فهرس الكتاب

الصفحة 3420 من 5777

الصلاة في رمضان

فقه

الصلاة

ماجد بن عبد الرحمن الفريان

الرياض

سليمان بن مقيرن

1-منزلة الصلاة في الإسلام. 2- حرص النبي على المحافظة على الصلوات الخمس. 3- فضل المحافظة على الصلوات الخمس في الجماعة. 4- بيان أثقل الصلاة على المنافقين. 5- فتاوى أهل العلم في تارك الصلاة. 6- الكلام على بعض البرامج التي تعرض في رمضان.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى.

معاشر المسلمين، أيها الإخوة ، لئن تفاضل بعض الأيام والشهور وتضاعفت في بعض المواسم الأجور فما ذلك إلا من أجل مزيد العمل وتنشيط الهمم، ليزداد فيها حب الطاعة ويستيقظ فيها أهل الغفلة.

ومن أجل محاسبة دقيقة ومعالجة لأحوال النفس صادقة واختبار للعمل بيِّن فهذه وقفة مع فريضةٍ من فرائض الله ليست مرتبطة بموسم، ولا موقوفة على مناسبة، فريضةٍ ليست في العمر مرة ولا في العام مرة، بل ولا في اليوم مرة، ولكنها في اليوم والليلة خمس مرات، لها في الإسلام منزلة لا تعدلها منزلة أيِّ عبادة أخرى.

إنها الصلاةَ يا عباد الله، الصلاة الصلاة أيها المسلمون، ركنُ الدين وعموده، قال: (( رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) )رواه أحمد والترمذي بسند صحيح.

أولُ ما أوجبه الله تعالى من العبادات، وهي أول ما يحاسب عليه العبد، وهي آخرُ وصية وصَّى بها رسول الله أمته عند موته، عن أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: (( الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) )حَتَّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يُغَرْغِرُ بِهَا صَدْرُهُ وَمَا يَكَادُ يُفِيضُ بِهَا لِسَانُه. رواه أحمد وابن ماجه.

وهي آخر ما يُفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله، قال: (( لتنقضن عرى الإسلام عروةً عروةً، فكلما انتقضت عروةٌ تشبّث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا الحكمُ، وآخرهنَّ الصلاة ) )رواه أحمد وغيره. وليت شعري، ماذا يبقى من الدين إذا ذهبت الصلاة؟! قال الإمام أحمد رحمه الله:"كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء"، ولقد صدق والله، فإذا كانت الصلاةُ هي آخرَ ما يبقى من الدين وقد ضيعت فماذا يبقى من دين المرء.

ولقد قال تعالى حكاية عن أهل النار: مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ?لْمُصَلّينَ [المدثر:42، 43] ، وتوعد عز وجل تاركَ الصلاة بقوله: فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ?لَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـ?تِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4، 5] ، والسهو عن الصلاة تركها حتى يخرج وقتها.

وقد جعل الرسول الحد الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة فقال: (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ) )رواه أحمد وأهل السنن بسند صحيح.

وتوعد عز وجل من ضيعها بالعذاب الشديد فقال: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَ?تَّبَعُواْ ?لشَّهَو?تِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا [مريم:59] ، والغي واد في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر، جعله الله لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات.

ولقد كان النبي شديد الحرص على الصلاة والمحافظة عليها، عن الأسود قال: سألت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي يصنع في بيته؟ قالت: يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري. وكان في مرض موته يغتسل المرتين والثلاث لعلَّه يجد خفة فيصلي مع الناس، فيغمى عليه في كل مرة، فلما وجد من نفسه خفة خرج يهادى بين رجلين، قالت عائشة رضي الله عنها: كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع. رواه البخاري. فلم يكن رسول الله يقدر على رفع رجليه عن الأرض ومع ذلك خرج إلى الصلاة.

ولقد بشر رسول الله من اهتم بالصلاة من أمته وحافظ عليها أن يظلّه الله في ظله فقال: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) )وذكر منهم: (( ورجل قلبه معلق بالمساجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ) )متفق عليه.

ولقد أبدى وأعاد في شأن الصلاة وحثّ عليها ورغّب فيها وحذّر من تركها وتضييعها، فعن عبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلاةَ يَوْمًا فَقَال: (( مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلا بُرْهَانٌ وَلا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ ) )رواه أحمد بسند جيد والطبراني وابن حبان في صحيحه.

ولم يرخص النبي في ترك الصلاة لا في مرض ولا في خوف، بل إنها لا تسقط حتى في أحرج الظروف وأشد المواقف في حالات الفزع والمسايفة والمنازلة.

أما المريض فليصل قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، وإذا عجز عن شروطها من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة صلى بلا طهارة وبلا ستر عورة وإلى غير قبلة. فالصلاة ـ أيها المسلمون ـ لا تسقط بحال ما دام العقل موجودًا، وهذا ولا شك يدلّ على عظمتها وتأكّد وجوبها.

عباد الله، ومن أوضح صفات المنافقين التخلّف عن صلاة الجماعة، قال عبد الله بن مسعود: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) رواه مسلم.

وقد تساهل الناس في أمر الصلاة في المساجد والله يقول في كتابه الكريم: وَأَقِيمُواْ ?لصَّلو?ةَ وَآتُواْ ?لزَّكَو?ةَ وَ?رْكَعُواْ مَعَ ?لرَّاكِعِينَ [البقرة:43] ، قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى:"وهذه الآية الكريمة نص في وجوب الصلاة في الجماعة والمشاركة للمصلين في صلاتهم، ولو كان المقصود إقامتها فقط لم تظهر مناسبةٌ واضحة في ختم الآية بقوله سبحانه: وَ?رْكَعُواْ مَعَ ?لرَّاكِعِينَ."

ولقد كان يحرص على صلاة الجماعة ويتفقد أصحابه فيها ويخبر دائمًا أن الصلاة ثقيلة على المنافقين وخاصة جماعة العشاء والفجر، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا الصُّبْحَ، فَقَال: (( أَشَاهِدٌ فُلانٌ؟ ) )قَالُوا: لا، قَالَ: (( أَشَاهِدٌ فُلانٌ؟ ) )قَالُوا: لا، قَالَ: (( إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ، وَإِنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلائِكَةِ، وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ لابْتَدَرْتُمُوهُ ) )رواه أحمد وأبو داود وصححه الذهلي وابن معين.

ولم يرخص النبي في ترك الجماعة إلا لعذر من خوف أو مرض، ولقد جاءه رجل أعمى فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا كما تراني قد دَبَرَت سني ورقَّ عظمي وذهب بصري، ولي قائد لا يلائمني قياده إياي، فهل تجد لي رخصة أصلي في بيتي الصلوات؟ فقال: (( هل تسمع المؤذن في البيت الذي أنت فيه؟ ) )قال: نعم يا رسول الله، قال رسول الله: (( ما أجد لك رخصة، ولو يعلم هذا المتخلّف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي إليها لأتاها ولو حبوًا على يديه ورجليه ) )رواه الطبراني وأصله في الصحيحين، وفي رواية قال: يا رسول الله، إن منزلي شاسع وأنا مكفوف البصر وأنا أسمع النداء، قال: (( فإن سمعتَ الأذان فأجب ولو حبوًا أو زحفًا ) )رواه أحمد وغيره.

عباد الله ، هذا رجل مكفوف البصر شاسع الدار كبير السنّ ضعيف البدن لم يرخّص له النبي في ترك الجماعة، وفي بيوت المسلمين اليوم رجال قادرون أقوياء يسمعون النداء صباح مساء ثم يتخلّفون عن الصلاة مع الجماعة!! ما حجّتهم أمام الله؟! وما عذرهم؟! وما جوابهم أمام الجبار سبحانه وتعالى؟! وما حجة من يراهم فيسكت على أفعالهم؟! قال: (( من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر ) )أخرجه ابن ماجه والدار قطني وغيرهم، قال ابن باز:"إسناده على شرط مسلم"، وقالت عائشة رضي الله عنها: (من سمع النداء فلم يجب لم يجد خيرًا ولم يرَد به خير) ، وقَالَ ابن مسعود رضي الله عنه: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ) رواه مسلم.

نعم، والله لقد كان المرضى في زمن النبي يحرصون على الجماعة وإن لم تجب عليهم طمعًا في الثواب الجزيل من الله تعالى. قال الشافعي رحمه الله:"لا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر".

أيها المسلمون، لقد تَفَلَّتَ أمرُ الصلاة من المسلمين، فمنهم من يصلي في رمضان فحسب، ومنهم من يصلي الجمعة فقط، ومنهم من يصلي في بيته، ومنهم من يصلي العصر مع غروب الشمس ويصلي الفجر مع طلوع الشمس، وآخرون يصلون أربع صلوات فحسب وأسقطوا صلاة الفجر، وآخرون يصلون ويتركون أبناءهم خلفهم في البيت فلا يأمرونهم بصلاة ولا ينهونهم عن منكر.

إخوة الإسلام ، لما سئل العلامة ابن باز رحمه الله عمّن يثبِّتُ ساعته على السابعة صباحًا ـ أي: بعد شروق الشمس ـ ولا يصلي الفجر إلا بعد استيقاظه، قال في الجواب رحمه الله:"من يتعمّد تركيب الساعة إلى ما بعد طلوع الشمس حتى لا يصلّي فريضة الفجر في وقتها هذا قد تعمّد تركها، وهو كافر عند جمع من أهل العلم ـ نسأل الله العافية ـ لتعمده ترك الصلاة، وهكذا إذا تعمّد تأخير الصلاة إلى قرب الظهر ثم صلاها عند الظهر أي: صلاة الفجر، أما من غلبه النوم حتى فاته الوقت فهذا لا يضره ذلك، وعليه أن يصلي إذا استيقظ، ولا حرج عليه إذا كان غلبه النوم أو تركها نسيانًا".

وسئل أيضًا العلامة ابن عثيمين رحمه الله بهذا السؤال: يعيب بعض علماء المسلمين على المسلم الذي يصوم ولا يصلي، فما دخل الصلاة في الصيام، فأنا أريد أن أصوم لأدخل مع الداخلين مع باب الريان ومعلوم أن رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، أرجو التوضيح وفقكم الله؟ فأجاب حفظه الله:"الذين عابوا عليك أنك تصوم ولا تصلي على صواب فيما عابوه عليك، وذلك لأن الصلاة عمود الإسلام، ولا يقوم الإسلام إلا بها، والتارك لها كافر خارج عن ملة الإسلام، والكافر لا يقبل الله منه صيامًا ولا قيامًا ولا حجًا ولا غيرها من الأعمال الصالحة لقوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـ?تُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِ?للَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ?لصَّلَو?ةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى? وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـ?رِهُونَ [التوبة:54] . وعلى هذا فإذا كنت تصوم ولا تصلي فإنا نقول لك: إن صيامك باطل غير صحيح، ولا ينفعك عند الله ولا يقربك إليه. وأما ما وهمته من أن رمضان إلى رمضان مكفر لما بينهما فإننا نقول لك: إنك لم تعرف الحديث الوارد في هذا، فإن رسول الله يقول: (( الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ) )رواه مسلم، فاشترط النبي عليه الصلاة والسلام لتكفير رمضان إلى رمضان، اشترط أن تجتنب الكبائر، وأنت ـ أيها الرجل الذي لا تصلي وتصوم ـ لم تجتنب الكبائر، فأيّ كبيرة أعظم من ترك الصلاة؟! بل إن ترك الصلاة كفرٌ فكيف يكفر الصيام عنك؟! فترك الصلاة كفر ولا يقبل منك الصيام، فعليك ـ يا أخي ـ أن تتوب إلى ربك وأن تقوم بما فرض الله عليك من صلاتك، ثم بعد ذلك تصوم"انتهى.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله لي ولكم.

أما بعد: فيا عباد الله، أيها المؤمنون، إن رمضان هبة الله لهذه الأمة وعطيته لأهل الملة، فمن فاته الخير فيه فقد فاته من الخير أوفره ومن الهدايا أغلاها وأثمنها.

وإن مما يجب التذكير به ـ ونحن نودع الأيام الأولى منه ـ أن في البشر قُطَّاعَ طريق، يصدون الخلق عن خالقهم، ويضلونهم عن سبل رشادهم وهدايتهم، لم نزل نراهم في الصحف والمجلات، في الشوارع والطرقات، في الإذاعات والشاشات، يعِدون ويبشّرون، ويدعون الناس إلى قضاء أسعد الأوقات وعمارة ليالي رمضان ـ زعموا ـ والاستمتاع بمتابعة السهرات والحفلات في تلك القناة أو غيرها.

أيها العقلاء، اسمحوا لي أن أقول: إن في الأمة عددًا ليس باليسير من هو ضعيف الإرادة والعزيمة، قليل الوعي والتخطيط، وإلا بمَ تفسّرون لهث الناس ومتابعتهم لبرامج ساذجة سخيفة؟! أتوا عقول القوم من باب التسلية والسمر والضحك وقضاء الأوقات، فيُلمَز الناس ويستهزَأ بعادات البلَد تحت مظلّة الضحك، يمَسّ جناب الدين ويُهَوَّن من شأن شعائر الدين ونحن نضحك، يُسخَر بشعائر الدين الثابتة كالمَحرَم ونحوه ونحن نضحك، تعرَض المرأة المتمسِّكة بحجابها على أنها المتخلِّفة الرجعية ونحن نضحك، تُصوَّر بعض مظاهر الحِشمة والغَيْرة على الأعراض على أنها سَذاجة ودروشَة وحمق ونحن نضحك، تظهر المرأة المتكشّفة المتبرّجة على أنها المتقدّمة غير المعقّدة ونحن نضحك.

وبعد هذا يأتي من يقول بكل برود:"لا تعطوا القضية أكبر من حجمها، المسألة ضَحِك وانتقاد لسلبيّات المجتمع". وإن سلّمنا جدلًا أنّ ما يعرض في مثل هذه البرامج لا ينقل إلا تلك العادات السيئة في المجتمع فهل هذا هو الأسلوب الأمثل لتصحيح الأخطاء وتعديل السلوك؟ ماذا قدّم أولئك لمجتمعهم وأمتهم في واقع الجدّ والعمل للرفع من شأن المجتمع؟! إنهم على جنبات الطرقات، قطعوا الطريق على المتهجدين والصائمين، شغَلوا الناس عن ذكر الله والصلاة، حرموا المسلم من شغل وقته بالطاعات.

إنّنا بحاجة ـ أيها الأكارم ـ إلى أن نعاود النظر في اهتماماتنا، نراجع الحساب في نظرنا للأمور وسبر أغوارها وأبعادها وما الهدف منها، لسنا أمة تحرّكها النكات ويستهويها حمق المهرّجين وسفه الحمقى والمغفّلين أو يقودها همج الخلق ورعاع الناس.

واسمحوا لي ـ أيها الفضلاء ـ أن أقول: إنه قد لا يعتريك استغراب ودهشة أن يتابع مثل ذلكم الهراء شابّ في مقتبل عمره أو فتاة لم تزَل في ريعان شبابها، ولكن الأسف والألم والدّهشة والحيرة تحتويك إذا رأيت حديث الرّجال الكمّل والعقلاء من الناس لا يتعدّى أحداث حلقاته وصور ممثليه. فما بقي للرجولة والعقل والغَيرة؟!

ينبغي أن نترفع عن أفكار هؤلاء المفلسين، والذين لا يحملون مشاريع الإصلاح، وإنما يجيدون الهدمَ والفساد، نسأل الله أن يكفي المسلمين شرهم.

اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الحوض والمقام المحمود...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت