الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, مساوئ الأخلاق
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
حكمة يوسف في الدعوة - التعريف بالدين - الترفق بالمخاطَب - الدعوة إلى التوحيد الجمع بين الترغيب والترهيب - وسائل المترفين في محاربة المصلحين - لحوم العلماء مسمومة
أما بعد: فقال الله تعالى: ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرًا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون [يوسف:36-38] .
بدأ يوسف عليه السلام في الجواب على سؤال السجينين وبدأ الجواب بالتعريف بنفسه فلماذا؟ لا ننسى أنه دخل السجن بتهمة أخلاقية لفقت عليه, فالمترفون بعد أن ثبت لهم نقاؤه وصفاء سريرته وأنه صاحب رسالة سماوية أرادوا بذلك تشويه سمعته فهو أمام السجينين في موقف غريب إنه سجين مثلهما محل للتهمة وهناك محاولات لتلطيخ سمعته لكنه عليه السلام وجد السجينين يميلان إليه ويثقان به ويأنسان لشخصه وذلك نتيجة ما رأياه في السجن من سلوكه الرفيع وسجاياه العظيمة وخصاله الكريمة فأفعاله زكته قبل أقواله, أفعاله برأته قبل أقواله لكنه أحب هنا أن يبين لهما سلامة موقفه وصفاء سريرته, سلامته من التهمة التي لفقها عليه المترفون وذلك حتى يرسخ ثقتهما به وأنسهما بشخصه, فبدأ عليه السلام يعرف بنفسه بعبارة وجيزة لا فخر فيها ولا غرور ولا اعتداد بالنفس ولا خيلاء لكنه بدأ بما يتعلق بشأنهما وحاجتهما وما يشغلهما فطمئنهما إلى قدرته العلمية وموهبته الربانية في تأويل الرؤى.
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما [يوسف:37] . أليس هذا من مدح النفس وتزكيتها, ألا يمكن أن يكون دافعه الغرور والاعتداد بالنفس؟ كلا وحتى لا يخطر في بال السجينين شيء من ذلك بادر يوسف عليه السلام ببيان مصدر ذلك العلم ومصدر تلك الموهبة ومصدر ذلك العطاء ذلكما مما علمني ربي [يوسف:37] . إنه ليس بجهدي ولا بإمكانياتي ولا لخصائص في ذاتي ولكنه عطاء من الرب سبحانه وتعالى, إنه انتقال رائع من الدفاع عن النفس والتعريف بالشخص إلى الحديث عن الرب سبحانه وتعالى والتعريف به أنه مصدر العطاء ومصدر العلم فالخلق كلهم محتاجون إليه سبحانه وتعالى حتى يهبهم العلم وحتى يهبهم العطاء.
ثم انتقل يوسف عليه السلام بحكمة بالغة وأسلوب بديع من التعريف بالرب سبحانه وتعالى إلى الكلام على الدين والعقيدة والملة بحنكة وذكاء عجيبين ففي نفس الوقت الذي يطرح فيه علي مسامع السجينين المنتبهين إليه بكل جوارحهما في نفس الوقت الذي يطرح عليهما أفكارًا أساسية عن العقيدة والملة والدين يعرفهما بنفسه أيضًا: قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون [يوسف:37] . هذا بيان لعقيدة الطرف الأخر, الطرف المخالف الذي يراد تحذير السجينين من عقائده وأفكاره, إنه المجتمع الذي ينتمي إليه السجينان ولذلك ترفق يوسف عليه السلام بهما وهو يبين لهما فساد عقيدة مجتمعهما الذي ينتميان إليه والذي هما جزء منه فاستخدم أسلوب التعميم والتلميح بدلًا من التصريح تركت ملة قوم ملة قوم هذا التنكير مع أن مراده عليه السلام هو المجتمع الذي ينتمي إليه السجينان وعاش يوسف نفسه في ظلال ذلك المجتمع, لكن هذا التنكير الذي هو نوع من التعميم والتلميح مراد يوسف به استجلاب السجينين والرفق بهما وهو يبين لهما فساد أفكار المجتمع وعقيدة المجتمع واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ربطهما بتلك السلسلة الكريمة من الرسالات السماوية وبتلك السلسلة العظيمة من أنبياء الله ورسله, في نفس الوقت بين لهما على استحياء انتسابه لتك السلسلة النبوية اتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب [يوسف:38] . فلما عرف السجينان شخصيته وعرفا أنه سليل بيت النبوة وأن الرسالة التي يدعو إليها هي فرع من تلك الرسالات العظيمة الكريمة واكتملت صورة شخصيته المهيبة في نفسيهما بعد ذلك كله, صدع بأول أساس فكري للملة الصحيحة للعقيدة الصحيحة التي يدعوهما إليها ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء إنه التوحيد أول أساس فكري للملة الصحيحة يدعو يوسف عليه السلام رفيقيه السجينين إليهما ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء [يوسف:38] . إذن فتلك الوثنية التي يرتع فيها المجتمع مجتمعنا أيها السجينان إنها انحراف قبيح عن الدين الحق والملة الصحيحة التي جاء بها الأنبياء والمرسلون بل هي أكثر من ذلك الشرك والوثنية أكثر من ذلك إنها شقاء في الحياة ونقمة على الناس بينما ملة التوحيد إذا اتبعوها نعمة عظمى عليهم وفضل من الله يتفضل به على من يصطفي من عباده ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون [يوسف:38] . ذلك أي التوحيد, إن دعوة المنحرفين عن الملة السمحاء ملة التوحيد لا يكفي فيها أن تبين لهم قبح انحرافهم ولا سوء الوثنية التي وقعوا فيها ولا سوء الشرك الذي تورطوا في حبائله بل يجب على الدعاة إلى التوحيد يجب على كل إنسان أن يتنبه عقله إلى محاسن التوحيد, فعلى الدعاة أن ينبهوا عقول الناس إلى محاسن التوحيد ويشوقوا نفوسهم إلى مزاياه العظيمة فإن للتوحيد أثرًا إيجابيًا عظيمًا على حياة الإنسان وفي صلاح حياة الإنسان وازدهارها في سائر الجوانب, ولذلك فهو ملمح عظيم من ملامح الأسلوب القرآني جمعه بين الترغيب والترهيب فمن أسلوب القرآن الكريم الجمع بين الترغيب والترهيب فلو اقتصر على الترغيب فحسب إذن ربما يتكل الناس علي الوعد فلا يخافون, ولو اقتصر على الترهيب فحسب إذن ربما يقنطون من المغفرة والرحمة فلا يتوبون, ولكن الحكمة القرآنية البالغة ميزان دقيق بين الطرفين بين الترغيب والترهيب نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم [الحجر:49] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فإن هذه المحنة وهي المحنة الثالثة التي يمر بها يوسف الصديق عليه السلام محنة السجن مع محاولة تلطيخ السمعة تنبهنا إلى أمرين خطيرين على كل مسلم ومسلمة أن يكون على بصيرة بهما لكي لا يقع في حبائلهما:
أولهما: أن المترفين يحاربون رسالات الإصلاح , يحاربون الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من المصلحين يحاربونهم بكل وسيلة لا يردعهم شيء عن استخدام أي وسيلة مهما كانت خبيثة دنيئة لا أخلاقية فالغاية تبرر الوسيلة في منطق المترفين أعداء الأنبياء ومن أشد وسائلهم جرمًا استباحة أعراض العلماء والدعاة والمصلحين هذا من أشد وسائل أولئك المترفين جرمًا وخبثًا وضررًا فهو محاولة للقتل المعنوي لكنه يفشل دائمًا لأن شمس الحق, شمس النقاء, شمس المبادئ الربانية السامية تبدد الظلام وتقضى دائمًا علي خفافيش الظلام ولذلك يلجؤون إلى القتل الجسدي قتل الأنبياء, قتل أتباع الأنبياء وأكثر من يقترف هاتين الجريمتين خبثًا وتمرسًا ودهاء ومكرًا هم اليهود من أول الزمان إلى أخر الزمان, قال تعالى: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين [آل عمران:21-22] .
ثانيهما: فليعلم كل مسلم أن أعراض العلماء محرمة ولحومهم مسمومة فكل من أكل لحوم العلماء هلك وكل من استباح أعراضهم خسر الدنيا والآخرة لأن العلماء ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكنهم ورثوا هذا العلم, وكل مسلم هو بهذه المثابة فعرضه محرم ولحمه محرم ولكن حق العلماء أكبر ولكن حرمتهم أعظم, فالوقيعة في العلماء وفي الدعاة والمصلحين وفي حملة كتاب الله للعالمين هي من أشد الكبائر جرمًا بل هي أخبث ضررًا من الزنا واللواط وشرب الخمر, قال تعالى: قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم [التوبة:65-66] . فسمى الوقيعة في العلماء كفرًا فإن سبب نزولها أن بعض المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تكلموا في علماء الصحابة فقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء. فحكم الله عليهم بالكفر والنفاق ولم يقبل اعتذارهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم هرعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه بأنهم كانوا يمزحون ويلعبون , لم يكونوا يقصدون, لم يقبل الله عذرهم وحكم عليهم بالكفر والنفاق [1] واعتبر وقيعتهم في العلماء استهزاء بالله وبآياته وبرسوله, هذا الدين كلام الله عز وجل سنة النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم كيف وصلت إليك؟ أوصلت إليك تمشي على رجلين؟ العلماء هم حملة هذا الدين حملة هذا الكتاب حملة هذه السنة وأوعيتها بواسطتهم وصل إليك الدين فالوقيعة فيهم إذن سخرية بالله, استهزاء بالله وبآيات الله وبرسول الله صلى الله عليه وسلم وبسنته المطهرة, فإياك أيها المسلم أن تلقى الله عز وجل وفي ذمتك الوقيعة في عرض أي مسلم, فإن عرض المسلم حرام ولكن أشد من ذلك وأعظم جرمًا أن تلقى الله وفي ذمتك الوقيعة في العلماء فإن العلماء هم ولاة أمر هذه الأمة, إذا كان الأمراء هم ولاة أمر التنفيذ فالعلماء هم ولاة أمر التوجيه الذين يحملون هذا الدين ويحملون كلام رب العالمين وسنة سيد المرسلين, وتنفيذ بلا توجيه كارثة علي الأمة ودار وهلاك, فإياك أن تلقى الله وفي ذمتك الوقيعة في عرض عالم في عرض داعية مصلح, وأعظم من هذا جرمًا وأخبث أثرًا وربما خرجت به من الملة الوقيعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم سادة العلماء وقادة هذه الأمة وقدوتها إلى يوم القيامة, رب كلمة تقولها لا تلقي لها بالًا تستبيح بها عرض مسلم وخاصة إذا كان من العلماء والدعاة والمصلحين وتهوي بها في النار سبعين خريفًا, ورب كلمة تقولها في الذب عن عرض أخيك المسلم وخاصة إذا كان من العلماء والدعاة المصلحين لا تلقي لها بالًا يرفعك الله بها درجات في الجنة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في نار جهنم ) ) [2] صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [3] ، اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبى السبطين على وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] أخرجه الطبراي في التفسير الجزء العاشر (172) .
[2] البخاري: كتاب الأدب (6113) .
[3] صحيح مسلم (408) .