فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 5777

نعمة رمضان

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الصوم, فضائل الأعمال

منصور الغامدي

الطائف

أبو بكر الصديق

مشاعر المسلمين عند استقبال شهر رمضان - فضل شهر رمضان - بعض الطاعات المطلوبة

في شهر رمضان: التوبة ,الدعاء ,الإنفاق ,العمرة ,القيام - أصناف الناس في رمضان

أما بعد:

فيا أيها المؤمنون، كم هي مشاعر الفرحة والغبطة التي تغمر المسلمين في أنحاء الأرض كلها، تخالط قلوبهم وهم يترقبون دخول هذا الشهر الكريم، شهر رمضان الكريم الذي أنزل فيه القرآن، لعلمهم أنه يحمل بين جنباته سعة رحمة الله ومغفرته ورضوانه قال: (( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار، وصفرت الشياطين ) ) [1] ، وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، قال ـ تعالى ـ: إِنَّا أَنزَلْنَـ?هُ فِى لَيْلَةِ ?لْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ?لْقَدْرِ لَيْلَةُ ?لْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ ?لْمَلَـ?ئِكَةُ وَ?لرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ.

إن رمضان انبثاقة فجر جديد للعالم، إنه تشرف أن يكون فيه تبديد ظلام الشكر والضلال الذي خيم على الأرض قرونا، بنزول القرآن فيه، والصيام فيه يربي العبد على التطلع إلى دار الآخرة، فهو يترك طعامه وشرابه وشهوته انتظارا للجزاء الحسن يوم القيامة.

والصيام استسلام وعبودية لله، فالعبد يأتمر بأمر ربه في مواعيد الإمساك، ومواعيد الأكل والشرب، لا يتقدّم عنها ولا يتأخر. والصوم تربية للمجتمع على التلاحم والشعور بحاجة الآخرين.

أيها المسلمون، إن من رحمة الله ـ تبارك وتعالى ـ أن أخرَنا لبلوغ هذا الشهر، وأمهلنا فلم يتخطّفنا الموت كما تخطّف أناسًا غيرنا، ولو تأمّلنا قليلًا في حال بعض أقربائنا أو جيراننا أو أصحابنا في ساعة ما، فكم هي نعمة أن يبلّغنا ربنا هذا الشهر الكريم، ومنْ يدري هل سوف نبلغه العام القادم أم لا؟ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ?للَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ. إنك ـ أخي الكريم ـ ترى في هذا الشهر صنفًا مسارعًا إلى طاعةالله، لقد حنّوا في مسيرهم الدنيا إلى الله العلي الكبير، فكلّما تذكروا ما أعدّ الله للصائمين من عظيم الأجر قالوا: يا حبذا الجنة واقترابها طيبةٌ وباردٌ شرابها إنك تراهم يحملون هممًا عالية في الخير، وهممًا في الإحسان إلى الناس، وهممًا في البر والمعروف، لقد استعد أهل الدنيا لاستقبال هذا الشهر الكريم، فكيف استعدوا هم له وبم يستقبلونه، ومن أعمالهم فيه التوبة والاستغفار، فرمضان فرصة عظيمة وساحة واسعة للتفكير الصادق في العودة إلى الله ـ تعالى ـ، وترك أكل الحرام وشهادة الزور، والتوبة الصادقة من الظلم والغيبة والنميمة، وقد قال الله ـ تعالى ـ: وَتُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

فإن لم نبت في رمضان فليت شعري متى نتوب؟ ولله ـ سبحانه ـ في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار.

ثانيا: الدعاء: قال ـ تعالى ـ: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ?لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ وقال: (( لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان ) ) [2] ، وعلى المسلم أن يتخير أوقات في أدبار الصلوات المكتوبات، وما بين الأذان والإقامة، وفي الساعة الأخيرة من يوم الجمعة، وعند دخول الإمام إلى أن تنقضي صلاة الجمعة، وعند إفطار الصائم وغيرها.

صرفت إلى رب الأنام مطالبي ووجهت وجهي نحوه وقالبي

إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه مليك يرجى شيبه وفي المتاعب

فما زال يوليني الجميل تلطفا ويدفع عني في صدور النوائب

إذا أغلق الأملاك دوني قصورهم ونهنه عن غشيانهم زجر حاجب

فزعت إلى باب المهيمن طارقا مدلا أنادي باسمه غير هائب

فلم أنف حجابا ولم أخش منعة ولو كان سؤلي فوق هام الكواكب

كريم يلبي عبده كلما دعا نهارا وليلا في الدجى والغياهب

سأسله ما شئت إن يمينه تسح رفاقا باللهى والرغائب

ثالثا: الإنفاق:

النفقة من أسباب القرب من الله ـ تعالى ـ ودخول الجنة أو سارعوا إلى مغفرة قال: (( ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه ) ) [3] ، وإنها لفرصة ثمينة أن ينال العبد الأجر العظيم، بصدقة لا تنقص ماله، وقال: (( صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر ) ) [4] .

رابعا: العمرة: قال: (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ) [5] وهذا الفضل العظيم للعمرة عام في كل حين وأما في رمضان فإن فضلها يتضاعف، فقد قال لامرأة من الأنصار: (( فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة، أو قال: حجة معي ) ) [6] .

بارك الله لي ولكم...

[1] أخرجه البخاري: كتاب الصوم - باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟... حديث (1899) ، ومسلم: كتاب الصيام - باب فضل شهر رمضان ، حديث (1079) .

[2] قال الهيثمي في المجمع (3/143) : عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: (( إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة - يعني في رمضان - وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة ) ). رواه البزار وفيه أبان بن أبي عياش ، وهو ضعيف. اهـ. قلت: لم أجده في المطبوع من مسند البزار ن وقال ابن حجر في أبان: متروك ، التقريب (ص87) ، فإسناده ضعيف. وأخرج أحمد (2/254) عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد - شك الأعمش - قال: قال رسول الله: (( إن لله عتقاء في كل يوم وليلة ، لكل عبد منهم دعوة مستجابة ) )قال الهيثمي في المجمع (10/216) : ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (2165) .

[3] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة - باب استحباب العفو والتواضع ، حديث (2588) .

[4] أخرجه الطبراني في الكبير (8014) ، قال الهيثمي في المجمع (3/115) : إسناده حسن ، وصححه الألباني في الصحيحة (1908) .

[5] أخرجه مسلم: كتاب الحج - باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ، حديث (1349) .

[6] أخرجه البخاري: كتاب العمرة - باب عمرة في رمضان ، حديث (1782) ، وكتاب جزاء الصيد - باب حج النساء ، حديث (1863) ، ومسلم: كتاب الحج - باب فضل العمرة في رمضان ، حديث (1256) .

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

أما بعد:

فمن أعمالهم الصالحة الموفقة كذلكم:

خامسا: القيام، كما أن شهر رمضان شهر الصيام، فهو كذلك شهر القيام قال ـ تعالى ـ: قُمِ ?لَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا نّصْفَهُ أَوِ ?نقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ ?لْقُرْءانَ تَرْتِيلًا.

وقال ـ تعالى ـ في صفة عباده المحسنين: كَانُواْ قَلِيلًا مّن ?لَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِ?لأَسْحَـ?رِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.

وقل: (( من قام رمضان إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) [1] ، وكانوا لا يقتصرون على هذه الأعمال بل كل شيء يقربهم إلى الجنة ويباعدهم عن النار. جعلنا الله وإياكم من هذه الصنف من الناس الذي عرف حقيقة الوقت وعمل لما بعد الموت، وهناك صنفان من الناس، لم يتكيف مع رمضان كما ينبغي بل كان واقعه مختلفا عن هدي السلف الصالح ولعلي أقص عليك طرفا منها:

فمنهم من يغلق مجاري الابتسامة على شفتيه، فما تراه إلا معبس الوجه مقطب الجبين، وإن حصل بينه وبين إنسان اخر شيء من الخلاف، سمعت السب والشتم ورفع الصوت، أو يكون نهاره إفطارا على لحوم إخوانه المسلمين وتتبعًا لعوراتهم، بل لا يكاد يسلم منه المسلم الذي يصلي بجواره في المسجد. ونقول لهذا الصنفان من الناس رويدك فما هكذا يكون خلق الصائم، وما هكذا يقضي يومه.

ومنهم من يجعل شهر رمضان شهر النوم والكسل والبطالة، فيقضي جل نهاره نائما وربما تجد البعض لا يستيقظ إلا قبيل المغرب بلحظات، وقد فاتته صلاة الظهر والعصر.

ومنهم من يمضي ليله أمام أجهزة الإفساد إلى قبيل الفجر عند نزول الرب إلى السماء الدنيا، فهو يطيع الله في النهار ويعصيه في الليل.

ومنهن من تقض ليالي رمضان في التجول في الأسواق وأمام نوافذ المشاغل، وفي أماكن أخرى، وربما خرجن بدون محرم، أو متبرجات سافرات، فيرجعن مأزورات غير مأجورات.

عجيب هذا الصنف من الناس، كيف لم يقدروا هذا الشهر حق قدره ولم يستشعروا حديث النبي: (( أتني جبريل فقال: يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، فقلت: آمين، قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله، فقلت: آمين، قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله فقلت: آمين ) ) [2] .

فنسأل الله ـ عز وجل ـ في هذه الساعة المباركة أن لا يجعلنا منهم نحن ولا أهلونا.

إن هؤلاء القوم يخشى عليهم ينتهي أن رمضان وقد حرموا خيرا عظيما، اللهم لا تجعل حظنا من صيامنا الجوع والعطش، ولا من قيامنا النصب والتعب.

ألا وصلوا وسلموا...

[1] أخرجه البخاري: كتاب الإيمان - باب تطوع قيام رمضان من الإيمان ، حديث (37) ، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين - باب الترغيب في قيام رمضان ، حديث (759) .

[2] أخرجه الطبراني (2022) ، وابن حبان: كتاب البر والإحسان - باب حق الوالدين ، حديث (409) ، قال الهيثمي في المجمع (8/139) : رواه الطبراني بأسانيد ، وأحدها حسن. وانظر كلام محقق صحيح ابن حبان ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (75) ، فالحديث صحيح بمجموع طرقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت