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون"ولكنا نقول"لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون, فوالله لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا دونك حتى تبلغه"فقال رسول الله له: (( خيرًا ) )ودعا له, ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أشيروا علي أيها الناس ) ). وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم كانوا عدد الناس وأنهم حين بايعوه بيعة العقبة, قالوا: (( رسول الله إنا برئاء من زمامك حتى تصل إلى ديارنا , فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا ) ), فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى له عليهم نصره إلا على من داهمه بالمدينة من عدوه, وأنه ليس عليهم ذلك خارج بلادهم, فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, قام سعد بن معاذ من الأنصار وهو سيد الأوس فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله. فقال: أجل.

فقال سعد: كأنك يا رسول الله خشيت أن تكون الأنصار ترى أنه ليس من حقها أن تنصرك إلا في ديارهم وأنا أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فاظعن متى شئت وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا منها ما شئت والذي تأخذه منا كان أحب إلينا مما تتركه وما أمرت فيه بأمر فأمرنا فيه تبع لأمرك فسر بنا فوالله لو سرت بنا إلى برك الغماد لنسيرن معك ولو استعرضت هذا البحر فخضته لنخوضنه معك , والله لا نكره أن تلقى بنا عدونا غدا فإننا صبر في الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله.

قال فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه, وقال لأصحابه: سيروا وأبشروا فو الله إن الله وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم.

وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدي به, أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك.فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره ما قال المقداد [1] .

اللهم ارضى عن أصحاب نبيك صلى الله عليه وسلم وارزقنا اقتفاء آثارهم واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] صحيح البخاري (3952) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله أجمعين.

أما بعد فيا عباد الله رأيتم ما فعل الله ببني إسرائيل, هم الذين كانوا أفضل أمة أخرجت للناس, كما قال جل وعلا: ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين , وهم الذين صاروا بعد ذلك ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ، وما ذلك إلا بسبب معصيتهم لله جل وعلا وإعراضهم عنه وارتكابهم زواجر الله ونواهيه. واعلموا يا عباد الله أنه ليس بين الله وبين أحد من عباده سبب ولا نسب إنما السبب الوحيد الذي يرفع الناس عند ربهم ويعلي درجاتهم هو مدى تمسكهم بأوامر ربهم وانتهائهم عن زواجره, فإنما جعلنا الله خير أمة أخرجت للناس بأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر وإيماننا بالله. وقد رأيتم ما حدث لبني إسرائيل حينما سكتوا عن الأمر بالمعروف في قصة القرية التي كانت حاضرة البحر, فإن أهل العلم يقولون إن الذين نجوا هم الذين نهوهم عن الاصطياد يوم السبت, وأما الذين هلكوا فهم الذين صادوا يوم السبت, أهلكهم الله عز وجل بتحديهم أوامره, وأما الذين سكتوا فأكثر المفسرين قالوا: إنهم هلكوا مع الهالكين الذين مارسوا المنكر بعينه واصطادوا يوم السبت. وقد قال الله عز وجل: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة , فإن أهل المعاصي إذا استمروا في غيهم على مرأى ومسمع من عامة الناس دون أن ينكر عليهم منكر يوشك أن يعم الله الجميع بعقاب منه واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة , سؤل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (( نعم إذا كثر الخبث ) ) [1] .

وقد قال ربنا جل وعلا: وما كان ربك بمهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون , أما إذا كانوا صالحين فقد يهلكون بجريرة المعتدين الظالمين.

فلنتقي الله يا عباد الله. اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا ولسانًا ذاكرًا.

[1] صحيح البخاري (3346) ، صحيح (2880) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت