فهرس الكتاب

الصفحة 2790 من 5777

خطورة اللسان وآفاته

الرقاق والأخلاق والآداب

آفات اللسان

يزيد بن الخضر ابن قاسي

بوزريعة

علي مغربي

1-عظم تأثير اللسان على الجوارح. 2- الحث على حفظ اللسان في السنة. 3- حرص السلف على حفظ ألسنتهم. 4- بعض آفات اللسان والتحذير منها.

عباد الله، اتّقوا الله واعلموا أن الله قد أمرنا بحفظ الجوارح عن الآثام، وإن أخطر الجوارح وأعظمها شؤمًا وأشدها خطرًا على الدين هو اللسان، ولهذا أمرنا الله تعالى بحفظه فقال عز وجل: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:17-18] .

في هذه الآية الكريمة تذكير للمؤمنين برقابة الله عز وجل للإنسان، في كل لحظة من لحظاته، وفي كل حال من أحواله، حتى فيما يصدر عنه من أقوال، وما يخرج من فمه من كلمات؛ كل قول محسوب له أو عليه، وكل كلمة مرصودة مكتوبة مسجلة في سجل أعماله: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ، يسجله الملكان في الدنيا، ويوم القيامة ينكشف الحساب، ويكون الجزاء.

إنه اللسان عباد الله، هذه الجارحة التي تتكلم بالخير والهدى والرضوان، فتكسب صاحبها المحبة والعفو والغفران، فيفوز بالجنان، وقد تتكلم بكلمة السوء والضلالة والعصيان، فتوبق صاحبها في الشرور والشقاوة وغضب الرحمن. كم من كلمة صالحة كانت سببًا لدخول صاحبها في رضوان الله تعالى، وكم من كلمة سيئة أدت بصاحبها إلى عذاب الله تعالى.

روى الإمام أحمد والترمذي عن بلال بن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم القيامة. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله عز وجل، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل بها عليه سخطه إلى يوم القيامة ) )، وأخرج البخاري في صحيحه أن النبي قال: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم ) ).

وصحّ من رواية الترمذي أن معاذ بن جبل رضي الله عنه جاء إلى رسول الله يستنصحه عن عمل يدخله الجنة ويباعده عن النار، فأخبره عن أعمال صالحة شتى، ثم قال له: (( ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ ) )فقال: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: (( كفّ عليك هذا ) )، فقال معاذ: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (( ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم؟! ) )أي: ما يدخل الناس جهنم إلا بسبب ما تكلمت به ألسنتهم من الحرام.

كلمة واحدة من رضوان الله قد تكون سببًا في دخولك الجنة، وكلمة واحدة من سخط الله قد تكون سببًا في دخولك النار، إنها هذه الجارحة، هذه القطعة من اللحم التي تتقلب في أفواهنا.

روى الترمذي عن رسول الله قال: (( إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تُكَفر اللسان ـ أي: تخضع وتذل ـ فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ) ).

و اللسان ـ عباد الله ـ ترجمان القلب، وقد أمرنا الله عز وجل بالمحافظة على استقامة قلوبنا، واستقامة القلب مرتبطة باستقامة اللسان، ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد: (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ) ).

ومن هنا ـ أيها الإخوة الكرام ـ كان حريًا بالمسلم أن يضبط لسانه، وأن يحفظه عن جميع الكلام إلا ما ظهرت فيه المصلحة، فإن كان خيرًا تكلم، وإلا سكت، والسكوت في هذه الحالة عبادة يؤجر عليها، وهذا مصداقًا لقول رسول الله كما في الصحيح إذ يقول: (( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) ).

ولهذا كان سلفنا الصالح يتعبدون الله بالصمت والسكوت، ويبتعدون كل البعد عن اللغو في الكلام، ويعرضون عنه، وقد امتدح الله تعالى أهل هذه الصفة في كتابه حيث قال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:1-3] .

لقد كان خوف السلف من آفات اللسان عظيمًا, فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يقول: (ما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان) ، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: (أنصف أذنيك من فيك ـ أي: من فمك ـ فإنما جعلت لك أذنان وفم واحد، لتسمع أكثر مما تكلم به) ، وقال عمر رضي الله عنه: (من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به) , وكان ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بلسانه ويقول: (ويحك قل خيرًا تغنم، واسكت عن سوء تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم) .

فاتقوا الله عباد الله، واضبطوا ألسنتكم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تتلفظوا، فما كان خيرًا فتكلموا به، وما كان سوءًا فدعوه، واحذروا من آفات اللسان, فإنها لا تزال بالمرء حتى تهلكه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول ما تسمعون.

إن اللسان ـ عباد الله ـ هو الآلة المسببة لكثير من الأمراض التي تصيب وتفسد العلاقات الاجتماعية، ومن هذه الأمراض والآفات: الغيبة والنميمة اللتان حرمهما الله عز وجل، والقذف والافتراء والكذب والبهتان والزور وغيرها، فاللسان في هذا كله له أكبر نصيب، وإذا ترك الإنسان لسانه يخوض في هذه الآفات، ويلغو في هذه الأعراض، كان عرضة لوعيد شديد، وللإفلاس يوم القيامة، وشتان بين إفلاس الدنيا وإفلاس الآخرة. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( أتدرون ما المفلس؟ ) )قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: (( إن المفلس من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ) ).

وإن من آفات اللسان ما نلاحظه في بعض المجالس والاجتماعات من بذاءة في الألفاظ وفحش في الكلام ومن سب ولعن وشتم بأساليب عديدة، تجري على الألسنة بسهولة ويسر، ودون تفكير في العاقبة، ونخصّ بالذكر ـ لأنه الأدهى والأمر ـ ما نسمعه من ذلك في الخصومات بين الناس، من سبّ لله سبحانه وتعالى، أو سبّ رسوله الكريم ، أو سبّ دينه الحنيف، وقد شاع وانتشر في أوساط الناس، حتى سمعناه من النساء والصبيان، لما تساهل الناس فيه، ويحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم.

إنه ـ والله ـ لمصيبة عظمى وطامة كبرى أن تسمع سبّ الله تعالى أو سب دينه، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا, أن عمدوا لمثل هذا السب، فهؤلاء الناس قد هان في قلوبهم تعظيم رب العالمين، فلو كان عندهم تعظيم لله العظيم، وكانوا على تقوى وخوف منه، لما تجرّؤوا على مثل هذا، لأن اللسان ـ عباد الله ـ ترجمان القلب, وهو دليل عليه.

والحقيقة أن هؤلاء اتخذوا هذا الأسلوب تخويفًا للناس ورمزًا وإعلانًا وشعارًا للتجبر، ولإظهار القوة والشجاعة الشيطانية، أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى، أما يخشى هذا الساب أن تقبض روحه وهو في تلك الحالة؟! وقد وقع مثل هذا, فقد حدثني غير واحد ممن أعرف كانوا شهودَ عيان على من قبضت روحه، وهو يسبّ الله تعالى والعياذ بالله، فيا لها من سوء خاتمة وسوء عاقبة، والنبي يقول: (( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم ) )، قال كلمة فقط في سخط الله، فما بالكم بمن سبّ الله عز وجل أو سب دينه وتقصد ذلك بأفحش السباب؟!

اعلموا ـ عباد الله ـ أن سب الله تعالى أو سب رسوله أو سب دينه من الكفر المخرج من الملة بالإجماع، وهو ردة عن الإسلام، فمن وقع في مثل هذا فليجدد إسلامه، وليتب إلى الله تعالى.

وإن من آفات اللسان ـ عباد الله ـ الاستهزاء بأمور الدين، فبعض الناس يتجرؤون بألسنتهم على الاستهزاء بشيء من أمور الدين، ومنهم من يفعل ذلك ليضحك الناس, كأن يسخر بشعيرة من شعائر الإسلام، أو سنة من سنن النبي ، فاعلموا ـ عباد الله ـ أن الدين وشعائره وأحكامه مقدسة، ومن استهزأ بشيء من أمور الدين فقد كفر بإجماع المسلمين، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65، 66] .

فاتقوا الله عباد الله، واحذروا أن يوقعكم الشيطان في مثل هذا الكفر، واحفظوا ألسنتكم من كل آفة وسوء، واجعلوا لسانكم منطق خير، رطبًا بذكر الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت