فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 5777

دروس من سورة يوسف عليه السلام

العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير, قضايا دعوية

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

روس في أساليب الدعوة: 11- لغة الخطاب 2- رقة الأسلوب 3- التمهيد والتدرج 4- التدين عن علم وبصيرة 5- اجتناب الفظاظة والغلظة أهمية الأسلوب الصحيح في صحة الدعوة ( أمثلة )

أما بعد:

فقال الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون [يوسف:37] .

في جواب يوسف على هذين الفتيين لمحات رائعة في أسلوب الدعوة أهمها لغة الخطاب التي استعملها يوسف عليه السلام في حواره معهما فالفتيان كانا وثنيين كما تدل على ذلك دعوته إياهما على التوحيد ومع ذلك تأمل رقة أسلوبه واللغة التي استعملها في حواره معهما.

بدأ أولًا ببيان قدرته كما أسلفنا على تأويل الرؤى والتحدث بما أنعم الله عليه من علم حتى يطمئنهما من أول وهلة على أن المشكلة التي تؤرقهما سيجدان حلها عنده, ثم بعد ذلك مهد عليه السلام للفكرة التي يريد أن يلقيها عليهما والعقيدة التي يريد أن يدعوهما إليها بعدة تمهيدات:-

أولها: لفت انتباههما إلي الرب سبحانه وتعالى, الرب الذي يعبده يوسف وأنه مصدر العطاء كل عطاء.

ثانيهما: بين لهما عليه السلام أن ما أختصه الله به من علم وأنعم عليه من موهبة في تعبير الرؤى إنما كان بسبب أنه وقع فيما وقع فيه مجتمعه وهو ذات المجتمع الذي ينتمي إليه الفتيان من شرك ووثنية ثم بعد ذلك في قوله: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله [يوسف:37] . تركت ملة قوم هذه العبارة الوجيزة من الأسرار القرآنية وآداب الدعوة الرفيعة ما لا ينتهي منه العجب ولكن نذكر طرفًا من ذلك:

أولًا: قوله: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله [يوسف:37] . هو تعليل لقوله: ذلكما مما علمني ربي [يوسف:37] . فبذلك أراد يوسف أن يبين لهما أن الإنسان قد يجد الجزاء على العقيدة الصحيحة والأعمال الصالحة في الدنيا قبل الآخرة وأن هذا الجزاء قد يكون ماديًا وقد يكون معنويًا كما هو هنا فقد كافئ الله يوسف على تجنبه تلك الملة المنحرفة وعدم وقوعه فيها ملة الوثنية والشرك والكفر بالله والكفر باليوم الآخر وكافئه على اتباع هذه الملة الصحيحة ملة التوحيد بأن وهبه العلم على حد قوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله وقوله سبحانه: إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا.

ثانيًا: قوله: إني تركت ملة قوم يريد يوسف عليه السلام بذلك الإشارة والإيحاء للمخاطبين على أن الدين الذي أعتنقه يوسف ليس دين تعيين عينه له أحد من الناس أبوه أو ولي أمره أو سلطانه أو حكومته ولا هو دين تقليد قلد فيه الآباء والأجداد والأسلاف وإنما هو دين انتخاب انتخبه يوسف لنفسه بالدليل والبرهان واختاره بكامل إرادته عن تفهم واقتناع وفي هذا إرشاد إلي أنه يجب على الإنسان العاقل أن لا يجعل هذه المسألة الهامة في حياته مسألة التدين والاعتقاد مجرد عادة وتقليد ومحاكاة للآخرين وخاصة إذا كانوا منحرفين وإنما يجب عليه أن يستعمل عقله ليصل بنور الاستقلال الفكري إلي الملة الحقة والعقيدة الصحيحة.

ثالثًا: قوله: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله فيه استجلاب للمخاطب وتلطف به من أجل أن يتحول ويترك الملة المنحرفة التي هو عليها ويسهل عليه الانقياد للملة الصحيحة فان الترك يتبادر إلي الذهن أنه يكون بعد الملابسة, الترك في اللغة يتبادر للذهن أنه إنما يكون بعد الملابسة بعد فعل الشيء ويوسف عليه السلام لم يقع أصلًا في ملة الوثنية والشرك حتى يتركها ومع ذلك استخدم لفظة الترك إني تركت ملة قوم وفي هذا تلطف مع المخاطب لأنه عليه السلام وضع نفسه في صفه ليكون ذلك أدخل بحسب الظاهر إلي الاقتضاء به كأنه يوحي إليهما ويوجههما ويقول لهما يجب أن تتركا هذه الملة المنحرفة كما تركتها أنا.

رابعًا: قوله: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله هذه أول غمزة لطيفة خفيفة رقيقة للملة التي يدين بها ذلك المجتمع الوثني ويدين بها الفتيان اللذان ينتميان لهذا المجتمع, مع كون تلك الملة ملة شرك ووثنية فان الفتيين يدينان بها تبعًا لمجتمعهما وتقليدًا لأسلافهما فكأنما يريد يوسف عليه السلام أن ينبه أذهانهما إلي أن هذه الملة المنحرفة لا تستحق إلا الترك لمخالفتها للدليل والبرهان ولعدم وجود مصوغ لاعتناقها.

خامسًا: المجتمع الذي تسوده الوثنية ويتفشى فيه الفساد الأخلاقي عادة ما تكون فيه الموازين مختلة وخاصة الموازين التي يتفاضل بها الناس, الموازين التي يفضل بها الإنسان على غيره فأراد يوسف عليه السلام بقوله: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله بعد قوله: ذلكما مما علمني ربي أي يبين لهما أن ما أختصه الله به من علم رباني وموهبة جليلة عظيمة لم يكن بسبب حسبه أو نسبه وإنما هو بسبب اعتقاده وعمله فالله تعالى لا ينظر إلي صور الناس وأشكالهم ولا يفضل بعضهم على بعض بأحسابهم وأنسابهم وإنما مقياس التفضيل عنده هو الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح, هذه الآداب الرفيعة والأساليب البديعة ولغة الحوار والخطاب التي نستنبطها من هذه العبارة الوجيزة من الآية: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله تبين ما يجب على المسلم عندما يدعو الآخرين إلي ملة التوحيد, تبين لنا أنه يجب أن نستخدم أحسن المناهج والطرق وألطف الوسائل والأساليب لاستجلاب الناس إلي الخير وأن نتحاشى الفظاظة والغلظة وتنفير الناس عن الملة الصحيحة, قال تعالى لنبيه ومصطفاه: ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك [آل عمران:159] . فإذا كان هذا بالنسبة لسيد الخلق أجمعين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلي آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فقد ثبت في الحديث الصحيح أن أعرابيًا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال في ناحية منه فقام إليه الصحابة ليزجروه فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم: (( لا تزرموه ) )أي لا تفزعوه ولا تهيجوه فلما فرغ الأعرابي من بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب أو بسجل أو بدلو من ماء فاهرق على بوله ثم قال للأعرابي: إن هذه المساجد لا تصلح شيء من هذا إنما هي لذكر الله والصلاة. وفي رواية أن الأعرابي قال: اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم معنا أحدًا. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (( لقد حجرت واسعًا ) ) [1] . فرحمة الله واسعة وسعت الخلق أجمعين.

هذا اللين وهذا الرفق العجيب كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعادته ودأبه دائمًا في دعوته وفي تعليمه للناس, والرفق واللين هما من أحسن أساليب الدعوة والتعليم ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا دخل العنف في شيء إلا شانه, والدعوة الصحيحة تتوقف على الأسلوب الصحيح والمنهج الصحيح ففساد الأسلوب وفساد المنهج يؤديان إلي فساد الدعوة وإلي تضيع النتائج وفوات الأهداف, وإن من أحسن أساليب الدعوة هو الأسلوب غير المباشر فليست كل الأحوال يلائمها الأسلوب المباشر في الدعوة والتعليم بل هناك مقامات تتطلب مثل هذه الأساليب الرقيقة اللطيفة, روى الخلال رحمه الله في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن عمارة رحمه الله قال: حضرت الحسن وقد دعي إلي عرس فجيء بجام"أي بقدح"من فضة عليه خبيز وطعام, ماذا يكون موقف الحسن وآنية الذهب والفضة قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عن الشرب فيها والأكل فيها, هذا منكر وهذا محرم ولكن المقام يستدعي الرفق واللين فماذا صنع الحسن قلب الخبيز والطعام على رغيف فأصاب منه أي فأكل من الطعام وهو على الرغيف وترك ذلك القدح من الفضة, قال عمارة: فقال رجل بجانبي لقد نهى هذا في سكوت. نهى عن هذا المنكر ولكن في سكون لأنه لا شك أن المدعوين رأوا ما فعل الحسن وهو إنسان محل قدوة وربما رآه أهل الضيافة فيكون بذلك قد بين لهم دون أن يلفظ بكلمة ودون أن يحدث أي ضجيج ودون أن يحرج أصحاب الضيافة أن الأكل في هذا القدح من الفضة لا يجوز. وهذا يذكرنا بأدب السبطين الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رأيا مرة رجلًا يتوضأ ولا يحسن الوضوء فقال أحدهما للأخر: تعالى أريك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. فتوضأ والرجل يسمع ويرى فبذلك علماه كيف كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يشعر ودون أن يحرجاه أو يجرحا مشاعره وهو أسن منهما وهما فتيان حدثان صغيران في السن رضى الله عنهما وأرضاهما. إننا بأمس الحاجة إلى مثل هذه الأساليب الرفيعة الرقيقة تلطفًا بالناس ورأفة بهم واستجلابًا لهم إلي الخير.

أما بعد: فان خير الكلام كلام الله وخير الهدى هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فان يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار وأعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن أدم أحبب ما شئت فانك مفارقه وأعمل ما شئت فانك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى على واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [2] ، اللهم صلِّ وبارك على محمد وعلي آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلي آل إبراهيم انك حميد مجيد وأرضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبى السبطين على وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] أصله في البخاري: ك: الوضوء (219) .

[2] صحيح مسلم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت