فهرس الكتاب

الصفحة 5740 من 5777

أهمية القلم وخطورته

العلم والدعوة والجهاد

الإعلام, العلم الشرعي

سعود بن إبراهيم الشريم

مكة المكرمة

المسجد الحرام

1-دعوة النبي للكتابة والقراءة. 2- أهمية القلم. 3- مفاخرة المسلمين بالقلم. 4- الصفات المطلوبة في القلم. 5- القلم سلاح ذو حدين. 6- فشو القلم. 7- الحاجة إلى القلم الصادق الأمين الصافي الملهم.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار، وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115] .

أيها الناس، لقد أنعم الله جل وعلا على أمة الإسلام بالرسول النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: 2] . غير أن أمية النبي لم تكن يومًا ما قدحًا في رسالته أو مثلبًا في نبوته، كلا بل إن هذا النبي الأمي هو من أمره الله بقوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1-5] . إنه ـ والله ـ لنبي أمي يدعو أمته إلى القراءة والكتابة، كيف لا وهو يستشعر عظمة القلم بإقسام الله تعالى به في قوله: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم: 1] ؟! والإقسام من الله تعالى لا يُتبَع إلا بشريف ما أبدَع وكريم ما صنَع، ومن ذلكم القلم الذي هو آلة الكتابة وأول مخلوقات الله تعالى على أحد الأقوال، كما في قوله: (( إن أوّلَ ما خلق الله القلم ) )الحديث رواه أبو داود والترمذي.

القلم ـ أيها الناس ـ هو خطيب الناس وفصيحهم وواعظهم وطبيبُهم، بالأقلامِ تُدارُ الأقالِيم وتُساس الممالِك، القلمُ هو نِظامُ الأفهام وبريدُ اللسان الصامت، والكتابة بالقلم شرف ورفعة للمرء وبضاعة رابحة، هي للمتعلم بمنزلة السلطان وإنسان عينه بل عَين إنسانِه، بالقلم تخلَّد العلوم وتثبُت الحقوق، ولولا الكتابة لانقَطَعت أخبار بعضِ الأمم واندرست السنَن ولم يعرف الخلف مذهبَ السلف، ورحم الله سعيد بن العاص حين قال: (من لم يكتب فيمينه يسرى) ، ولقد أحسن معن بن زائدة حيث قال:"إذا لم تكتبِ اليد فهي رجل".

أيّها المسلمون، لقد فاخَر كثيرٌ من المسلمين بالقلم حتى جارَوا به السيفَ والسنان، نعم لقد فاخر بذلك علماؤهم وشعراؤهم وبلغاؤهم ووعاظُهم، لقد رَقَموا بالقلم الجادّ صحائفَ الأبرار ليُحطّموا به صحائف الأشرار، ولقد أثّرت أقلامهم في إرهاب العدوّ عن بُعد ما لم تؤثّره السّيوف عن قُرب، لقد كانت نواياهم إبراز الخير لأمة الإسلام؛ نصحًا وإرشادًا، وأحكامًا وفقهًا، وأمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر، وأدبًا وشعرًا لا يخرمان المروءة ولا يثلمان الرزانة والمنطق، لم تكن أقلامهم مأجورةً يومًا ما، ولم يقترفوا بالقلم ما يخدش حياء أمتهم أو يحدث ثلمة في هويتها، بل لم يكن همَّهم الإحبار أمام الدرهم والدينار وأمام حظوظ النفس والذات البالية، فضلا عمّا قد يصاحب مثلَ ذلكم من تعسُّف وشقشقةٍ تسترقّ الأقلام أو تجفِّف المحابر؛ لتحتكرَ بقلم لا يشفي من ألم.

عبادَ الله، صِدقُ القلم وفصاحتُه مِن أحسنِ ما يتلبَّس بِهِ الكاتب ويتَّزر بِه العاقلُ، وإنّ الاعتناء بأدب القلم في المعنى هو ضرورةٌ كما هو الأمر في المبنى، وهو بذلك صاحبٌ في الغربة ومؤنس في القِلة وزينٌ في المحافل، ناهيكم عن دِلالته على العقلِ والمروءة ورباطةِ الجأش والتبرِّي من ضيقِ العطَن ومصادرة الحقّ وعِشق الهوى الذي يُعمي ويصمّ، فَأَمَّا ?لزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ?لنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ?لأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [الرعد: 17] . ثُمَّتَ إنّه ولا شك أنَّ من غرَس بقلمه فسيلًا فإنه يوشك أن يأكل رُطَبها، وما يستوي عند أولي النّهى وذوي الحِجى قلمان: أحدهما ثَرثار متَفَيهِق يكتُب قبلَ أن يفكّر، ويرمي قبل أن يبصر، يطِبُّ زكامًا فيُحدِثُ جُذامًا، والقلم الآخر قَلمٌ يَكتب على استِحياء محمودٍ واستشعارٍ لمسؤولية القلَم والمحاسبة عليه أمام الله، وله مع ذلك غَيرَة نابتة من حُبّ الله ورسوله والنصح لكلّ مسلم. وإذا ما تعارض القلمان فإن الخرسَ خير من البَيان بالباطل كما أنَّ الحصُور خير من العاهر، قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 100] .

وحاصِلُ ذلكم ـ عباد الله ـ أنه ما رُئِي مثل القلم في حمل المتناقضات؛ فهو عند اللبيب المهتدي آلةٌ من آلات الخير والبرّ ومركبٌ من مراكبِ البلوغ والنجاح ورأب صدع الفلك الماخر، وهو عند النزِق المائِل عقرب خبيثة ودودُ عَلَق يلاصق لحمَ من يقارِبُه.

ومع هذا كلِّه ـ عباد الله ـ فإنَّ القلمَ في هذا الزمان قد فشا فُشوًا كبيرًا لم يكن كسابق الأزمان، وقد اتَّسع نطاقه ليبلُغَ القاصي والداني، كما قال المصطفى: (( إنَّ بين يدي الساعة تسليمَ الخاصة وفُشُوَّ التجارة حتى تُعين المرأة زوجَها على التجارة وقطعَ الأرحام وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق وظهور القلم ) )رواه الإمام أحمد في مسنده.

وإنّ مما لا شكَّ فيه أنَّ الشيءَ إذا فشا وذاع ذُيوعًا واسِعًا كثُر مدّعوه وقلَّ آخِذوه بحقِّه، فيكثُر حينئذٍ الخطأ ويعمُّ الزّلل، فيفرِز ذلكم عُريَّ بعضِ الأقلام عن الأدَب، فلا تَرعَى حرمةً، ولا تُحسِن رَقمًا، ولا تزِن عاطفةً في نقاش، فتثور بسببها خواطرُ النفوس وتُبعَث الأضغان وتُكشَف الأستار ويشتدّ اللّغطُ رَقمًا بقلمٍ في قرطاسٍ ملموس بالأيدي، ناهيكم عن الكذِب والافتراءِ والتصريحِ بالعورات وما يخدِش العدلَ والإنصاف والموضوعية البريئة، مع ما يصاحب ذلكم من قلمٍ متعثِّر فيزداد خطرُه ويستفحل شرُّه، ومن ثمَّ ينوء صاحبُه بأحمالٍ لا يُقِلّها ظَهر ودموعِ ندمٍ على قُبح تَسطير ما لمدَدِها انقطاع، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: 10-12] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفارًا.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد: أيها الناس، إن المسلمين بعامة لفي حاجة ماسَّة إلى القلمِ الصّادق، إلى القلم الأمين، إلى القلَم الصافي من الدخَن، إلى القلَم الملهَم الذي يأخُذ بلُبِّ قارئه صدقًا ونُصحًا وصفاء، ينشر الحقَّ ويحيي السنة ويدلُّ الناس إلى ما فيه خيرُ دينهم ودنياهم، وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ?للَّهُ فَلْيَكْتُبْ [البقرة: 282] .

إنَّ القَلمَ أمانةٌ، وحملتُه مِن بَني الإسلام كُثرٌ، غير أنَّ الإنسان كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، وما كلُّ من حمل الأمانة عرف قدرَها؛ ولأجل ذا لفَت علماءُ الإسلام الانتباهَ إلى صفاتٍ وضوابطَ لا يسَع الأمةَ إهمالُها، ولا ينبغي أن يقصِّر فيها كاتبٌ أو ذو قلم، أو من جهة أخرى من قِبَل القراء وأمثالهم إلى عمَّن يتلقون ما ينفع، ولمن يقرؤون ما يفيد، وممّن يأخذون، ولمن يذرون، فتكلَّموا عن كونِ الكاتبِ مسلمًا مُستقيمًا؛ ليُؤمَن جانبُه ويوثَق فيما يسطّره بنانُه؛ حتى لا يذوقَ القراء مراراتٍ يتَجرّعونها ولا يكادون يُسيغونها غيرَ مرّة. كما تكلّم علماء الإسلام أيضًا عن كون الكاتب ذا علم وبصيرةٍ، وأن يقتصر صاحب التخصّص على تخصّصه، فلا يتحوّل الكاتب بقلمه من كونه صحفيًّا إلى كونه فقيهًا مفتيًا، ولا من كونه أديبًا إلى كونه طبيبًا، ولا من كونه مفكّرًا إلى كونه وصيًّا وصايةً مطلقةً على أفكار القراء ومصادر تلقّيهم، وحادي الجميع في ذلكم أن يكون المرجعَ كتاب الله وسنة رسوله.

وإن من أهمّ ما بيّنه علماء الإسلام والناصحون منهم أن يكون صاحب القلم متّصفًا بالعدالة والأنصاف وإدراك معنى الحوار السليم؛ لأن الكاتب الجائر ليس له قائد في فكره وقلمه إلا الهوى والتدليس والتلبيس والتهويش والتشويش، ولربما زاد ونقص وحرّف وأوّل، فكان كمن وصفَهم الله بقوله: تَجْعَلُونَهُ قَر?طِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [الأنعام: 91] ، وإذا كان الناس يُكبّون على وجوههم في النار بسبب حصائد ألسنتهم مع أن اللسان يفنى وينقطع حديثه، فما ظنكم بالقلم الذي يطول تسطيره ويبقى حيًّا وإن مات صاحبُه وأضحى فُتاتًا.

قلَمان لو تعرفهما لعرفتَ نوعَ مدادي

قلمُ الرزين وعكسه قلم السفيه الصادي

فاختر لنفسك واحدًا ينجيك يومَ معادي

هذا، وصلوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت